بيان الكتب: هل كان من حسن حظ الجيل المثقف الذي بدأ خطوات المعرفة الأولى والقراءة في الخمسينيات أنه عاش في هذه المرحلة الغنية والمهمة التي شهدت سجالاً وصراعات فكرية وسياسية وعقائدية دفعت الى القراءة بغية امتلاك المعرفة الضرورية لمواجهة الآخر؟ هذا ما يؤكده الباحث والاعلامي والناشر حسين العودات في حوارنا معه الذي يعود فيه الى طفولته الاولى التي عاشها في منطقة ريفية كانت تفتقد الى وجود مدرسة فيها، مما جعلته يتعلم في البداية عند الكتّاب حتى أنشأوا بعد ثلاث سنوات مدرسة في قريته، إلا أنه لم يكن هناك لا كتب ولا مكتبات، وكل ما كان هو قصص الزير سالم وأبي زيد الهلالي التي كانت تقرأ في ليالي الشتاء بشكل تمثيلي، وكأنها تقدم على خشبة مسرح. كان الذين يستطيعون القراءة والكتابة في تلك الفترة محدوداً جداً، ولذلك كان يكتب الرسائل لذوي أبناء القرية الذين يذهبون للعمل في فلسطين، كما كان يقوم بقراءة رسائلهم التي تصل الى ذويهم، لكن انتقاله بعد ذلك الى مدينة درعا لمتابعة تعليمه فيها ساهم من خلال وجود رجل متعلم لديه هموم ثقافية حقيقية تدفعه لنشر الثقافة والعلم هو «موفق الشرع» في تكوين بداية علاقته مع الكتاب والقراءة، فقد كان لهذا الرجل المستنير معهد للتعليم، ثم قام بافتتاح اول مكتبة في مدينة درعا سمّاها المكتبة الغسانية وكان القاريء يستطيع استعارة الكتب منها بصورة مجانية، او يشترك فيها بشكل رمزي. عن حكايته مع الكتاب قال حسين العودات لـ «بيان الكتب»: في البداية كنا نحمل الكتب بمباهاة واضحة، حيث كنا نبرز اغلفة عناوينها لكي يراها الآخرون، وقد كانت هذه الكتب تشكل تسلية مهمة بالنسبة لنا، خاصة في أوقات الفراغ اذ كنا نستعير الكتب التي، تتناول مواضيع وقضايا متنوعة مما أدى الى حدوث تراكم ثقافي اولي عام، وغير دقيق او محدد الملامح، بصورة منحتني ثقافة عامة. ولحسن الحظ درست المرحلة الثانوية بدار المعلمين في مدينة دمشق في أوائل الخمسينيات حيث كانت الدار تمتلك مكتبة كبيرة، والحقيقة ان المناخ الثقافي العام، والنشاط السياسي المتصاعد، وكذلك المباريات الثقافية، والصراعات السياسية العديدة في تلك الفترة. قد ساهمت في تعميق علاقتي مع الكتاب والقراءة، إذ تحولت هذه العلاقة من هواية الى حاجة فرضتها طبيعة الصراعات السياسية المحتدمة بين القوى السياسية الناشطة آنذاك كالقوى الماركسية والاسلامية، والقوميين السوريين. فقد استدعى مثل هذا الجدل، وهذا الاختلاف في الطرح والمواقف فهماً أوسع لما كنا نقرأه. لقد دفعنا التنوع السياسي لكي نقرأ أكثر من قبيل التحدي، كما فرض علينا التنوع في القراءة، لذلك قرأنا القرآن وكتب التاريخ العربي، إضافة الى كتب الماركسية الجديدة علينا، حيث كنا نحاول من خلال هذه القراءة المتنوعة ان نجد للقومية مبررات نستطيع من خلالها ان ندافع عنها، ونؤكد أصالتها. ويتابع العودات ذكرياته عن العلاقة مع الكتاب والقراءة مؤكداً ان الحياة السياسية المتنوعة حتى عام 1958، كانت غنية جداً جعلته يرتبط بالكتاب أكثر، كما جعلت منه ومن الصحيفة حاجة يومية، حيث اتخذ حب المعرفة في هذه المرحلة شكلاً أغنى من كل المراحل الأخرى وذلك من حيث الكم، وبغض النظر عن المضمون. في زمن الوحدة أضحى النشاط السياسي وحيد الجانب فكان توجهه في القراءة، وبالتالي اهتمامه بتحديد الكتب التي سيقرؤونها ترتبط بعاملين اثنين اولهما يرتبط بالحدث السياسي العربي والدولي الذي كان يدفعه لقراءة ما يتعلق به اكثر من قراءة ما يتعلق بالجانب الذاتي، او القومي، في حين ان العامل الثاني استدعته الرغبة في التعرف الى الفكر العالمي وهكذا قرأ في الستينيات معظم الكتب الماركسية والصراعات الفلسفية التي سادت في القرن التاسع عشر، ومع زيادة التوجه في حزب البعث بعد عام 1964 نحو مركسة القومية واعطائها مضموناً اشتراكياً تركز اهتمام العودات على قراءة كتب التراث بغية الكشف عن الحركات ذات المضمون الاجتماعي إلا أنه فيما بعد تراجع عن هذه المحاولات التي كان يقوم بها بلي عنق الحقيقة. من هنا أخذ التوجه نحو تعميق ثقافة مختلفة قليلاً بدون نية مسبقة، كما أصبح الموقف نقدياً اكثر حيال المواضيع المطروحة، ولذلك عاد في مرحلة السبعينيات الى إعادة قراءة ما كان قد قرأه سابقاً، وما كان قد كتبه المفكرون والسياسيون العرب سواء ممن كانوا ينتمون الى حركات اسلامية او قومية، كما صار من الممكن لديه ان يقرأ اي كتاب ومن أي نوع، اضافة الى ان القراءة أضحت غير متخصصة. في الثمانينيات وبعد أن أدرك النقص الواضح في معرفته بالتراث الفكري والسياسي كتراث القوميين العرب والقوميين السوريين، والحركة الناصرية، وما كتبه بعض البعثيين في السابق عاد لقراءة ما فاته منها، وكان قيام الثورة الايرانية في عام 1979 قبل ذلك قد فرض عليه ما كان قد قرأه سابقاً كالقرآن وأصول الفقه، والتفاسير المختلفة للقرآن برؤية جديدة، وعمل على القيام بمقارنات فيما بينها، كذلك عاد لقراءة كتب التاريخ العربي من جديد. ويضيف العودات أنه في تلك الفترة امضى ثلاث سنوات مع المذاهب والفرق الاسلامية، والحركات الفكرية لأهل الكلام «كالمعتزلة»، والمدارس الدينية بصورة جعلته يقف أمام مشاكل كثيرة تحتاج الى بحث اوسع، وتعمق اشمل، لكن ذلك أعطاه فهماً نتج عنه شعور قوي بعظمة راية الاسلام التي رفعها العرب، وذلك من خلال العمق الثقافي والفلسفي الذي قدمته الحضارة العربية الاسلامية. ان هذا الشعور دفعني للاهتمام بدراسة التراث في مصادره الكثيرة التي تحتاج الى وقت وعذاب كبيرين، كما ان القراءة أضحت تحتاج الى تمحيص وتدقيق. وقد عدت بعد هذه المرحلة الى موضوع أصالة الثقافة الوطنية، وغربتها محاولاً اكتشاف كيف فهم الماركسيون العرب الواقع حيث ترتب على ذلك ان أعيد قراءة ما كنت قرأته من كتب تخصّ هذا الموضوع. لقد ساهم هذا التوجه، وهذا الهم الثقافي والسياسي في عدم الاكتراث بقراءة الرواية، ويعترف أنه عندما كان يقوم بقراءة كتب الرواية فإنه كان يفعل ذلك، لكي يفهم أشياء أخرى غير الجانب الفني والجمالي في الرواية، حيث كانت قراءة الرواية عنده مجرد واجب لا غير، وينسحب هذا الموقف على السينما والتلفاز اذ لا يتذكر من العمل الذي يشاهده سوى الموضوع الذي يحدد جوانب النجاح والضعف فيه. مع تقدم العمر باتت مشكلة كثرة انتاج الكتاب واتساع نشره تمثل مشكلة كبيرة فلم يعد القاريء يستطيع معها ان يقرأ كل ما ينشر حتى على مستوى الاختصاص، أو حتى الانتقاء فالوقت لم يعد يكفي، ولذلك تظل هناك كتب كثيرة لا يستطيع إنجاز قراءتها حتى يحين الوقت المناسب، وعلى الرغم من القراءات المتعددة الا أنه يميل لقراءة كتب التاريخ، وأحياناً ينشغل بمواضيع محددة تخص موروثنا الثقافي. وقد جعله تراكم الكتب التي لم يستطع ان يقرأها حتى الان يتمنى ان يتفرغ سنة كاملة من أجل تحقيق ذلك، الا أنه من الصعب ان ينعزل الانسان عن الاخرين. لقد أضحت القراءة تشكل هماً حقيقياً حتى على مستوى الكتب المنتقاة، ونظراً لطبيعة العمل في حقل الدراسات الاعلامية والثقافية لدى جامعة الدول العربية، واتحاد الإذاعات العربية، ومنظمة اليونسكو، فإنني أنشغل بمتابعة واجبي في هذا المجال، والذي يمنعني عن قراءة ما اريد من كتب بعيدة في موضوعاتها عن هذا المجال. اما فيما يتعلق بدار النشر «الأهالي» التي يملكها ويديرها، فإنه يحاول من خلالها ان يخدم مشروعه الثقافي الذي كان يحلم به، وقد جعل ذلك علاقته بالكتاب علاقة بنيوية، وقد كان عنده في البداية وهم ان يستطيع خدمة الكتاب، وخدمة نفسه من خلال الترويج لكتب معينة، او من حيث تخفيض سعر الكتاب لتسهيل امكانية شرائه من قبل القاريء العادي، لكنه بعد ان دخل لعبة النشر اكتشف حقيقة الوهم الذي كان يعيشه لانه سيقوده الى ان يغلق دار النشر، ويضيف انه بدأ القيام بتسوية مع نفسه اذ اخذ ينشر كتباً مختلفة، ويهتم بالجانب التجاري أحياناً، وقد وقع نتيجة لذلك في اشكالات عديدة، ويؤكد انه من حسن حظه انه منذ اربعة عشر عاماً لم يقم بنشر اي كتاب رديء، كما انه حاول ومازال ان تكون زاوية النشر في الدار منفرجة بحيث تمتد من الليبرالية الى أقصى اليسار حيث لم يترك النشر يتحدد في اتجاه معين، اضافة الى الحرص على نشر كتب معقولة المستوى قدر الإمكان. رغم كل ذلك ظلت هناك منغصات دائمة اهمها عدم رواج الكتاب الجيد من حيث المضمون، وقد دفعه ذلك الى نشر كتابين او ثلاثة كتب من هذا النوع رغم المعرفة المسبقة ان هذه الكتب سوف تخسر تجارياً. ويعترف بصراحة انه في الماضي كان ينظر الى الكتاب نظرة خاصة، لكنه فيما بعد دخلت القيمة التجارية الى علاقته بالكتاب حيث صار عندما يذهب لشراء كتاب ما من مكتبة ينظر الى سعره، ويحاول ان يجد تناسباً بين كلفته وسعره، وكذلك بين سعره، وإمكانيات الشراء، الامر الذي جعل لديه انفصاماً شخصياً بين قاريء وناشر، ومن اجل التخلص من هذه المشكلة أضحى يكلف الآخرين شراء ما يريد من الكتب. ان ضعف مستوى القراءة عند العرب وتراجعه بشكل كبير عن الأمم الأخرى يعود الى تأخر دخول المطبعة مدة ثلاثمئة عام، وظهور فتاوى تحرّم ذلك، مما ادى الى عدم قيام علاقة وطيدة بين القاريء العربي والكتاب، ومن خلال عمله في مجال البحث الثقافي يؤكد ان الكتاب موجود فقط منذ مئة وخمسين عاماً، الأمر الذي يفسر تراجع العرب في مجال نشر الكتاب، وضعف عدد القراء أيضاً، وهنا تكمن شجون القراءة والكتاب لدينا معاً.