بيان الكتب: كتابان لمؤلف واحد هو «بوريس اكونين» الروائي الروسي، ويحكيان قصة «رجل ـ شخصية واحدة هو ايرا ست بتروفيتش فاندورين». وتحت عنوان عريض عن «مغامرات ايراست فاندورين» نشر بوريس اكونين سلسلة ـ لم تنته بعد ـ من الروائيات البوليسية التي بيع منها حتى الآن مئات الآلاف من النسخ. والروس ينتظرون الآن بفارغ الصبر معرفة مصير «بطلهم» ايراست بتروفيتش فاندورين. ومن هو ايراست بتروفيتش فاندورين؟ وهل نحن أمام جيمس بوند جديد؟ انه أحد رجال شرطة قيصر روسيا في أواخر عهد الحكم القيصري في روسيا. ويقدمه مؤلفه الذي «أبدعه» بأنه من مواليد عام 1815، عاش يتيما منذ سن التاسعة عشرة عمل في البداية ضمن احدى ادارات النظام القيصري ثم ساقه قدره نحو العمل في أجهزة الشرطة، حيث صنعت منه نزعته الفضولية الفطرية متجسسا بارعا حقق نجاحات كبيرة. انه عاش إذن في فترة دقيقة من حياة روسيا؟ فترة أفول القيصرية وبروز افق النظام الشيوعي، لكن مؤلفه «أخرجه» إلى الواجهة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. انه يجمع في ذاكرة الروس ومخيلتهم تاريخ أكثر من قرن من الزمن. ان الصورة التي يرسمها المؤلف لـ«بطله» الذي أصبح بمثابة اسطورة شعبية هي أبعد ما تكون عن صورة «جيمس بوند» اذ ان «فاندورين» الذي «نكتشف» وجوده في موسكو أثناء حكم الاسكندر الثاني انما هو إنسان عادي، «روسي عادي» له نقاط ضعفه ومثالبه ومناقبه ثم انه لا ينجح دائما في أسر قلوب النساء، كما هو الحال بالنسبة لجيمس بوند.. انه «روسي وليس سوبرمان»، كما يصفه المؤلف نفسه. ونجده في الكتاب الأول من السلسلة «ازازيل» مجرد شاب فتي «ذو حظ كبير» مع «شيء من الخبرة». لكن «فاندورين» يمتلك بعض السمات الفريدة بالنسبة لجهاز الشرطة الروسي في الأمس، وربما إلى حد كبير اليوم: إذ تراه مثلا يجيد الحديث باللغة الانجليزية. ثم انه يكبر ويشيخ من كتاب إلى آخر في السلسلة، وهذا على عكس جيمس بوند أيضا، وقد أشار المؤلف بأنه سيبلغ في الحلقة ـ الكتاب الثاني عشر 66 سنة، وحيث ستجري الأحداث عام 1919، وهذا يعني أن أحداث السلسلة كلها سوف تجري خلال فترة 1879 ـ 1919. وكأن المؤلف يقصد بشكل واضح وصريح العودة إلى الحديث عن العقود الأخيرة التي سبقت قيام الثورة وليس في روسيا وحدها وانما في عموم القارة الأوروبية. وإذا كان اكونين يتحدث في مغامرات «فاندورين» عن تتويج آخر قياصرة أسرة «رومانوف» بشيء من اللامبالاة بل والسخرية، ومن الواضح انه ليس متعاطفا مع هذه الأسرة، ولكنه في الوقت نفسه يشفق عليها وكما يشفق عليها مئات الآلاف من البشر الذين لاقوا حتفهم أثناء الحرب الأهلية الطويلة. إن المؤلف يلفت الانتباه في احدى مقابلاته إلى أن الطبعة الروسية من الكتاب تحمل على صفحة الغلاف الأول عنوانا صغيرا يقول «مخبر سري جديد».. وما يلفت الانتباه أيضا هو ان كلمة جديد مكتوبة بالأحرف الروسية التي كان يتم استخدامها آنذاك.. أي أحرف نهاية القرن التاسع عشر.. هذه الدلالة لا تتوقف عند هذا الحد، إذ أن الأسلوب يتغير هو الآخر بحيث ان المؤلف يكتب في «ازازيل» و«المناورة التركية» على طريقة دوستويفسكي التي كانت «جديدة» في سياقها. «ازازيل» و«المناورة التركية» هما الكتابان ـ الحلقتان الأولى والثانية من سلسلة مغامرات «ايراست فاندورين». ولنعد إلى البداية حيث نقرأ في مطلع «ازازيل» ما يلي: «يوم الثلاثاء 13 مايو 1876، نحو الساعة الثالثة بعد الظهر، وفي يوم تمتزج فيه طراوة الربيع بحرارة الصيف وفي حديقة القيصر الاسكندر حدث أمام نظر الجميع...».. ثم تبدأ لعبة لا نهاية لها يقول فيها المؤلف «بطله» في مغامرات لا تنتهي على طريقة «الكسندر دوما» عندما كتب الفرسان الثلاثة. تجدر الاشارة إلى أن هذا العمل قد أثار ضجة كبيرة عند صدوره. كما أثير الكثير من الكلام حول هوية ذلك الذي يكتب تحت اسم «بوريس اكونين». وتعددت التساؤلات والمؤشرات وخاصة من خلال الاستشهاد الكثيرة التي يستخدمها المؤلف في فصله ليتكشف في النهاية بأنه ليس في هذا الاسم المستعار أية صلة «باكونين» الشهير، الذي تمّ الاعتقاد لفترة بأن المؤلف أحد تلامذته المعجبين به.. وكذلك ليس له أية صلة بـ«باكو»، المدينة المعروفة وانما هو في الواقع ليس سوى «جريجوري شالفوفيتش تشيكارتيفيلي» المولود من أب جيورجي وأم روسية عام 1956.. أي بعد قرن تماما من تاريخ الولادة الذي اختاره لـ«فاندورين». وهو في نهاية المطاف مثقف روسي كان يعمل حتى فترة قريبة نائب رئيس تحرير مجلة «الآداب الأجنبية».. وهو يتقن اللغة اليابانية التي ترجم منها إلى اللغة الروسية عددا من الأعمال اليابانية المعروفة من بينها بعض مؤلفات «ميشيما» وخاصة «اعترافات قناع». وكلمة «اكونين» تعني باللغة اليابانية «الولد الشقي»، فهل كان لهذا صلة باتخاذ اسم بوريس اكونين أم انه بالأحرى انتحال لاسم أميرة جيورجية سابقة؟ يبدو ان «اكونين ـ تشيكارتيفيلي» شديد الاعجاب بالكاتب الياباني ميشيما الذي كان قد انتحر مثل العديد من كبار الأدباء اليابانيين والروس أيضا، ولذلك عكف ـ أي تشيكارتيفيلي ـ عام 1996 على كتابة عمل يحمل عنوان «الكاتب والانتحار» الذي جمع فيه عددا كبيرا من النصوص الخاصة بالانتحار لكبار أدباء وكتاب العالم.. وقد توقف بعدها عن الكتابة فترة من الزمن ليخترع بعد ذلك «اسما جديدا» هو بوريس اكونين و«بطلا جديدا» هو ايراست فاندورين ويكتب في فترة خمسة وأربعين يوما فقط الكتاب الأول «ازازيل» من سلسلة تتألف من اثني عشر كتابا. وإذا كان المؤلف يتحدث منذ الأسطر الأولى عن «انتحار» أحدهم أمام أنظار الجميع وفي حديقة القيصر الاسكندر، فإنه يقدم بعد ذلك رواية مغامرات بوليسية فيها الكثير من الفرح والحركة.. ويستمر النمط نفسه من الكتابة الروائية في الكتاب الحلقة الثانية الذي يحمل عنوان «المناورة التركية»، حيث نجد البطل «فاندورين» وسط الأرياف على الجبهة الروسية ـ التركية ومحاطا بالنساء الجميلات وبضباط الجيش الروسي الذين يحضرون للمواجهة مع الجيش التركي. ان هذين الكتابين «ازازيل» و«المناورة التركية» زاخرين بالشواهد الأوروبية والفكرية ذات الدلالة والعمق ولكن في اطار بوليسي في الوقت نفسه. هكذا يبدو ان المؤلف قد أراد أن يوجه كتابته للجميع، للمتعمقين في معارفهم الأدبية ولكن أيضا للناس البسطاء، وهذا ما يفسر الانتشار الواسع لهذا العمل الذي غدا بمثابة ظاهرة أدبية حقيقية يتفق الجميع على الاهتمام بها. وهكذا أيضا حقق بوريس اكونين الوحدة بين النخبة والشعب»، كما كان يتردد في احدى الشعارات التي تم طرحها أثناء الحقبة السوفييتية. ان هذا العمل يبدو في الواقع وكأنه يتألف من طبقات عدة بعد اكتشاف كل منها رغبة اكتشاف الطبقة الأخرى التي تليها. ويمكن رؤية هذه «الطبقات» على انها مزيج من «الرواية مع بعد الحداثية» الروسية حيث ان المؤلف يفكك موضوعه على هواه ويستخدم لعبة اللغة والتقاليد الأدبية. وهذا كله لخصة «نيكولاي اليكساندروف» الناقد الأدبي في إذاعة «صدى موسكو» حيث قال ان «اكونين يقدم في هذا العمل الروائي» تاريخ روسيا في القرن التاسع عشر، لكنه تاريخ يعكسه الأدب. انه يحبس أنفاسنا برواية بوليسية مع حرية كاملة في الكتابة والقص الروائي. وهكذا استجاب لرغبة كل شرائح القراء، «أي ما شكل في الواقع سر نجاحه». ولعل أيضا سر هذا النجاح يعود إلى مسألة أساسية تتمثل بالعودة إلى الطفولة.. ان قراءة هذين الكتابين «ازازيل» و«المناورة التركية» تبدو انها تعيدنا إلى ملاعب الطفولة وتعيد ذلك الفرح الذي يحسه الأطفال وهم يقرأون قصص المغامرات، إننا من جديد أمام «الفرسان الثلاثة» لالكسندر دوما، ولكنهم «فرسان ثلاثة» تقمصهم «بطل» واحد هو «فاندورين» الطفولة موجودة في أعماق كل إنسان مهما كانت درجة جديته، هذا ما يجمع عليه علماء النفس «اللعبة» الحقيقية التي مارسها «بوريس اكونين» هي في الواقع المزج بين الحياة والأدب «الماضي والحاضر، «فاندورين» والناس، بوريس اكونين وجريجوري تشيكارتيفيلي، الباحث والروائي... الخ. وبكل الحالات ان الأدب يتغذّى من الأدب.. وكان الكاتب الكبير دوستويفسكي قد كتب في «مذكراته» بأنه كان شاهدا في حديقة القيصر الاسكندر على انتحار شاب كانت توجد في احدى جيوبه رسالة.. وهذا ما نقرأه تماما في الصفحات الأولى من ازازيل. تجدر الاشارة أخيرا إلى أن سلسلة مغامرات «المخبر السري الجديد» الروسي هذه المرّة وليس الأمريكي، قد تمت ترجمتها إلى العديد من لغات العالم حيث يتنافس الناشرون للحصول على حقوق النشر حتى قبل صدور الكتاب ـ الحلقة الجديدة. ولكن بالمقابل لم تتم ترجمة كتاب «الانطولوجيا» الكبير الذي قدمه المؤلف باسمه الحقيقي، سوى إلى لغة أجنبية واحدة هي اللغة اليابانية. يبقى أن «فاندورين» ليس «جيمس بوند» وإنما روسي «عادي».