بيان الكتب: عمل جان دولا جيريفيير، مؤلف هذا الكتاب، لسنوات طويلة صحفياً في جريدة «لوموند» الفرنسية حيث كان يغطي اخبار القارة الافريقية التي أمضى فيها اوقاتاً طويلة اثناء زياراته المتكررة عشرات المرات، تفرّغ بعد تركه العمل في «لوموند» الى كتابة تاريخ العلاقات الفرنسية ـ الافريقية وكان هذا الكتاب «مجانين افريقيا». يشرح هذا الكتاب «قصة هوى» فرنسي كما جاء في عنوانه الفرعي. ويبدأ المؤلف تحليلاته بما ربما كان يمكنه ان ينتهي اليه وهو ان القارة الافريقية «تختلط» الى هذه الدرجة او تلك، لكنها دائما حاضرة كأحد العناصر الاساسية، في التاريخ الفرنسي نفسه.. هذا ما يبدو في الادب كما في الفن، وفي الذاكرة العسكرية ونمط الادارة كما في التعليم ونمط الحياة الاجتماعية. وبهذا المعنى يشكل الكتاب نوعاً من التأريخ للعلاقات الاستعمارية بين الاوروبيين والافارقة عبر دراسة الحالة الفرنسية ـ الافريقية وحيث ان التأثير لم يكن في اتجاه واحد وانما في الاتجاهين. يقول مؤلف هذا الكتاب: «ان افريقيا كانت وسوف تبقى باستمرار ممتزجة مع التاريخ الفرنسي بما هو سلبي احياناً وايجابي غالباً. وما يفعله «جان دولا جيريفيير» تحديداً هو محاولة القاء الضوء على العديد من المناطق الظليلة في هذه العلاقة التاريخية وبقدر كبير من الحرية في التعبير ودون مراعاة لجميع اشكال «الممنوعات» التي لايزال البعض يصر على عدم تجاوزها باسم المصلحة السياسية «العليا». ومن الملفت للانتباه في هذا السياق ان فرنسا تشهد خلال العامين السابقين نوعا من فتح الملفات القديمة مع تاريخها الاستعماري وليس صدور عدة كتب حول مسألة «التعذيب» الذي مارسته سلطاتها في الجزائر اثناء ثورة التحرير الوطني ما بين 1954 و1996 وهذا دليل واضح على مثل هذا التوجه. ومن الملفت للانتباه ايضا ان جميع الذين يخوضون في هذه المسائل حيال الجزائر او غيرها ينطلقون من موقع تاريخي بعيدا عن التصنيف الايديولوجي بين يمين ويسار. «مجانين افريقيا» يمكن ان يستعاض عنه بعنوان اخر للكتاب قد يكون اكثر تعبيرا وفصاحة مثل «اولئك الذين احبوا افريقيا الى درجة الجنون اذ ان مؤلفه يحاول ان يضيف مسحة من «التسامي» للمشروع الاستعماري. انه مع ذلك لا يتحدث في هذا السياق عن اي مهمة تحضيرية، كما شاع في القاموس الاستعماري التقليدي القائل بان المستعمرين انما فتحوا البلدان «المتخلفة» واستعمروها فقط من اجل «تحضيرها». ان مؤلف هذا الكتاب يبدو وكأنه يقوم بـ «تشريح» دوافع حالة «تعلق» عاطفي اختلطت فيها المصالح الاقتصادية مع حب الاكتشاف والمغامرة على جميع الاصعدة بما فيها الحسي حيث ان المؤلف يكرّس فصلا لدراسة دور «العامل العاطفي» في الهوى الفرنسي حيال افريقيا، ويقدم في هذا الاطار عددا من النصوص لكتاب فرنسيين خاصة، واوروبيين عامة، تشير كلها الى مكافحة المرأة الافريقية السوداء في المخيلة الغربية. ويصف المؤلف على مدى صفحات هذا الكتاب الهوى الفرنسي حيال افريقيا بانه قديم ومتجدد بالوقت نفسه. وهذا على قاعدة معرفة عميقة بهذه القارة وثقافاتها المتنوعة وعبر التأكيد على نزعة تفاؤلية تولي ثقتها للانسان اذ انها ليست الاكثر سوءاً باستمرار لما يشير. وضمن هذا التوجه من التفكير ومقاربة موضوع تاريخية العلاقات الفرنسية ـ الافريقية يستعرض مشاريع العديد من المكتشفين الفرنسيين الكبار للقارة السوداء من امثال «فيديرب» وغيره، الذين ترافقت نتائج مغامراتهم مع «احلام الشباب» لدى اجيال كاملة تطلعت بدورها الى التعرف على «تومبوكتو» التي يصفها المؤلف بانها كانت بمثابة «المدينة الممنوع دخولها في قلب الصحراء» وذلك على غرار «المدينة الممنوعة» لاباطرة الصين القدامى. وضمن الاطار نفسه يناقش المؤلف الدور الذي لعبه «الرماة السنغاليون» في العديد من الحملات الاستعمارية الفرنسية في مناطق كثيرة من العالم. وكانت تسمية «الرماة السنغاليين» قد شملت جميع الجنود الافارقة الذين شاركوا في الخدمة داخل صفوف الجيش الفرنسي، مع انهم لم يكونوا جميعهم من السنغاليين. بكل الاحوال كان المعروف عنهم انهم كانوا يتقدمون دائما امام المشاة كي يخدموا كجنود استطلاع امام القوات التي تليهم. لكن الاسباب العديدة التي أسست للمشروع الاستعماري الفرنسي لافريقيا، لا يمكن ان تخفي، كما يؤكد «جان دولاجيريفيير» واقع الاستغلال الكبير الذي مارسه الاوروبيون «البيض» على ابناء البلاد الافريقية الاصليين. ويمكن لاحصائية واحدة يقدمها في هذا الاطار ان تدل على معنى «الوجود» الفرنسي في افريقيا والذي كان بمثابة خطوة تلت الفتح العسكري. وفي عام 1908 كان يوجد في عموم منطقة افريقيا الغربية 7390 من البيض «يتناثرون» بين حوالي عشرة ملايين افريقي. وكانت القلة القليلة البيضاء هي صاحبة «اليد الطولى» في السيطرة على امور البلاد والعباد «العبيد». ويكرس المؤلف احد فصول هذا الكتاب للبحث في الآليات التي استخدمتها السلطات الاستعمارية الفرنسية على صعيد ادارة «ممتلكاتها» المتفرقة «امبراطوريتها». ويحلل بهذا الصدد الدور الذي لعبته المدرسة الاستعمارية الفرنسية التي تخصصت في تكوين «الكوادر» المكرسة للعمل في مختلف البلدان الافريقية الخاضعة لباريس. ويشير الى ان هذه المدرسة قد قامت حتى اوائل الستينيات من القرن العشرين، اي الى حين «الاكتمال» النهائي لحركة «نزع الاستعمار» وجلائه عن افريقيا، وذلك ضمن حركة عامة لتنامي دور حركات التحرر الوطني في العالم ضد الوجود الاستعماري الذي اعقب الثورة الصناعية الاولى وتنامي قوة «الآلة» العسكرية الغربية. وتدل الاحصائيات المقدّمة الى ان المدرسة المعنية قد قامت بتكوين حوالي اربعة الاف وخمسمئة اداري للعمل في «مقاطعات ما وراء البحار»، حسب التسمية التي كان قد تم تبنيها في القاموس الاستعماري وكان هؤلاء قد تم تحضيرهم للعمل في اطار مهني جامع الاختصاصات بحيث يغطي جميع ميادين النشاط ولكن في اطار عزلة شخصية كبيرة. وكانت هذه «العزلة» تعود في احد اسبابها الرئيسية الى واقع ندرة عدد البيض المتواجدين في افريقيا خلال الحقبة الاستعمارية كلها بالقياس الى السود، ولكن تعود ايضا الى عدم فهم هؤلاء الاداريين للقيمة الانسانية للسود الذين يقعون تحت سيطرة ادارتهم مع عدم تقديم اي جهد حقيقي للدخول الى عالمهم النفسي و«اهتمامهم بالارقام اكثر من اهتمامهم بالبشر» حسب تعبير المؤلف. وكان الكاتب الفرنسي الكبير «اندريه جيد» قد كتب في يومياته لتاريخ 25 اغسطس 1925 يصف حالة هؤلاء الاداريين البيض في افريقيا بالقول: «بقدر ما كان ذكاء الابيض قليلا كان الاسود يبدو له اكثر غباء». ويناقش المؤلف ايضا الادوار التي لعبتها مختلفة من تعبيرات «الوجود الابيض» في افريقيا.. وفي مقدمة هذه الفئات «اعضاء البعثات التبشيرية» مثل «الآباء البيض» وغيرهم والذين كانوا بمثابة «طلائع» ذلك الوجود الابيض، وباسم مختلف الكنائس. هذا مع العلم بان الكنيسة الكاثوليكية لم تكن قد شجبت «تجارة العبيد غير الانسانية» الا في عام 1839 ان هذه البعثات التبشيرية لم تتخل ابدا عن دورها في افريقيا وحتى بعد ان نالت بلدانها الاستقلال السياسي. اما المستوطنون البيض الافارقة الذين بقوا في افريقيا بعد هذا الاستقلال فقد مكث عدد كبير منهم في القارة حيث يملكون المزارع الشاسعة او بعض المصانع الصغيرة.. وقد تحول قسم كبير منهم بعد الاستقلال الى «متعاونين تقنيين» لدى الحكومات الوطنية الافريقية وذلك في جميع المجالات التي تبدأ بالتعليم كي تطال تدريب اجهزة الشرطة والاجهزة الامنية الاخرى.. او حتى المساهمة بفعالية في حماية الرؤساء الافارقة انفسهم.. وفي احيان اخرى تحولت «المستوطنات» السابقة التي يملكها اوروبيون الى اماكن لتمضية العطل يؤمها الباحثون عن اكتشاف عوالم غريبة تثير مخيلتهم. ويشير المؤلف في هذا السياق الى ان حوالي خمسمئة الف فرنسي استمروا بالبقاء في مختلف المناطق الافريقية التي كانت تخضع لاستعمار فرنسا بصفة «متعاونين تقنيين» وتحت غطاء متابعة مهمتهم «التحضيرية». ان اغلبية هؤلاء «المتعاونين» يؤكدون انتماءهم الى توجهات ذات نزعة انسانية حيث ان بينهم نسبة كبيرة ممن ينتمون الى قوى سياسية يسارية. لكن واقع المهمة التي يقومون بها في افريقيا تجعلهم في نهاية المطاف قريبين من اهداف «الطرح الكولونيالي» وجماعات الضغط المتفرعة منه مهما كان الاطروحات الايديولوجية التي يتم رفعها. وهذا ما تتم ترجمته على صعيد الاستغلال الاقتصادي الذي تتم ممارسته. اذ، واذا كان من الصحيح ان الـ «مئتي اسرة بيضاء الاكثر شهرة في افريقيا ـ الفرنسية» لم تقم باستثمارات كبيرة تشكل حركة اقتصادية وتنموية وان رأس المال الكبير كان غائباً عن الحركة التوسعية الاستعمارية فانه من الصحيح ايضا ان افريقيا لم تعد تمثل اليوم سوى 5% من التجارة الخارجية لفرنسا لكنها تؤمن لها حوالي 20% من الارباح التي تحققها على الصعيد العالمي. واذا كان الاستعمار قد رحل عن افريقيا فان العديد من شبكاته قد استمرت. وينقل المؤلف عن جاك فوكار قوله: «ان فرنسا تمارس في افريقيا سلوكاً موازياً لما نجحت في عمله باوروبا اي التخلص من ماض كان قد ولد او كان يمكنه ان يولد خلافات ونزاعات مخرّبة. وكما اننا تجاوزنا الحقد الفرنسي ـ الالماني القديم، فاننا نتجاوز في افريقيا اليوم الارث الاستعماري عبر ارادة الطرفين على عدم التركيز على مناطق الظل التي يحتوي عليها هذا الارث والتأكيد بالوقت نفسه على الجوانب المضيئة». لكن ليس من المؤكد بان «النزاعات المخرّبة» قد تم تجاوزها رغم تمنيات جميع «مجانين افريقيا». ومع هذا لاتزال افريقيا تشكل احد محاور اهتمام فرنسا.. كما عبّر ذات يوم من عام 1957 الرئيس الفرنسي الاسبق الراحل فرانسوا ميتران عندما قال: «بدون افريقيا لن يكون لفرنسا تاريخ خلال القرن الحادي والعشرين». كتاب عن فرنسا «المأخوذة» بافريقيا.. والى درجة «الجنون»