بيان الكتب: اشتهر «غونثر وزنبورن» مؤلف هذا الكتاب كروائي وكاتب مسرحي ألماني اذ كان قد شارك «برتولد بريخت» في نقل رواية «الام» الشهيرة لمؤلفها مكسيم غوركي الروسي إلى عمل مسرحي.. لكنه كان قد درس الطب، أولاً قبل ان يتوجه نحو الأدب. اعتقله النازيون عام 1942 وحكموا عليه بالسجن لعدة سنوات لكن السوفييت اطلقوا سراحه عند دخولهم إلى برلين. هذا كتاب عن المقاومة الألمانية ضد النظام الهتلري. كان قد تم نشره خلال عقد الخمسينيات ويعاد اليوم بهذه الطبعة الجديدة النظر في العديد من النقاط فيه مع كم كبير من التعليقات والشروح لمترجمه من اللغة الالمانية إلى اللغة الفرنسية «رايمون برونييه». يطرح المؤلف في هذا الكتاب ومنذ الصفحات الاولى بعض التساؤلات التي لا تزال حتى الآن تتردد على ذهن الكثيرين. اذ هل تستحق ألمانيا عقاباً جماعياً بسبب التجربة الهتلرية وطموحات المشروع النازي؟ وهل ينبغي اعتبار الامة الالمانية كلها مسئولة عما جرى؟ وقبل الاجابة عن أي تساؤل من هذا النوع يصف المؤلف، الذي يبدو في موقع المؤرخ والشاهد بنفس الوقت، حالة المانيا في السنوات التي تلت خروجها من الحرب العالمية الثانية مكسورة محطمة وذليلة.. وحيث لم يكن الالمانيون يتجرأون حتى الاعلان عن هويتهم الالمانية. لا شك بأن ألمانيا عرفت كيف تقف بسرعة على قدميها وتنطلق بقوة من جديد كي تصبح احد اقوى الأمم الأوروبية، اذا لم يكن اقواها كلها، ويصبح «المارك» الالماني هو الاقوى بالتأكيد بين مختلف العملات الأوروبية، لكن هذه مسألة أخرى. وكان المؤلف قد بدأ منذ نهاية الحرب بجمع المعلومات والوثائق والتنقيب في الاراشيف المختلفة المتوفرة واجراء المقابلات الخاصة بالمقاومة الألمانية للمشروع النازي.. تلك المقاومة التي لم تكن ذات طبيعة يهودية كما يمكن ان يتبادر للذهن، لاسيما وان عدداً من اليهود كانوا قد تعاونوا مع هتلر، كما دلت وثائق عديدة. كان المؤلف يريد ان يثبت بأن «القليل من الشعوب» بالمقارنة مع الشعب الألماني، قدمت نفس التضحيات من اجل الدفاع عن حريتها. وينقل المؤلف للقاريء العديد من الاحداث التي قد تبدو صغيرة بالقياس إلى ضخامة المشروع الهتلري، لكن هذا لا يمنع بأن لها دلالاتها العميقة، ومن هذه الأحداث ضبط الشرطة الالمانية عام 1942 لعجوز يبلغ الخامسة والسبعين من العمر وهو يحمل لافتة كتب عليها: «هتلر قاتل وسوف نقتلك كي تأتي نهاية الحرب». هذا الرجل حوكم واصدرت بحقه المحكمة «عقوبة الاعدام». وكان المانيون اخرون قد اخترعوا جهازاً «يسمح بكتابة الشعارات المعادية لهتلر بسرعة فائقة على الجدران». أو لطباعة المنشورات وتوزيعها. وسوق المؤلف ضمن هذا الاطار الخطة التي كان قد اعدّها عدد من جنرالات الجيش الألماني في شهر يونيو من عام 1944 حيث وضع الضابط «ستوفنبيرج» قنبلة في مقر القيادة العامة لهتلر. ويصف المؤلف هذا الضابط والخطة بالقول: «كان ضابطاً مثالياً ذا ثقافة واسعة لكنه فشل في مهمته ووضع القنبلة في مقر القيادة ـ مما ساقه إلى الهلاك ومعه عدد من الرجال اللامعين من امثال مولتكي وليبروريتشوين وبيك... الخ. «...». لقد اجتاحت هتلر موجة من السخط الدامي ادت، حسب المصادر التي استطعت جمعها إلى قتل عدة مئات، بل عدة آلاف، من الألمانيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لتلك العملية. تجدر الاشارة إلى ان مسألة مسئولية «الأمة الألمانية» في اندلاع الحرب العالمية الثانية بسبب طموحات المشروع الهتلري شكلت موضوعاً لعدد من الكتب التي صدرت خلال السنوات الأخيرة المنصرمة مثل كتاب الاستاذ الجامعي الأمريكي «دانييل جولدهاجن» صاحب «الجلادون المتطوعون في خدمة هتلر» الصادر عام 1997 والذي يدافع عن اطروحة «الادانة الجماعية لألمانيا» مما اثار آنذاك ردود فعل غاضبة وكأن الامر يتعلق بـ «فضيحة». لكن صدرت بنفس الوقت أعمال في الاتجاه الاخر مثل كتاب الباحث الألماني «ساول فريدلاندر» الذي أكد على أهمية الجهود التي بذلها المثقفون الالمانيون اثناء الحرب وبعدها من أجل المحافظة على «شرف الأمة». كتاب عن ألمانيا «الأخرى».. غير النازية.. والذي يؤكد مؤلفه بانه كان هناك الكثير من الرجال والنساء الذين قاوموا المشروع النازي مع ما رافقه من استبداد ورعب، بل يجدون انفسهم في موقع من يتمنى بشكل من الاشكال الهزيمة لجيش بلادهم. انه مثل هذا الوضع الذي يتسم بدرجة كبيرة من التمزق يصفه المؤلف، وهو الطبيب اصلاً، بأنه كان يعبر عن حالة من «فصام الشخصية». ويحاول في الوقت نفسه ان يبرهن، من موقع رجل المقاومة الذي عرفته مسيرة حياته، بأنه كان للمقاومة الالمانية ضد هتلر صدى كبير لدى اوساط مختلفة من الشعب الألماني بحيث ضمت مواطنين عاديين وجنوداً وعمالاً ومثقفين.. كانوا قد ادركوا بأن ألمانيا كلها سوف تدفع «ثمن» الطموح الهتلري الذي ساق بلادهم إلى الحرب.. والدمار.