تعبير «الضفة اليسرى» في عنوان هذا الكتاب يعني بالتحديد الضفة اليسرى من باريس بالقياس إلى مجرى نهر السين الذي يتجاوز المدينة وهو ينطلق نحو المحيط.. ولكنه تعبير له أيضاً دلالاته الفكرية والثقافية اذ هذه «الضفة اليسرى» هي ملتقى الادباء والشعراء والفنانين والثوريين اليساريين من كل حدب وصوب. والكتاب هو عن سيرة حياة انطوان «سانت اكزوبيري» الطيار الحربي الذي خرج ذات يوم بمهمة قتالية انطلاقاً من احدى القواعد الجوية بجنوب فرنسا باتجاه تونس لكنه لم يصل ابداً إلى هدفه ولم يعد ابداً، أيضاً إلى القاعدة التي انطلق منها او الى اية قاعدة اخرى. ما يرجحه المؤرخون والباحثون هو انه انتهى هو وطائرته في مياه البحر الأبيض المتوسط. لقد رحل سانت اكزوبيري لكنه ترك وراءه عدداً من المؤلفات التي من بينها رواية «الامير الصغير» التي تدل بعض الاحصائيات بانها أكثر الكتب المقروءة في فرنسا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهو أيضاً صاحب رائعة «الطيران الليلي» الشهيرة. ان مؤلف هذا الكتاب، «فرانسوا جيربر» رجل قانون بالاصل، وكان قد نشر عدة دراسات عن عالم القضاء والحقوق قبل ان يتحول نحو الأدب حيث كان اول اعماله كتابة سيرة حياة «اندريه مالرو» وهو يقدم اليوم سيرة حياة «سانت اكزوبيري» في اطار الاحتفال بالذكرى المئوية لميلاده ـ هو من مواليد عام 1900 ـ ويختلف هذا الكتاب عن الكم الكبير الذي شهدته المكتبة الفرنسية مؤخراً عن «سانت اكزوبيري» بان مؤلفه «الحقوقي» يدافع عن اطروحة جديدة بعيدة عن جوقة المديح والتعظيم المعتادة في المناسبات الاحتفالية. الاطروحة المركزية في هذا الكتاب تقول بأن انطوان دو سانت اكزوبيري وقبل ان يكون رجل فعل كان «مثقفاً معتزماً». ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق على الدور المهم الذي لعبه الاديب والمقاوم جاك برينو في دفع اكزوبيري إلى الاهتمام بعالم السياسة والعمال والاشتراكية بالخط العريض. كذلك يتعرض المؤلف للدور الذي لعبه ايضاً في نفس الاتجاه الكاتب والداعية السلمي «ليون ويرث» الذي كان في طليعة وارثي الافكار التي قال بها «جان جوريس» الذي دفع حياته، اغتيالاً ثمناً لمعارضته قيام الحرب العالمية الأولى. لكن هذا كله لم يمنع واقع ان «سانت اكزوبيري» لم يتوصل إلى تشكيل قناعات ثابتة وأكيدة على الصعيد السياسي كما بدأ في موقفه المتردد حيال الحرب الاهلية الاسبانية. واذا كان قد أعلن عداءه للنازية فإنه بنفس الوقت لم ينضم إلى جيش فرنسا الحرة الذي كان الجنرال شارل ديجول قد أعلن عن تشكيله انطلاقاً من لندن لمحاربة الاحتلال النازي. كتاب يدافع فيه مؤلفه المحامي. أو بالاصح «يرافع» من أجل تثبيت صورة «المثقف الملتزم» لصاحب رواية «الامير الصغير»