بيان الكتب: الان كوربان هو مؤرخ وكاتب فرنسي جعل من التاريخ الاجتماعي والتاريخ السياسي، خاصة تاريخ النضال النقابي، في فرنسا موضع اهتمامه الرئيسي. له العديد من الدراسات والاعمال في هذا الميدان. يعود الان كوربان في هذا الكتاب قدوم اوقات الفراغ 1850 ـ 1960 الى دراسة ظاهرة اصبحت من المسلمات التي لا تحتمل النقاش وهي تمتع العاملين بيوم او بيومي عطلة اسبوعية بالاضافة الى بعض العطل السنوية التي قد تطول او تقصر مدتها حسب البلدان وحسب ميادين النشاط في هذا البلد او ذاك. جاء في قول شائع: «كم من العذب الا تفعل شيئا عندما يتحرك كل شيء حولك». فهل هذه قاعدة مطبقة منذ القديم ام انها تعود الى تعود فقط في بداياتها الى القرن التاسع عشر.. ثم هل لـ «العطلة الاسبوعية» للعاملين هي نتاج مباشر للثورة الصناعية؟ الاجابة على مثل هذه التساؤلات تشكل صميم هذا الكتاب الذي يؤكد فيه مؤلفه بان حق التمتع باوقات الفراغ انما جاء نتيجة «معارك» حامية الوطيس ثم في نهايتها «انتزاع» هذا الحق. وتجددت الصراعات نفسها من اجل الحصول على حق «العطلة مدفوعة الاجر». لكن «اوقات الفراغ» كانت ايضا وراء بروز عدد من المشاكل الاجتماعية التي ارتبطت بها اذ انها «أفسدت» عقل الكثير من العاملين الذين استغلوها في اللهو وتعاطي الكحول وغيرها من المواد الضارة بعيدا عن «الجدية» التي كانت تطلبها اعمالهم التي لا تعرف الانقطاع. ويؤكد المؤلف في هذا الاطار بان «اوقات الفراغ» جوبهت لفترات طويلة بنوع من «الردع الاخلاقي». وبكل الاحوال كان التمتع بها في بداياتها محصوراً بشريحة من الطبقات الميسورة التي لم تكن مضطرة لتقديم اي جهد من اجل كسب عيش كان ذلك في الزمن الذي ظهرت فيه «اول المسابح على شواطيء الريفييرا» و«اول اليخوت التي كان يتم استخدامها لقتل الفراغ عبر الانتقال من موقع بحري الى اخر» في باريس التي كانت قد بدأت تميل نحو «التسلية». ثم بدأ البشر لا يخترعون محيطات وجبال تستحق اجتيازها مما يعطي الوهم بـ «امتلاك الزمن». و«قتنا لنا» في اوقات الفراغ. بدأ مفهوم «العطلة الاسبوعية» بالبروز اولا فيما يتعلق بالاطفال، وهذا هو المعنى الوحيد الذي ذكره قاموس «ليثري» الشهير للتعبير في نسخته لعام 1878 حيث جاء فيه بان «العطلة الاسبوعية هي الزمن الذي تتوقف فيه الدراسات بالمدارس والمعاهد». ثم تم تعميم هذا المفهوم ليطال «العطل» بكل اشكالها. هذا مع العلم بان العطل المدرسية لم تكن نفسها في المدارس العامة والمعاهد الخاصة اذ ان بعض المؤسسات الكاثوليكية كانت تمنع العطل الخارجية. اذ لم يكن اي طفل يدخل الى اية مؤسسة منها يخرج الا بعد ان ينهي دراساته المقررة. وكان هذا النظام اشد صرامة بالنسبة للفتيات وهذا ما عبرت عنه الكاتبة الفرنسية الشهيرة جورج صاند التي عاشت في القرن التاسع عشر وتبنت اسم رجل «جورج» كي تؤكد على المساواة بين الجنسين، كما لبست السروال «الرجالي» عندما قالت في كتابها الذي يحمل عنوان «قصة حياتي» ما يلي: اننا سجينات بكل ما تعنيه هذه الكلمة. كانت المسألة التربوية هي بمثابة الرهان الاجتماعي الاساسي انذاك. ومن الطرافة الاشارة في هذا السياق الى ان العطلة الصيفية كانت تأخذ في حساباتها عند بدايات تطبيقها في المدارس مسألة زمن المواسم والقطاف وذلك طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وتعني كلمة «اوقات الفراغ» في اللغة اللاتينية «الوقت الحر» وبالتالي ينبغي التمييز بينها وبين «العطلة» التي ترتبط باولئك الذين يمارسون عملا ما بينما يمكن ان يتمتع بـ «الوقت الحر» حتى اولئك الذين يكون كل وقتهم «حراً». اذ ان ذلك الذي كان يمضي فصل الشتاء مثلا في باريس وفصل الصيف في قصره باحدى المناطق الفرنسية الريفية انما كان يمارس تحديدا تنظيم اوقات فراغه الدائمة. لكن بالمقابل كان التمتع بالعطل للاستراحة من عناء العمل مناطا بالوضع الاجتماعي وبالدخل. وهكذا كانت شرائح محددة من البورجوازية الصاعدة ومن اصحاب المهن الحرة وكبار موظفي المصالح العامة.. وبعد هؤلاء بمسافة كبيرة العاملون في هذه المؤسسات هم اصحاب مثل هذا الحق. وانطلاقا من عام 1853 كان العاملون في فرنسا بسلك الدولة يتمتعون بعطلة سنوية مدتها 15 يوما مدفوعة الاجر. ثم استفاد من الوضع نفسه العاملون في قطاعات خاصة اخرى مثل البنوك وايضا الشركات الكبرى، بينما لم يكن العاملون في المخازن التجارية الكبرى يتمتعون في البداية سوى بسبعة ايام عطلة مدفوعة الاجر كل سبع سنوات. تجدر الاشارة في هذا السياق الى احصائيات نشرها مكتب العمل الدولي في عام 1929 ودلت على ان 98% من العمال في المانيا كانوا يتمتعون بالعطل المدفوعة مقابل 1% فقط في فرنسا، التي كان عليها ان تنتظر حتى عام 1936 كي تحذو حذو «الجار» الالماني و«العطل المدفوعة» ليست هي العطل الاسبوعية العادية. ويميز المؤلف بين مفهومين للعطلة الاسبوعية احدهما «دنيوي» فرضه التطور الصناعي وتأخرت فرنسا كثيرا في تطبيقه بالقياس الى دول أوروبية اخرى، وخاصة المانيا، ويخص ايضا عدد ساعات العمل الاسبوعي والعطل الاخرى المدفوعة الاجر، والاخر له علاقة بالنضال الشديد الذي قاده رجال الكنيسة من اجل احترام «يوم العطلة» الذي حددته النصوص المسيحية بيوم الاحد. وبكل الحالات ورغم هذا التمايز في الخلفية الايديولوجية بين المفهومين تضافرت جهود الكنيسة والاصلاحيين الاجتماعيين في المطالبة باحترام يوم العطلة. ويحدد المؤلف بهذا الصدد «سويسرا»، كأحد البؤر الاولى التي «الجمعيات الاولى» رفعت مطلب يوم الراحة الاسبوعي، لتعمم بعدها مباشرة «جمعيات» مشابهة في باريس ولندن وروتردام وغيرها. وكانت هذه الجمعيات قد كثفت نشاطها خلال فترة 1860 ـ 1906. لكن، وعلى عكس ما يسود الاعتقاد، بدا رجال السياسة «اكثر حياء» في نضالاتهم المطلبية الخاصة بالعطل وساعات العمل اذ لم ترتفع في البداية سوى اصوات بعض الاصلاحيين النادرين. اما على صعيد العمال فقد بدأت بوادر المطالبة الاولى في قطاع التجارة وبعض القطاعات الصناعية المرتبطة مباشرة بها. ويعيد المؤلف اسباب التردد الى عدة عوامل اذ «خشي البعض ان تؤدي العطلة الاسبوعية الى تخفيض الاجور» بينما اعتبرها اخرون بمثابة اعاقة لحرية العمل. يضاف الى هذا سبب جوهري اخر هو الخشية من «تأطير اليد العاملة» مما قد يعزز سلطة الكنيسة من وجهة نظر المناضلين المدافعين عن القيم الجمهورية وعلمنة المجتمع. وهنا يفتح المؤلف قوسين لمناقشة افكار الفيلسوف «اوجست كومت» الذي ميّز ايضا بين «يوم الراحة الاسبوعي» و«اوقات الفراغ». وهذا اخرون حذو «كومت» من امثال «بيير برودون» و«جان جوريس» و«بيير لورو» الذين طالبوا وبرروا يوم العطلة الاسبوعية ولكن من منظور «غير كنسي». وفي سياق اخر يخص المقارنة بين تطور عملية المطالبة بيوم العطلة الاسبوعية والعطل المدفوعة الاجر وبين المطالبة بتقليل ساعات العمل اليومي، يرى المؤلف ان قائمة الحجج المقدمة لصالح احترام عطلة الاحد بدت اكثر ثراء وتنوعا من قائمة الحجج الاخرى التي تطالب بتقليص مدة ساعات العمل اليومي. وفي مقدمة الحجج «الحاسمة» في الدفاع عن يوم العطلة الاسبوعية يضع المؤلف القول بان «يوم الراحة الاسبوعي قد تم طرحه في اغلب الاحيان على اساس انه وسيلة لزيادة الانتاجية وبالتالي المساهمة في الازدهار وفي قوة الامة بهذا المعنى جرى «تثمين» العامل الاقتصادي في سيرورة التطور الاجتماعي كلها. والحجة «القوية» الاخرى لصالح يوم العطلة الاسبوعي كانت لها علاقة بالتكوين «الفيزيولوجي» للجسد الانساني وكذلك بالتكوين «البسيكولوجي» للانسان وينقل المؤلف عن طبيب سويسري اسمه «هيجر» نشر في عام 1889 نصا غدا بسرعة بمثابة مرجع في ميدانه اكد فيه بان الانسان بحاجة الى نوعين من الراحة. النوع الاول قصير المدى ويؤمنه الوقت الحر في المساء عبر النوم كما تؤمنه الاستقطاعات وسط زمن العمل. وبناء على هذا الرأي الطبي حول الحاجة المباشرة للراحة تم تبرير المطالبة بتحديد ساعات العمل اليومي بثماني ساعات فقط. اما النوع الاخر من الراحة فانه يتعلق باستعادة «مرونة الجسد والذهن» وهذا ما يتطابق مع مفهوم يوم العطلة الاسبوعي والذي يستجيب لما يتطلبه «قانون طبيعي» و«حتى ان الخيول التي تجر العربات تبقى يوما من كل اسبوع في اسطبلاتها»، يقول المؤلف الذي يقدم قائمة طويلة حول الفوائد الجسدية والنفسية التي يمنحها يوم العطلة الاسبوعي للمعنيين به، ويعتمد في اعداد «قائمته» على اراء العديد من الاطباء الذين عاشوا في الفترة التي يدرسها... ويصل الى حد القول بان «احترام» يوم العطلة الاسبوعية يقلل من حوادث الانتحار ومن ارتكاب الجرائم. ويستعرض المؤلف في احد فصول هذا الكتاب ما يمكن اعتباره بمثابة «طقوس» يوم العطلة الاسبوعية لاسيما وانه «ساد وسط المجموعات المؤيدة ليوم الراحة الاسبوعي من جمعيات ونقابات نوع من الاجماع على ان يوم العطلة هذا يزيد من لحمة الروابط الاجتماعية» هذا فضلا عما يسمح فيه من ممارسة نشاطات ادبية او فنية او رياضية او غيرها. وضمن هذا «الفهم» لاهمية يوم العطلة الاسبوعية شهدت فرنسا عام 1900 قيام جمعية تسمى «الرابطة الشعبية من اجل يوم راحة كل احد في فرنسا، ثم شهدت السنوات الاولى من القرن العشرين نقاشات كبيرة حول رهانات يوم العطلة الاسبوعي والعطل مدفوعة الاجر. وكانت تلك النقاشات تعكس النزاعات الكبرى التي كانت تجتاز المجتمع حول الرهانات السياسية الكبرى الخاصة بالمستقبل. وتطور مفهوم العطلة واوقات الفراغ كثيرا خلال القرن العشرين مع الثورات التكنولوجية المتتابعة التي غيرت مفاهيم المكان والزمان وزادت من الوقت الحر ومن المداخيل ومن رغبة الاستهلاك.. عبر العطل واثنائها. كتاب عن «اوقات الفراغ» لكنه يناقش فعليا «اوقات العمل».