يعرف تاريخ الملاحة البحرية قصصا لا تصدق عن حوادث الغرق وعلى الرغم من كل التطور العلمي الذي شهده عالم البحار فإن الاخبار لاتزال تنقل بين الحين والاخر عن غرق هذه السفينة او جنوح تلك، فإلى اي مدى بمقدور العلم والتقنية اليوم ان يساعدا انسانا يجد نفسه في لحظة ما وقد تحطمت به السفينة في عرض البحر بانتظار بارقة امل تبشره بقدوم من ينتشله؟ لقد عرفت صناعة النقل البحري قفزات تقنية هائلة في التكتيكات والتجهيزات وفي اجراءات النجاة حين التعرض لحادث مع ذلك فإن مجرد التفكير في امكانية الحاجة لاستخدام هذه الاجراءات والتجهيزات يوما ما تبث الرعب في نفوس اكثر رجال البحر خبرة. من المؤكد ان الانسان لم يتمكن من ترويض البحر، حتى الان، كما ان المصاعب التي تواجه اي انسان ينتظر على حطام سفينة في عرض البحر لاتزال جمة يصعب التغلب عليها. والاولية، طبعا، حينها ستكون لتوجيه نداء استغاثة طلبا للعون، وكانت اجهزة اللاسلكي قد ظهرت لاول مرة على متن السفن نهاية القرن التاسع عشر، لكن حتى يوم غرق تايتانيك كانت عملية وصول نداء الاستغاثة لاتزال تتضمن عنصر المصادفة، حينها كان عمال اللاسلكي يستخدمون اشارات مورس، لكن محدودية المدى الذي تصله اشارة هذه الاجهزة كانت تعني ان اي سفينة بعيدة عن خطوط النقل البحري ذات الحركة الكثيفة لن تجد من يسمع استغاثتها. لكن هذا الوضع تغير في عام 1999 حينما بدأ تشغيل النظام العالمي للسلامة البحرية من الكوارث بعد 10 سنوات من العمل على اعداده، واليوم لابد لاي سفينة تجارية لنقل الركاب او سفينة شحن يزيد وزنها على 300 طن ان تحمل جهاز تشغيل هذا النظام. وبفضل اجهزة هذا النظام تستطيع السفينة ان تتصل بأحد اقمار انمارسات الاربعة التي يغطي اثنان منها المحيط الاطلسي والثالث المحيط الهادي فيما يغطي الرابع المحيط الهندي والمهمة الاساسية للنظام هي تمكين السفينة من ارسال اشارة استغاثة فيسجل القمر الصناعي هويتها وموقعها، قبل ان يرسل اشارة طواريء الى اقرب مركز بري للبحث والانقاذ. لكن مع ذلك فإن هذا النظام لا يمكن الاعتماد عليه بنسبة مئة في المئة فتغطيته للمحيطين الهادي والهندي قد تكون متقطعة احيانا، كما ترد تقارير مفادها ان السفن المسجلة في دول ذات قوانين بحرية متساهلة لا تقوم بتركيب الجهاز، اضف الى ذلك ان النظام لا يعمل الا بين خطي العرض 70 شمالا و 70 جنوبا، وهذا يعني ان السفينة التي تعمل خارج هذا المجال لابد لها من ان تكون مجهزة بلاسلكي ذي تردد عال بمدى عالمي. اما الخطوات التالية لمن تغرق سفينته فهي الهرب منها سالما وهنا يأتي دور قوارب النجاة، واليوم تتطلب القوانين من كل بواخر الركاب والشحن ان تكون مجهزة بقوارب نجاة تفضل اكثر السفن اليوم ان تكون مطاطية وبمجرد الضغط على زر تنطلق هذه القوارب من حواضنها، وتنتفخ بالهواء، وتنزل الماء فيما تظل معلقة بجانب السفينة بخيط يمكن قطعه من نقاط ضعيفة مصممة مسبقا. ليس هذا فحسب، بل ان العديد من السفن مجهزة بمقاييس لعمق الماء في السفينة، تقوم باطلاق قوارب النجاة المطاطية اوتوماتيكيا اذا ما غاصت حواضن هذه القوارب في الماء، كما ان القوارب الحديثة تكون مزودة بطبقتين منفصلتين بحيث تبقى العليا سليمة، اذا ثقبت السفلى. ليس هذا فحسب بل انها مزودة ايضا بغطاء علوي يحمى من على متنها من العوامل الطبيعية، ويكون ايضا بمثابة اداة لجمع ماء المطر لتوفير مياه الشرب العذبة للناجين. لكن ماذا بعد ذلك؟ لابد من قدوم من ينتشلك من عرض البحر، والا فإن الفائدة من قوارب النجاة لن تكون سوى تأجيل النهاية واطالة المعاناة، هنا يأتي دور جهاز اشارة الموقع اللاسلكية وهو جهاز صغير انقذ حياة البعض، حتى الان، يقوم بإطلاق اشارة لاسلكية مباشرة الى الاقمار الصناعية لتحديد موقع قارب النجاة بهامش خطأ لا يتجاوز ثلاثة اميال وبعضها مزود بترددين للاشارة اللاسلكية. وما ان يتم تشغيل الجهاز تدوم بطاريته مابين 47 و 72 ساعة، وان لم يتلقط احد اشارتك ضمن هذه المدة او كنت في بقعة نائية جدا من البحر فإن الفرص ستتضاءل طبعا. ويظل نقص الماء العذب القاتل الاول للناجين من السفن الغارقة في عرض البحر، فالانسان البالغ والمتمتع بحالة صحيحة جيدة يحتاج لاكثر من 6 ليترات من الماء يوميا واذا ما هجع من دون حراك فيمكن ان يبقى على قيد الحياة لو نال لترا واحدا فقط لكن من اين له بهذا اللتر في عرض البحر ولا شيء امامه الا السماء والماء «المالح طبعا». لهذا طورت الشركات المختصة جهاز تحلية يعمل باليد، وهو عبارة عن مضخة يدوية تدفع بالماء المالح داخل مسامات مجهرية موجودة في غشاء من الصغر بحيث يستطيع ازالة الاملاح الذائبة في الماء، وهذه المضخة تعتبر الافضل في تجهيزات النجاة البحرية. وهناك ايضا تجهيزات تعمل على تكثيف بخار الماء المتصاعد من البحر وتجميع النقاط المتكثفة في وعاء. لكن ماذا عن الطعام؟ البحر طبعا مليء بما يؤكل لكن ان عرفت كيف تمسك بهذا الذي يؤكل، لقد اثبت السمك الطيار من خلال التجارب التاريخية الكثيرة للطائفين في اليم على غير هدى بأنه غذاء الطواريء الافضل في البحر، والسمك الذي يصبح ذا طعم افضل، حسب ما قال من جربوه، اذا ما وضع في الشمس يوما كاملا حتى يجف. كما ان الاعشاب البحرية هي مصدر جيد للغذاء، لكن المشكلة هي ان نصف بنيتها من السليلوز الذي لا يمكن للمعدة البشرية هضمه، ويمكن ان يسبب لها متاعب جمة. جلال الخليل