بيان الكتب: لم يكن أحد قد سمع باسم «لويزيت ايجيلاريز» قبل تاريخ 20 يونيو من عام 2000. ففي ذلك التاريخ نشرت صحيفة لوموند الباريسية المعروفة مقابلة مع هذه السيدة التي روت كيف تعرضت عندما كان عمرها عشرين عاما للتعذيب من قبل جنود الفرقة الفرنسية العاشرة للمظليين أثناء معركة الجزائر لعام 1957. كانت تلك الفرقة بقيادة الجنرال الشهير «ماسو». دفعت تلك المقابلة السيدة الجزائرية «لويزيت ايجيلاريز» إلى واجهة الاهتمام الاعلامي. وزاد هذا الاهتمام مع نشر مقابلة أخرى مع جنرال فرنسي سابق «الجنرال لوساريس» الذي تبع مقابلته بنشر كتاب تحت عنوان «الأجهزة السرية الفرنسية في الجزائر» تحدث فيه عن عمليات التعذيب التي مارستها السلطات الاستعمارية ونفذها هو شخصيا، حيث كان أحد ضحاياها هو القائد الجزائري العربي بن مهيدي وكان «بيان الكتب» قد قدّم ملفا عن الكتاب والضحية التي أثارها في الأوساط الاعلامية والسياسية والعسكرية الفرنسية. أيضا وبعد يومين فقط من نشر المقابلة مع السيدة الجزائرية أعلن الجنرال ماسو «أسفه» لما حصل من تجاوزات في تلك الفترة. ضمن هذا السياق جاءت فكرة اعداد هذا الكتاب الذي جاء على صيغة حوار طويل بين المناضلة السابقة في جبهة التحرير الجزائرية وبين الصحفية الفرنسية «آن نيفا». وصيغة الحوار هذه ليست إلا وسيلة لكتابة «سيرة حياة امرأة جزائرية كانت قد شاركت في حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي»، ومن خلال هذا كتابة تاريخ مرحلة لاتزال جروحها لم تندمل بعد، كما يبدو من الضجة التي أثارها بشكل خاص كتاب الجنرال «بول لوساريس». تقول «لويزيت ايجيلاريز» في مقابلتها مع صحيفة لوموند، وما استعادته في الكتاب، عن جلسات التعذيب الجسدي والنفسي التي تعرضت لها بأوامر من الجنرالين «جاك ماسو» و«مارسيل بيجار» ما يلي: لقد مددوني عارية، دائما عارية! حيث كانوا يعودون مرة أو مرتين أو ثلاث مرات يوميا. (...) كان الأمر الأكثر قسوة هو الصمود في الأيام الأولى. فبعدها يمكن الانفصال ذهنيا عما يجري، وكما لو أن الجسد يعدم بعد التعود على الألم. ان هذه المرأة «المجهولة» فتحت باعترافاتها الجريئة والجارحة، كما هي الحقيقة في أكثر الأحيان في هذا الاطار، الطريق أمام فتح ملف التعذيب الذي مارسته السلطات الاستعمارية في الجزائر. ان عمر هذه السيدة يبلغ الآن أربعة وستين عاما، منذ سلمت أسرار حياتها لـ«آن نيفا» التي سعت لإنجاز هذا العمل على الرغم من أن اختصاصها الرئيسي هو روسيا. أمضت «لويزيت» طفولتها في كنف أسرة تتألف من سبع بنات وثلاثة بنين وممسوكة بيد صارمة من قبل أب حنون وحازم في الوقت نفسه، وكانت والدتها امرأة أميّة لا تقرأ ولا تكتب ولكنها كانت مع ذلك شديدة الاهتمام بالسياسة وبما يدور في البلاد من أحداث. دخلت الطفلة «لويزيت» إلى المدرسة الفرنسية لكنها كانت تعرف بأنها سوف لن تنجز دراساتها، فتلك كانت القاعدة بالنسبة للأطفال الجزائريين والجزائريات ولم يكن المدرسون والمدرسات يترددون في قول ذلك صراحة إلى «الطلبة العرب». وإذا كان هذا الكتاب يعلن اعتبارا من عنوانه «جزائرية» توجهه السياسي الواضح و«هويته» فإنه مع ذلك يقدم أيضا صورة امرأة «نموذج انساني»، له خصوصياته وملامح شخصيته. إذ ومنذ أن بلغت «لويزيت» سن الثامنة عشرة انخرطت في صفوف ثوار جبهة التحرير الوطني الجزائرية وذلك كي تضع حدا للاذلال الذي كان يحس به المسلمون الجزائريون عبر النظرات المتعالية والمزدرية التي كان الفرنسيون يرمقونهم بها. ولم يكن يحق لأي جزائري بأن يصبح فرنسيا كامل الحقوق. «حسنا فمن الأفضل أن يكون جزائريا»، لاسيما وانه لم يكن هناك أي أمل بأن يتم تطبيق مبدأ «المساواة» الذي يعلنه الفرنسيون ضمن اطار «ثالوثهم الوطني»: «الاخاء والحرية والمساواة» الذي كانت الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789 قد رفعته. وتروي «لويزيت» في هذا الكتاب قصة وقوعها في الأسر بعد اشتراكها في «كمين» كان الثوار الجزائريون قد نصبوه للجنود الفرنسيين. وكانت قد أصيبت أثناء المواجهة بجروح خطيرة، ثم تعرّضت لعمليات تعذيب كبيرة لم يخلّصها منها سوى طبيب عسكري يحمل اسم «ريشو» الذي تطلق عليه صفة «المنقذ» حيث انه أنقذها من براثن جلاديها وخاصة من قبضة ضابط سادي اسمه «غرازياني» لتمضي بعدها أربع سنوات في السجن وتنال حريتها عام 1962 مع إعلان استقلال الجزائر. حاولت «لويزيت ايجيلاريز» أن تعيد صياغة مسيرة حياتها من جديد بعد ما تعرضت له من تعذيب جسدي، وخاصة نفسي، ترك آثاره العميقة في نفسها. ورغم كل شيء تزوجت من مهندس شاب اسمه «أحمد» وحاولت أن تتابع دراسة الطب لكنها تخلّت عن هذا المشروع لتصبح باحثة نفسانية. وعملت بعد ذلك لسنوات مع طبيب نفساني ذي شهرة عالمية هو محمد بوسبسي الذي اغتيل عام 1993 في الجزائر. ثم دخلت في هيئات حزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية كمسئولة عن قضايا المرأة. لكن آمالها العريضة في هذا الميدان لم تذهب في واقع الأمر بعيداً. وفي مطلع عقد التسعينيات طلبت «لويزيت ايجيلاريز» احالتها على التقاعد قبل بلوغها السن القانونية، وذلك بسبب حالتها الصحية المتردية كنتيجة لما كانت قد عرفته من تعذيب سابق. وانبثقت لديها من جديد فكرة استحوذت على انتباهها كله وهي أن تعود وتلتقي بذلك الطبيب العسكري الذي أنقذ حياتها عندما كانت أسيرة في أحد سجون الفرقة الفرنسية العاشرة للمظليين في الجزائر. وقد أتاحت لها مقابلتها مع صحيفة لوموند في شهر يونيو من عام 2000. وها هي تروي في هذا الكتاب قصتها كاملة مع جلاديها. وتفتح ملفا يبدو انه لم يبرح «يعذّب» الفرنسيين لأنه «ينبش ما كان مدفوناً.. وانما حيّاً في الذاكرة».