بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب الحقيقي هو الجنرال شارل ديجول أما مارسيل جوليان فهو احد الادباء الفرنسيين والوجوه الإعلامية المعروفين اليوم. وقد جمع في هذا العمل اراء الجنرال وقدمها وعلق عليها مما اعطى في النتيجة كتاباً يمكن الرجوع اليه ، للتعرف على آراء الجنرال الذي كان بطل المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي عندما اعلن من لندن تشكيل جيش فرنسا الحرة ثم أسس عام 1958 «الجمهورية الخامسة» التي لا تزال قائمة حتى الآن في ظل رئيسها الخامس جاك شيراك. ويقدم مارسيل جوليان الجنرال ديجول على انه اشهر الفرنسيين خلال القرن العشرين وذلك من خلال جمعه بين مكانة الضابط الذي عرف كيف يرفع من قيمة مهمته ورجل السياسة الذي اثبت كفاءة عالية حيال العديد من القضايا وأيضاً رجل الدولة الذي عرف كيف يجعل لفرنسا موقعاً متميزاً في العالم.. لكنه كان بالاضافة إلى هذا كله صاحب قلم بارع اذ ان كتاب المذكرات التي ينشرها تميز باسلوب قلما يمكن وجوده لدى مشاهير كتاب عصره.. ان هذه السمة الأخيرة تبدو من خلال النصوص التي ينقلها مارسيل جوليان في هذا العمل الذي يبين الكيفية التي كان الجنرال، وكما عبر هو نفسه يرى بها الانسان وفرنسا والعالم والمرأة والسياسة واسرائيل... الخ. وقد تم تصنيف مواد هذا الكتاب على أساس مضمون كل موضوع وبحيث يقدم «مارسيل جوليان» في كل منها ما يعتقد بأنه يعبر بشكل أفضل عن فكر الجنرال. ان فرنسا تشكل بالطبع احد المراكز الأساسية في اهتمام الجنرال ديجول الذي أكد ذات يوم بانه ليس من السهل حكم بلد مثل فرنسا بكلمة يرددها العالم كله عنه وجاء فيها: «كيف يمكن للفرنسيين ان يتفاهموا في بلد ينتج 270 صنفاً من الاجبان؟».. ان الاشارة عبر «الاجبان» إلى التمايز الكبير بين مكونات الفرنسيين تجد صداها في التأكيد على سمة اخرى رأى الجنرال بان ابناء وطنه يتسمون بها ولو انهم يعلنون غيرها حيث يقول: «ان كل فرنسي يرغب الاستفادة من امتياز او من عدة امتيازات «هذه هي طريقته في التأكيد على تعلقه بالمساواة» وحول فرنسا وعلاقتها بالعالم وخاصة علاقتها بحلفائها الأمريكيين والبريطانيين، فقد عبر الجنرال عن «خلل في هذه العلاقة بشكل بليغ عبر مسألة لاعلاقة لها، كما يبدو، بالسياسة، اذ ينقل «مارسيل جوليان» عن «اندريه مالرو» الكاتب الفرنسي الكبير الذي عمل لفترة من الزمن وزيراً للثقافة في ظل الجنرال، حيث تحدث النقاد آنذاك عن «لقاء القمتين» السياسية والأدبية، قوله على لسان الجنرال: «غريب هذا التعلق الذي يبديه الفرنسيون حيال الخارج! اذ يتحدثون معي كل مساء من الاذاعة في شارع الرئيس كندي ـ حيث كانت توجد اذاعة فرنسا وعلى حد علمي لايوجد شارع باسم كلمنصو ـ رئيس جمهورية فرنسا سابقاَ ـ في واشنطن أو لندن». ويقدم «مارسيل جوليان» ضمن نفس السياق رؤية الجنرال للسياسة والجمهورية والدولة والعالم. وينقل عنه انه التقى يوم 7 ابريل من عام 1962 بـ «غي موليه» الذي كان آنذاك رئيساً للفرع الفرنسي من الاشتراكية الدولية، وكان غي موليه زعيم الاشتراكيين لسنوات طويلة كما انه شارك في عدة حكومات فرنسية، فبادره هذا بالقول: «كلا ياسيدي الجنرال، ان الجمهورية ليست انت! لقد تواجدت قبلك وسوف تتواجد بعدك!» فاجابه الجنرال: «نعم بالتأكيد، ولكنها لن تكون الجمهورية نفسها». وكان ديجول متعلقاً إلى حد كبير بأهمية ان يوليه الشعب ثقته هذا على الرغم من ان الجميع يتفقون على ان دستور «الجمهورية الخامسة» التي أسسها عام 1958 يعطي صلاحيات كبيرة لرئيس الجمهورية على مقاس الجنرال، وفي الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 1965 اخفق ديجول في النجاح والفوز بالاصوات اللازمة لاعادة انتخابه رئيساً للجمهورية ولذلك كان لابد من دورة ثانية للانتخابات بعد اسبوعين، وعندما التقى بوزرائه بعد «اخفاقه» بادرهم بالقول: «لدينا برهان اخر على اننا نعيش في بلد ديمقراطي. اذ هل رأيتم يوماً دكتاتوراً يخفق في الانتخابات؟». هذا ومن المعروف عن الجنرال انه تخلى عن السلطة في منتصف ليلة احد ايام عام 1969 بعد ان فشل احد المشاريع التي طرحها لاستفتاء الشعب عليها بخصوص «لامركزية الادارة» في نيل ثقة الفرنسيين الذي اقترع حوالي 52% منهم ضد المشروع. لكن حرصه على ثقة الشعب لم يمنعه بعض المرات ان يكون «قاسياً» في حكمه على العامة، وينقل عنه انه كان ذات يوم في احدى المدن الفرنسية ـ مدينة سانس ـ حيث بدأ يلقي خطاباً على الجمهور ويردد فيه بديهيات خالية من اي عمق مما دفع احد المقربين منه ـ فيليب باجونو ـ إلى ان يسر له بصوت منخفض: «جنرال، هناك احياناً انطباع بانك تعتبر الفرنسيين حمقى وجهلة.. فعلق قائلاً: كلا. لكن ينبغي ان تتحدث مع البشر اللغة التي يفهمونها». وكان الجنرال ديجول ذا حساسية مفرطة ونظرة حذرة في العلاقة مع الامريكيين والانجليز ـ الانكلوسكسون وهو اللاتيني ـ اذ من المعروف عنه انه قد القى خطباً بالعديد من اللغات، او استخدم في خطاباته لغة الجماهير التي يتحدث اليها، بما في ذلك اللغة الصينية التي لم يكن يفهمها بالطبع وانما تعلم كيف يردد «صوتياً» عدة اسطر في احد خطاباته بالصين.. لكنه لم يلقي ابداً اي خطاب بالانجليزية التي كان يجيدها.. وينقل عنه «مارسيل جوليان» انه قال غاضباً في اجتماع للوزراء في احد ايام يوليو من عام 1965: «غريب امر هؤلاء الامريكيين! من الذي قام بتربيتهم؟ انهم لم ينالوا اي قسط من التربية.. أو انه قد تمت تربيتهم على فكرة انه يوجد على الارض هم.. وصنف آخر ادنى من البشر». ولعل اكثر ما يهم القاريء العربي في مثل هذا الكتاب هو التعرف على آراء الجنرال ديجول حيال اسرائيل واليهود لاسيما وانه قيل الكثير ونقل الكثير بهذا القدر او ذاك من التأويل أو تقديم الرأي غير مكتمل. ويمكن في هذا الاطار تقديم اربعة اقوال للجنرال بحرفيتها. يقول «لقد قلت للشعب اليهودي ليس انه كان شعباً «مسيطراً» وانما شعب نخبوي واثق بنفسه ومسيطر. هناك تباين جدي بين القولين! وبمعنى ما، يمكن حتى اعتبار هذا بمثابة مديح قلته لليهود. وجاء في القول الثاني: «اذا كان وجود اسرائيل يبدو مبرراً جداً بالنسبة لي. فاعتقد ايضاً انه عليها ان تتصرف بكثير من التعقل حيال جيرانها العرب. ان هؤلاء هم جيرانها وسيظلون كذلك. اذ انها قامت على حسابهم وعلى اراضيهم. ومن هنا قامت بجرحهم في اكثر مواقع دينهم وعزتهم حساسية». وقول ثالث: «ان إسرائيل لا تواجه ابداً خطر الدمار. وسوف لن نسمح بتدميرها، لقد قلت هذا وكررته. لكن علينا ألا نكون قلقين حيال هذا الموضوع. اذ اقتصرت مجابهتها على جيرانها، وهذا ما سيكون عليه الحال، فإن اسرائيل لن تدمر».. وقول رابع واخير: ان الولايات المتحدة ستنتهي إلى القيام بضغوط على إسرائيل لانها ستتعب من التماس المساعدة وتقديمها باستمرار لها وأيضاً لانها ستدرك الخطر الذي يمثله موقف متفجر باستمرار في منطقة تكفي شرارة من اجل اضرام حريق كبير».