بيان الكتب: نديم جورسيل، هو روائي تركي، وربما الاكثر شهرة بين الروائيين الاتراك المعاصرين بعد ياشر كمال. وهو من مواليد مدينة «جازيا نثيب» في جنوب شرق تركيا عام 1951. امضى دراساته الثانوية في مدرسة «جالا ثازاراي» الفرنسية في اسطنبول كي يهاجر بعدها إلى باريس حيث يقيم حتى الآن. يعمل «نديم جورسيل» في التدريس الجامعي بالاضافة إلى كتاباته الابداعية والنقدية. له العديد من المؤلفات بين الروايات ومجموعات القصص القصيرة والسرد الروائي من بينها «صيف اسطنبول الطويل» و«الترومواي الأخير» و«قصة الفاتح» و«الدرويش والمدينة».... الخ.. وأغلبية أعمال هذا الكاتب تمت ترجمتها إلى عدة لغات عالمية. ومثل مختلف الحالات الشبيهة المتمثلة في التواجد ببلد «الغربة» بعد ترك البلد «الام» تنضح في هذا العمل الجديد «سرابات الجنوب» مشاعر الحنين إلى تركيا «العميقة»، تركيا «الجنوب» الحقيقية.. والتي غدت مجرد «سرابات»، «سرابات» ولكن أيضاً وعدة للارتحال بحثاً عن الحقيقة. واكتشف «نديم جورسيل» بانه لا يزال ينتمي إلى تلك القبائل الآسيوية التي نزلت من تلالها واجتازت السهول والوديان كي تصل حتى ضفاف البحر الأبيض المتوسط لتحط رحالها و«تستقر» ولكن لتحتفظ دائماً في داخلها بتلك الرغبة المزدوجة التي تسكن قلب كل تركي في «الترحال» و«السفر» الذي تبعثه مشاعر الحنين إلى مكان آخر. ان «سرابات الجنوب» قصة تحمل في صميمها دعوة للترحال المستمر وكأنه يرمي إلى كتابة «إلياذة» جديدة. لكنها مكتوبة بنغمة مليئة بالحزن مثل «القلب الممزق» لتركيا بين الشرق والغرب ولنديم جورسيل بين حياته هناك «وحياته هنا ـ في الغرب». ان الجغرافيا عند مؤلف هذا العمل لا تتم «قراءتها» في الكتب المختصة والاطالس وانما هي جغرافيا تخضع بالاحرى لـ «الذكرى» و«السراب»، الذكرى التي تدل على مكان لم «يعد قائماً» و«السراب» على مكان «ليس موجوداً» بالاصل. الا يذكر مثل هذا المفهوم للجغرافيا بما قاله الشاعر التركي ناظم حكمت بان «اجمل الكلمات هي التي لم تقلها بعد» و«اجمل البحار هو ما لم نمخر عبابه قط» بالمدلول العام.. ثم ان ناظم حكمت نفسه هو الذي اعتبر بان المدن لا تكون كبيرة بشوارعها وانما بـ «تماثيل الشعراء الذين عاشوا فيها». لكن هذا التعريف لـ «الجغرافيا» لم تمنع «جورسيل» من دعوة قارئه إلى «رحلة شعرية» إلى المناطق التي كانت قد تركت في اعماقه مايشبه السحر. اما وجهة «الرحلة» فهي الجنوب. انه يبدأ من اعماق تركيا وتحديداً من منطقة «كونيا» ليلة خسوف القمر. المكان والزمان اذن محددان. انه يصف هذه المدينة التي تطورت بسرعة كبيرة كي تواكب سيرة العصر. شوارعها أصبحت كلها «اسفلتية» على عكس ما كانت عليه حتى فترة قريبة من الزمن. وللمدينة أيضاً منطقتها الصناعية وابنيتها الشاهقة. ومجمعاتها السكانية المخصصة لأصحاب الدخل المحدود. انها باختصار تمتلك كل ما يشكل مواصفات المدينة العصرية. لكن هذا كله ليس سوى «قشرة خارجية» فالمدينة لا تزال مشدودة إلى الماضي بقوة كبيرة. ان «قرقرات الطناجر» تحمل الكثير من روح هذا الماضي. لكن هذه «الروح» تبدو بوضوح اكثر عند القيام بزيارة لقبر جلال الدين الرومي، اكثر شعراء الشرق تصوفاً، اذ ها نحن في القرن الثامن عشر، أي القرن الذي شهد انحطاط قوة السلاجقة. وكان جلال الدين، الملقب بـ «مولانا» قد التقى في هذه المدينة بـ «شمس تبريز» الدرويش المعروف. ان الرواية تتيح دائماً هامشاً من «تعديل» التاريخ والجغرافيا أو احيائه ألم تكن الروائية الفرنسية مرجريت بورستار قد كتبت في روايتها «مذكرات ادريان» بعد وفاته بعدة قرون؟!. ان «نديم جورسيل» يثبت عبر كتاباته هذا العمل «سرابات الجنوب» قاعدة تقول بان اولئك الذين يبتعدون عن ارضهم تبقى دائماً مصدر الالهام الرئيسي لديهم. انه يعود إلى ذلك «المراهق» الذي كانه في حواري مدينته الصغيرة وهو الآن مدير ابحاث في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي. ان تركيا موجودة في كل الرحلات التي يصفها المؤلف إلى بلدان الجنوب الأوروبي القريبة من شواطيء البحر الأبيض المتوسط، أي ايطاليا وصربيا والبوسنة.. وحتى تونس التي يراها كلها بـ «عيون تركية» وبرؤية تصل جذورها إلى سهول آسيا الوسطى. ومن الصفحات الجميلة في هذا الكتاب، تلك التي يصف فيها المؤلف زيارته للقبائل التي لم تتخل ابداً عن حياة الترحال حتى الآن في منطقة جبال طوروس ليصل منها إلى القرية التي كان الروائي التركي «ياشر كمال» قد أمضى طفولته فيها، وحيث تكون هذه الزيارة مناسبة للحديث عن الشعب التركماني الذي قدمت المجموعات الأولى منه من منغوليا وترانسوكسيانا وانتقلت من حياة التنقل إلى الحياة الحضرية في القرن التاسع عشر. ان المؤلف يكرس عدة صفحات من كتابه للحديث عن هؤلاء الـ «يوروك»، كما تطلق التسمية عليهم في تركيا، الذين ارغمتهم السلطة العثمانية على الانتقال إلى حياة الاستقرار. كتاب يقترب من «أدب الرحلات».. ولكن بدافع «الحنين» وليس «الاكتشاف».. بالمعنى الذي دفع «ابن بطوطة»، سيد الرحالة للبحث عن اكتشاف عوالم جديدة.