بيان الكتب: احمد مرزوقي صاحب هذا الكتاب الشهادة ليس كاتباً معروفاً ولم يسبق ان حمل غلاف اي كتاب اخر اسمه. انه مجرد سجين سابق في معتقل «تازمامارت» في المغرب وبالقرب من الحدود المغربية ـ الجزائرية. كان احمد مرزوقي ضابط صف في الجيش المغربي حيث شارك بهذه الصفة في محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت يوم 9 يوليو 1971 والمعروفة باسم عملية «الصخيرات» التي ذهب ضحيتها اكثر من مئتي شخص كان معظمهم من مدعوي الملك المغربي الراحل الحسن الثاني للاحتفال بعيد ميلاده، كما كانت قد جرت العادة لمدة سنوات. بعد فشل تلك المحاولة حوكم احمد مرزوقي ودخل السجن كي لا يخرج منه الا بعد ثماني عشرة سنة امضى خمس عشرة سنة منها في سجن «تازمامارت». هذا الكتاب هو واحد في سلسلة من الاعمال التي تعددت خلال الاعوام الاخيرة مع وصول الملك محمد السادس الى العرش في المغرب بعد وفاة والده المرحوم الملك الحسن الثاني. وهذا الكتاب صادر بالوقت نفسه عن داري نشر، احداهما في الدار البيضاء بالمغرب والاخرى في العاصمة الفرنسية باريس. ان هذا العمل اثار ضجة كبيرة عند صدوره. وارتفعت اصوات كثيرة لتقول بانه قد جرت المبالغة في الحديث عن سجن «تازمامارت» وبأن نزلاءه من السجناء لم يكونوا في عداد القديسين اذ لو ان احمد مرزوقي ربما كان قد اصبح «جلاداً» لو ان انقلاب «الصخيرات» نجح في تحقيق الهدف الذي سعى اليه الذين خططوا له، اي الاستيلاء على الحكم. وفضلا عن ان مثل هذا الرأي هو نوع من «محاكمة النوايا»، كما رد المعارضون لمثل هذا المنطق. فانه ينسى، كما اضافوا مسألتين اساسيتين وهما ان اغلبية الضباط وصف الضباط من بينهم احمد مرزوقي لم يكونوا يعرفون حقيقة المغامرة التي كانوا قد خاضوها في «الصخيرات» والاخرى واقع ان هؤلاء قد حوكموا وصدرت بحقهم احكام من قبل قضاة اكفاء لكن المدة التي امضوها وراء الجدران تفوق كثيرا ما نطقت به الاحكام الصادرة بحقهم. اذ وبعد ان امضى «مرزوقي» وعدد من الذين كانوا قد شاركوا معه في محاولة انقلاب الصخيرات مدة سجنهم في سجن «القنيطرة» جرى اقتيادهم معصوبي العيون الى «تازمامارت» الذي وصفه احد الحراس على مسمع من السجناء عند وصولهم اليه بالقول: «ياالهي! اي سجن رهيب هذا! لقد اقتادوهم بالتأكيد الى هنا من اجل ابادتهم». لكن وبغض النظر عن النقاش الذي يمكن ان تثيره مثل هذه الشهادات فإنها تنتمي بكل الحالات الى التاريخ انها جزء منه الى جانب اجزاء اخرى منها ما هو اقل ظلمة ومنها ما يمكن للمعنيين به ان يفتخروا به. ان احمد مرزوقي يقدم شهادته على تجربة عاشها في الزنزانة رقم 10 في سجن «تازمامارت» ولكن لماذا الرقم 10 تحديداً، يجيب المعني: «لانها كانت زنزانتي. وانني لا اقص سوى ما عشته فيها اما ما استطعت مشاهدته عندما كان الباب ينفتح، وهذا ما لم يكن يحدث غالباً». ويقول في وصفه للمرة الاولى التي أدخلوا فيها السجناء الى زنزاناتهم الصغيرة بعد وصولهم الى سجن «تازمامارت» ما يلي: «عندما انغلق الباب الحديدي كان القلق الذي عشناه وسط الظلمة الدامسة والعزلة اللتين كانتا تلفان زنزاناتنا لا حدود له. كانت لحظات مرعبة استولى فيها الهلع على اغلبيتنا او اعتراهم يأس لا شيء يمكن ان يخففه. استولى على البعض الاحساس بانهم قد ألقوا في قاع هاوية..». لم يكن الضوء يدخل تلك الزنزانة رقم 10 الا من خلال بعض الشقوق في الباب او عبر الثمانية عشر ثقباً الصغيرة التي كانت تمثل وسيلة التهوية عبر الجدار. ان الحياة في تلك الزنزانات كما وصفها احد السجناء وينقلها مؤلف الكتاب بأنها كانت «اقل مما يعرفه البشر واكثر حظا من الفئران». ويؤكد احمد مرزوقي ان السجناء الـ 58 الذي تم تحويلهم الى سجن «تازمامارت» لم يبدلوا ثيابهم الداخلية طيلة السنوات الثلاث الاولى لاقامتهم فيه يقول: «كانت الروائح التي تنبعث منا اسوأ من تلك التي تنبعث من صندوق قمامة».. اما الطعام فقد كان عبارة عن 30 جراما من الخبز صباحا وفنجان من القهوة «السيئة» اما وجبة الظهر فقد كانت في اغلب الاحيان مؤلفة من الحمص حيث كان صاحب الحظ بيننا يظفر بـ 25 حبة حمص في صحنه.. ويصف في هذا الاطار عام 1978 بانه كان عاما رائعا اذ اضيف للوجبات «كأس من شراب الليمون».. ويمكن الذهاب بعيدا في نقل «الأهوال» التي شهدها نزلاء ذلك السجن.. ويكفي للدلالة عليها ان سبعة سجناء قد ماتوا في العنبر الاول من السجن من اصل 29 بينما لقي ثلاثة وعشرين من اصل 29 ايضا حتفهم في العنبر الثاني ويستفيض احمد مرزوقي في وصفه لهذين العنبرين هذا ما دلت عليه اعداد اولئك الذين خرجوا من السجن في شهر سبتمبر من عام 1991 عندما صدر قرار بالافراج عنهم. وفي وسط ذلك الظلام كان شعاع الضوء البسيط مصدره حراس السجن حوالي 15 حارساً الذين كان نادراً ما يتم تبديلهم مما جعل هذه الاستمرارية تولد نوعا من العلاقة «الانسانية». يقول المؤلف: «بفضل هذا النوع من المودة «...» استطعنا شيئا فشيئاً رشوتهم وفي بعض الاحيان اثارة عواطفهم. ومهما كانت فظاظة اكثريتهم فلهم، وعلى الرغم من كل شيء وبدرجات متفاوتة يعود الفضل في خروج 28 سجيناً من اصل 58 احياء من ذلك الجحيم». كتاب شهادة يؤكد نشره، ومهما كانت قسوة ما يقال فيه، بان افاقاً جديدة لحرية التعبير تنفتح في المغرب اليوم... ومهما لاقى توزيع هذا العمل من عقبات.