بيان الكتب: برزت السينما الصينية الجديدة بقوة على خريطة السينما العالمية خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة، بعد أن لفتت أفلامها أنظار النقاد السينمائيين وعشاق الفن السينمائي في العالم كله، ويرجع ذلك الى أصالتها في التعبير وقدرتها المدهشة على استلهام الموروث الشعبي، وتعاملها الخاص مع التاريخ الصيني، واعادة النظر في الكثير من القيم والعادات والتقاليد الصينية الموروثة ومحاولة فهمها ونقدها معا ويرصد كتاب «السينما الصينية الجديدة» لمؤلفه الناقد السينمائي أمير العمري، مايمكن تسميته بتاريخية ومستقبل هذه السينما، وعبر 161 صفحة يقدم لنا أمير العمري في كتابه القيم وجبة دسمة عن هذه السينما تكتسب أهميتها في انها تنقلنا الى عالم له خصوصية شديدة كما أنه كسر للاهتمام النمطي بالسينما الغربية، وفي القلب منها السينما الأمريكية. يحدد المؤلف في مقدمته للكتاب أن أهم مايميز حركة السينما الصينية الجديدة انها ليست ظاهرة سياسية تصلح للاستغلال من جانب الدوائر الاعلامية في الغرب ضد دولة لا تزال تشهد حتى اليوم صراعا ضاريا بين القوى الليبرالية من ناحية، والقوى المحافظة المتشددة من ناحية أخرى، بل أصبحت أساسا ظاهرة ثقافية ترتبط برفض النمطية التي سادت عقودا في وسائل التعبير الفني في الصين، والتخلص من الميلودرامات ذات الرسالة الاجتماعية والسياسية المباشرة التي تكرس السائد وتسعى الى تمجيده لصالح التغيير الفني الخالص الذي لا يسعى الى الافلات من الجذور الثقافية الصينية، بل على العكس، يعيد اكتشافها في اطار البحث الشاق عن الهوية المتعددة الابعاد كبديل للهوية الأحادية. ويحدد المؤلف سمات السينما الصينية الجديدة، في أنها تتعامل مع التراث بمفهوم عصري، وتتناول التاريخ من منظور نقدي.. كما طرحت في أفلامها العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين السلطة والفرد، ولمست بشكل أو بآخر الحب، والخيانة والصداقة والجنس، وعلى الرغم من انها لمست كل ذلك بجرأة، الا أن الجرأة امتزجت بأصالة ورقة وتمسك بالجذور دون انغلاق، حيث الانفتاح على الثقافة العالمية، والاستفادة من التراث الإنساني الكبير في الشعر والمسرح والفن التشكيلي والآداب، ويقول المؤلف أن عددا من أفلام السينما الصينية الجديدة خصوصا الأعمال الأولى للمخرجين، تميزت بتناول جانب من التجربة الشخصية لهم، وماتعرضوا له خلال الحقبة الماوية، وتحديدا مرحلة الثورة الثقافية في الصين، حيث أرسل معظم شباب المدن الكبيرة للعمل في المزارع الجماعية في الريف، وأصبحوا أيضا شهودا على فشل الايدلوجية في التعامل مع الفرد وعن أصول السينما الجديدة أو الموجة الجديدة.. يقول المؤلف أن ظهورها ارتبط بالتحاق عدد من المخرجين الشباب بصناعة السينما الصينية، معظمهم من خريجي دفعات عام 1982 من معهد السينما في أكاديمية بكين للفنون، وكانت تلك هي الدفعة الخامسة التي تتخرج من قسم الاخراج في المعهد، ومن هنا جاءت تسمية الجيل الخامس وقد حققت أفلامهم نجاحا دوليا كبيرا، ومنحت السينما الصينية سمعة رفيعة على المستوى الدولي الى درجة أصبحت معها أفلام هذه الموجة معروفة في الخارج أكثر منها في الداخل، حيث تعرضت في الداخل الى الهجوم، تارة بسبب فشلها في شباك التذاكر، وتارة أخرى بسبب مازعم من انحرافاتها الايدلوجية عن الأفكار الجامدة للحزب الشيوعي. ويطرح المؤلف سؤالا عن سبب اختلاف الجيل الخامس عما سبقه من أجيال في سينما الصين الشيوعية، ويقدم اجابة مختصرة عن ذلك بقوله: الاجابة تكون باختصار في قصص حياة مخرجيها.. وقبل أن يحول هذه الاجابة المختصرة الى رصد واسع، يستعرض المؤلف التطور العام لصناعة السينما الصينية منذ وصول الشيوعيين الى الحكم عام 1949، مشيرا في ذلك الى أنه كان على قمة أولويات برنامج الحزب الشيوعي التغلغل في صناعة السينما في شنجهاي في الثلاثينيات، وذلك بقناعة أن الفيلم هو أحد أكثر الوسائل فعالية لتأجيج الصراع الاجتماعي واستنفار المقاومة ضد الاحتلال الياباني.. وبعد سنوات الحرب الأهلية في أواخر الاربعينيات، كانت صناعة السينما على نفس الدرجة من الأهمية، حيث كانت شركات سينمائية يسارية مثل كونولون ووينوا تدفع رشاوى الى الرقباء الحكوميين للتغاضي عن أفلامها التي تطرح حلولا راديكالية للمشاكل الاجتماعية.. وبعد وصول الحزب الشيوعي الى السلطة عام 1949 بادرت الحكومة إلى تأسيس صناعة سينمائية جديدة، وأعيدت تسمية ستديو سينمائي كان قد بناه اليابانيون في منشور في أواخر الثلاثينيات وأطلق عليه ستديو الشمال الشرقي. ونجح في انتاج ستة أفلام في اطار السياسة الجديدة التي قادها الحزب الشيوعي.. وتم انشاء استديوهات جديدة في بكين وشنجهاي عام 1950، واسست الصين معهدها السينمائي عام 1956 تحت اشراف وزارة الثقافة، ويقول المؤلف أن طلاب الجيل الأول والثاني والثالث والرابع لم تقتصر دراساتهم على صناعة الفيلم ونظرياته، وتاريخ السينما، وانما كانوا يدرسون أيضا الاقتصاد السياسي والنظرية الايدلوجية وتاريخ الحزب الشيوعي، فيما يعنى أن المطلوب منهم كان انتاج أفلام سينمائية كما تريدها الحكومة. وأغلقت الحكومة معهد السينما عام 1966 في المعارك الأولى للثورة الثقافية. وأعيد افتتاحه عام 1978 أي بعد وفاة الزعيم الصيني ماوتسي تونج بعامين، والتحقت به دفعة تخرجت عام 1982، والتي عرفت باسم الجيل الخامس. يشير المؤلف إلى أن الجيل الخامس لمعهد السينما لم يكن كغيره من الأجيال الاربعة السابقة. حيث الشعار الواحد للدولة.. والهيمنة الفكرية للحزب الشيوعي، وانما عاش هذا الجيل في ظل تطورات هامة على المستوى الوطني، مثل ظهور حركة الديمقراطية عام 1979، وبدء برنامج دينج هتسياوبنج للاصلاح الاقتصادي، وانفتاح الصين على السياحة.. بالاضافة الى هذا فإن هؤلاء الطلاب اختلفوا عن سابقيهم في نواح عديدة هامة، أبرزها انهم ولدوا جميعا بعد عام 1949، وهو مايعني أنهم لم يعيشوا تجربة المجتمع القديم.. وعلى المستوى السينمائي، توفرت فرصة ذهبية لهذا الجيل وهي امكانية انتقاله فور تخرجه الى ممارسة الاخراج السينمائي دون الاضطرار الى الانتظار عشر سنوات أو عشرين كما كان معتادا. بعد هذا الرصد بخلفيته التاريخية، ينتقل المؤلف الى الانجاز السينمائي للجيل الخامس.. وجاء انجازه الأول في ستديو جوانكسي عام1984. وجوانكسي مقاطعة صغيرة قرب الحدود الفيتنامية في جنوب غرب الصين، وشكل ثلاثة من خريجي الجيل الخامس هم المخرج جانج جونزهاو، والمصور السينمائي جانج بيمو، ومصمم الديكور هاكن، مجموعة للسينما الشابة داخل الاستديو بتشجيع من مديره، وصنعوا معا فيلم الواحد والثمانية الذي يروى فصلا من فصول الحرب الصينية اليابانية، وحقق الفيلم نجاحا تجاريا معقولا، لكنه ظل ممنوعا من التصدير خارج الصين حتى عام 1987، وأبرز ماتركه هذا الفيلم من أثر كما يقول المؤلف هو أنه أثبت في الأوساط النقدية أن بوسع فيلم صيني اختراق الثوابت الايديولوجية. أعقب فيلم واحد وثمانية أفلام أخرى من الموجة الجديدة مثل فيلم القرار السري الذي جمع بين الابتكارات البصرية والشكلية وبين الجرأة في طرح موضوعه، ثم فيلم أرض الصين وفيلم الأرض الصفراء الذي قوبل بهجوم شديد من الاعضاء الأكبر سنا في مؤسسة السينما الحكومية، ووجهت الاتهامات لصانعي الفيلم رغم نجاحه في مهرجان هونج كونج السينمائي عام 1985 بأنهم تصدوا لموضوع لا يفهمون عنه شيئا بحكم حداثة أعمارهم. يشير المؤلف الى أن فيلم الأرض الصفراء وعلى الرغم من الهجوم الذي ناله، الا أنه كان بداية مولد عبقرية سينمائية جديدة.. فهو الفيلم الذي لم تعد السينما الصينية قط الى ماكانت عليه قبله، فقد هز عرش السينما التقليدية بنسيجه الشعري، وحزن أبطاله، وغلبة الصمت على مشاهده، وأغانيه الشعبية الموحية بالحلم المستحيل، وعلى الرغم من المتاعب التي قابلت الفيلم في البداية الا أن مخرجه تشين كايج 49 عاما استطاع أن يفرض من نفسه سينمائيا، وقدم بعد ذلك فيلمه «مالك الأطفال»الذي يدور حول فكرة زرع ثقافة جديدة على أنقاض ثقافة أخرى قديمة، وذلك في اشارة منه الى ما نادى به ماوتسي تونج في ثورته الثقافية الى ضرورة هجرة المدن والذهاب الى الريف والعيش وسط الفلاحين من أجل اعادة تثقيف أنفسهم.. ومن تشين كايج الى زميلته في الدراسة السينمائية المخرجة جانج نوانكسين، يرصد المؤلف فيلمها التضحية بالشباب كواحد من أفلام الموجة الجديدة.. وتستلهم جانج في فيلمها تجربتها القاسية مع الثورة الثقافية، حيث انتزعت من دراستها للسينما في أكاديمية بكين قبل اغلاقها عام 1966، وأرسلت للعمل في الريف في مزارع الأرز، وانتحر والدها، ونفى الى بقعة نائية مجهولة، ولم تستأنف دراستها السينمائية الا في عام 1978. يمضى الكتاب في تقديم التجارب السينمائية للجيل الخامس مشيرا في ذلك الى أفلام: الذرة الحمراء.. وجودو وأرفعوا المصابيح الحمراء وقصة كيوجو والطائرة الورقية الزرقاء والعيش وقمر الاغواء.. ووداعا ياخليلتي وهو الفيلم الذي حصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي وينتهي الى اطلالة سريعة على السينما الصينية بعد الجيل الخامس، مشيرا الى أنها تعيش وسط زحف القيم التجارية على المشهد الصيني. القاهرة ـ «بيان الكتب»