بيان الكتب: ولدت المؤلفة البروفيسورة آن ماري شيمل عام 1922 في المانيا، ثم درست العربية والفارسية والتركية وتاريخ الفن الاسلامي في جامعة برلين. وحصلت على الدكتوراه في الفلسفة، ام 1943 برسالتها العلمية «دور السلطان في مصر في اواخر عصر المماليك». درست في جامعة أنقرة وجامعة الدراسات الإسلامية في بون، وجامعة هارفارد، إلى أن تقاعدت عام 1992. يعد كتاب «الشمس المنتصرة» من الكتب النفيسة في الثقافة الاسلامية عامة، وفي فكر جلال الدين الرومي وشعره على الخصوص. وتذكر المؤلفة في مقدمة الكتاب أنها اهتمت بأعمال الرومي على امتداد اربعين سنة، وان من بين الاشياء القليلة التي اخرجتها معها، حين خرجت من برلين الى مخيم الاعتقال الامريكي في ظل ظروف الحرب الثانية وهزيمة المانيا عام 1945، كتاب (المثنوي) لجلال الدين الرومي. وقد ازداد تعرفها بالرومي بعد ذلك حين عكفت على دراسة الشاعر الباكستاني الكبير محمد إقبال (ت 1938م)، وهو التلميذ الروحي للرومي، وترى الاستاذة شيمل ان تناول اقبال للرومي يمثل التناول العصري للتصوف الاسلامي التقليدي. يشتمل الكتاب على اربعة ابواب كبرى، تناولت المؤلفة في اولها الاطار الخارجي والخلفية التاريخية التي ولدت التصوف الاسلامي، فتحدثت باختصار عن توسع دولة المسلمين اثر وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وعن العصرالذهبي للخلفاء الراشدين، فالدولة الأموية التي جعلت مقر خلافتها دمشق، فالدولة العباسية وعاصمتها بغداد ومن هنا غدت التأثيرات الايرانية في الثقافة الاسلامية واضحة المعالم في كل مجالات الحياة. فوضعت الأسس النظرية للشريعة الاسلامية، وطورت المذاهب الفقهية الاربعة، ونما التفكير الكلامي المسلح بالسلاح الجديد المتمثل في المصطلحات الفلسفية الهيلينية. بعد ذلك تناولت المؤلفة حياة الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي، الذي ولد في بلخ وهي الآن في افغانستان عام 604 هـ ـ 1207م على وجه التقريب. ثم رحيله مع اسرته اثر تهديد المغول الآتي من آسيا الوسطى، ومروره بخراسان ونيسابور فسوريا فقونية حاضرة الاناضول حيث استقر وتزوج ومات ودفن. ثم تنتقل لتحدثنا عن التقليد الشعري والالهام والشكل، فترى ان جلال الدين كان متأثرا بعمق بسابقيه في ميدان الشعر الصوفي وعلى نحو خاص (المثنوي) اي بالسنائي والعطار. كما توقفت عند طبيعة شعره والصور المجازية التي كان مولعا بها، واستعرضت مجمل التأثيرات التي عملت على تهيئة شعره على هذا النحو الذي جمع بين الجلال والجمال، يقول: عندما يمحى الغزل من لوح القلب .. فإن غزلا آخر لاشكل له ولاحروف يسمع من الروح وتعكس اشعار الرومي كل مزاج لروحه في الاشهر الطويلة من الاشواق، وفي بعض الاحيان يداعب المعشوق: تقول لي في كل لحظة : قل كلمات حلوة ذكية هبني قبلة مقابل كل بيت، واجلس بجانبي ولان الناي لا يستطيع ان يتحدث الا عندما تمسه شفتا الموسيقي فإن الرومي ـ في كل ابياته المتصلة بالموسيقا تقريبا ـ كثيرا ما يستدعي نفس الحبيب او يده ليمكنه من الغناء ثانية: لو أتيح لي ان اتصل بعقلي، لقلت كل ما يمكن ان يقال وفي لحظات اكثر صحوا، حاول ان يتأمل وظيفة اللغة في التعبير عن التجربة الصوفية. وان واحدا من اجمل المقاطع في هذا الشأن، مثبت في الجزء الاول من المثنوي، وذلك عندمايسأله حسام الدين (أحد مريديه) الذي لايزال غير مجرب، ان يتحدث عن شمس الدين التبريزي، الا ان الرومي يرفض، فإن هذه الشمس قوية الاشعاع والألق ممايجعل من العسير الحديث عن اسرارها الا بلغة المجازات والقصص والحكايات: من الأفضل ان يظل سر الحبيب مكتوما: أأصغيت الى محتويات الحكاية؟ من الافضل ان يقص سر العاشقين في حديث الآخرين وتفرد المؤلفة الباب الثاني من الكتاب للحديث عن الصور المجازية عند الرومي، كالشمس والماء، ورمزية الحدائق، والصور المستوحاة من الحيوانات، والحياة العامة والاطفال والطعام والامراض و .. والصور المرتبطة بالنسيج والخياطة، والخط الالهي وتسليات الكبراء، والصور المجازية القرآنية، والمستمدة من التاريخ والجغرافيا والمستمدة من تاريخ التصوف، والموسيقا والرقص. اما الباب الثالث فقد افرد للمباحث الالهية عند الرومي: الله وإبداعه، الانسان وموقعه من آثار الرومي، والنبوة في آثار مولانا، والسلم الروحي، وقصة حبات الحمص، وفكرة العشق في آثاره، ومسألة الدعاء لديه. هذا وقد اوضحت تأثير مولانا في الشرق والغرب من خلال الباب الرابع. وأخيرا: فإننا لانريد ان يستغني القاريء الكريم بما نذكره هنا عن قراءة الكتاب كله ان وجد في نفسه ميلا الى ذلك، وسيرى القاريء ان مؤلفة الكتاب من الطراز الاول من المؤلفين استقصاء وتأملا وتحليلا واستخلاصا للنتائج. كما ان ترجمة هذا الكتاب من الانجليزية الى العربية ومراجعة مادته الفارسية لهي ثمرة تقدير وحب يرتقي الى درجة العشق لهذا الشاعر العملاق، يكنه له المترجم د. عيسى علي العاكوب الذي يُشهد له بالكفاءة والأمانة. صباح فاروق كيالي