يرى الباحث عفيف البهنسي ان الوظيفة الاساسية للفن «هي الدلالة الفكرية او الادبية، وبهذا المعنى يصبح الفن لغة تشكيلية لأفكار عامة، ولكن الفن العربي يبدو على النقيض متحرراً من هذه الوظيفة، مستقلاً بذاته». ولهذا فقد انطلق في كتابه الاخير «شمال .. جنوب، حوار في الفن الإسلامي» عبر مجموعة من التوضيحات والمواقف التي تدعم جهة الحوار وتمتن مواقعها، ويمكن تلمس ذلك في الفصول الخمسة التي احتواها الكتاب الذي طبع في اطار موضوعة الندوة الدولية الموازية لبينالي الشارقة الدولي الخامس للفنون «حوارات الفن.. حوار الجهات» وباعتبار الناقد الدكتور عفيف البهنسي الناقد المكرم من قبل البينالي على كامل جهده النقدي، البحثي والنظري الذي دعم أسس الحوار بين الشمال والجنوب. فصول الكتاب تعرف بهوية الفن الإسلامي التي «اعتمدت أسساً جمالية مختلفة عن جماليات الفن في الشمال» والتي يعتبرها الباحث ابداعات تشكيلية نراها موزعة على اشياء «استعمالية» أو زخرفية تجميلية «الخزف والنسيج والقراطيس والمخطوطات والسجاجيد والأدوات المعدنية أو الأعمال الفسيفسائية..» وهي في عمقها تتبع مفهوم التوحيد لتقوم على أسس روحية وفلسفة متميزة تكشف عن شخصية فنية متكاملة «لابد ان تأخذ مكانها عند فهم اسباب العزوف عن النسبية والفراغ والمنظور الخطي الهندسي، وعند الكشف عن الخصائص المعمارية والزخرفية والخطية التي تجعله فناً مختلفاً في شكله ومضمونه وجمالياته عن فنون الشمال». ـ شمال جنوب، قطبان يفترضان التعادل، لبناء حوار قديم جديد، حوار التلاقح والاستفادة، التأثر والتأثير، السيطرة والضعف، السلب والايجاب، كيف تنظر إلى استمرارية هذا الحوار؟ ـ نحن نؤمن بأن هذا العصر هو عصر الحوار، وليس عصر الصدام كما يتصوره بعض المفكرين الغربيين، انه عصر الحوار بين «شرق وغرب» وعلى الاقل في منطقتنا العربية، بين «شمال وجنوب» بالنسبة لمنطقة البحر المتوسط، هذا الحوار ليس حديثاً، انه حوار قديم، وعندما كان هذا الجنوب يقدم للشمال كثيراً من المعطيات الحضارية لم يكن الشمال الا بحالة انتعاش.. مع ذلك، فمنذ عصر النهضة تغيرت الأمور لأن العصر الصناعي ادى إلى سيطرة اقتصادية على الجنوب وبالتالي أدى إلى سيطرة ثقافية.. ـ انفتاح أوروبا على العالم، سياسياً واقتصادياً حقق حملات استشراقية للبحث عن أسرار الحضارات، هل يمكن اعتبار ذلك جزءاً من الحوار؟ ـ في عصر انفتاح أوروبا على العالم سياسياً واقتصادياً كان الجنوب العربي أقرب المناطق جاذبية، وخصوصاً للباحث الأوروبي الذي مضى يبحث عن أسرار الحضارة من خلال الآثار والتراث ومن خلال البيئة الاجتماعية التي كانت غامضة وغريبة، وأخذ هذا التوسع الثقافي شكل الاستشراق الفني كشكل من اشكال النهضة والتنوير الثقافي في أوروبا، وان رافق غالباً التوسع السياسي والعسكري.. وسيطرة الشمال على الجنوب لم تمنع من الاستشراق كما لم يمنع ذلك التمغرب، فالاستشراق هو اتجاه لدراسة اسرار هذا الشرق العقائدية والحضارية، وكل ما يتضمن من وجهات النظر التي لا تخلو احياناً من الانحراف أو النظرة ـ وحيدة الجانب والاتجاه ـ ونحن نستطيع ان نأخذ من الاستشراق بعض الأمور الايجابية ونترك السمات السلبية لكي نرى بأن هناك من اهتم لاحقاً اهتماماً قوياً فيما يتعلق بهذا التراث، لقد كنا نمارسه دون ان نتعمق في أهميته أو في مستقبليته. ـ كيف استطاع الشمال ان يبني نظرياته المعرفية والجمالية عبر هذا الاستشراق؟ ـ في نطاق الاستشراق الفني بشكل خاص، كان هاجسي ان احدد إلى أي مدى استطاع الغرب أو الشمال «بمعنى أوروبا كلها» ان يستفيد من المعطيات الجمالية التي انتشرت عبر فترة طويلة في منطقة الجنوب. ابتدأت فعلاً من الحضارات الأولى التي قامت في الشمال، وقد استفادت من الأسس والمنطلقات الحضارية الكثيرة، لنأخذ مثلاً الاكتشافات التي أبانت ان هذه المنطقة التي نعيش عليها ضمن نطاق ما سميناه بالجنوب، لقد قدمت أول أبجدية «في عام 1933 عثر في مدينة أوغاريت برأس شمرة قرب اللاذقية على رقيم صغير الحجم يحوي عدداً من الصيغ المسمارية ماهي إلا حروف أبجدية لم يعرف لها نظير، بل لقد تأكد للباحثين ان هذه الابجدية هي الأولى في العالم وانها ترجع إلى منتصف الالف الثاني قبل الميلاد». وكانت هذه المنطقة قد قدمت أول نوتة موسيقية.. «وجدت في رأس شمرة «اوغاريت» وتحوي أول أغنية في العالم، اذ ترجع إلى عام 1400 ق. م، أي قبل ألف عام من اقدم قطعة موسيقية عرفها الغرب أي قطعة اوريستيس المسرحية الموسيقية التي ألفها يوربيدس أعظم شعراء المأساة الاغريقية، ولقد ابانت ألواح رأس شمرة الموسيقية انها أساس علم الموسيقى الغربي الذي اقامه فيثاغورث عام 500 ق. م. وكانت هذه المنطقة قد قدمت أول مسكن منذ العصور الحجرية، في الوقت الذي كان يعيش فيه الانسان في المغاور أو البيوت البحرية، لقد قدم الجنوب حتى اسم اوروبا، من خلال الأميرة بنت الملك «آجينور» التي انتقلت حسب الاسطورة على ظهر زيوس وقد انقلب إلى ثور، فأصبح هذا الثور هو رمز أوروبا، وأضحت الأميرة رمز انتقال منطقة الجنوب إلى الشمال.. وفي المكتبة المركزية في باريس ميدالية من العهد الروماني تمثل ادونيس الذي كان يبحث عن اخته الضائعة في الشمال، وهو في هذه الصورة يعلم الابجدية الأولى التي كانت قد انتشرت في جبيل كما انتشرت ايضاً في اوغاريت.. وعلى الساحل الذي نعيش على ارضه كانت بداية الابجدية الأولى، الحضارة الاغريقية المتقدمة، والتي تطورت فيما بعد لتكون الابجدية في الحضارة الاغريقية اللاتينية الرومانية، وبنفس الوقت.. هذه الابجدية تحولت حتى وصلت إلى الابجدية النبطية، ومنها الابجدية العربية التي نمارسها اليوم. ـ هذا الموضوع أساس لدراسة تطور الكتابة، هل يمكن القول ان هذا الحوار الثقافي كان سبباً في اظهار الشرق بمظهر المتقدم حضارياً؟ ـ نعم، فليس من كتاب يتعلق بالحضارات الانسانية أو بفنونها إلا وصفحاته الأولى مرتبطة بهذه المنطقة، سواء الحضارة المصرية أو الحضارة الرافدية أو الحضارة السورية القديمة، فكل الصفحات الأولى من تاريخ الحضارة العالمية والانسانية هي في هذه المنطقة، انه اعتراف بأن هناك اسبقية في تكوين حضارة الانسان في هذه المنطقة.. نحن لم نستفد من هذه الاسبقية، ولم نقم بتكوين ثقة بالذات على الاقل، ولكننا نحاول الآن ان نوضح مع علماء الاثار ان هذه المنطقة كانت معطاءة وننتظر ان تكون العلاقة بيننا وبين الشمال والجنوب قائمة على هذا التفاهم في الاخذ والعطاء. ـ هل استطاع كتابك الاخير تبيان ذلك بوضوح؟ ـ في كتابي الاخير «شمال جنوب، حوار في الفن الإسلامي» بينت فعلاً ان المستشرقين قاموا بجهد جيد فيما يتعلق بالكشف عن أهمية الفن العربي، سواء من حيث كونه اثراً قديماً أو من حيث كونه جمالية مستقلة عن الجمالية في الغرب، وهناك امثال «بابا دوبولو» من المستشرقين ممن قدموا مفهوماً يتعلق بالمنظور، وفي حوار مستمر بين «بابا دوبولو» وبيننا أوضحنا ان هذا المنظور اللولبي الذي كان عماد نظريته لايقوم على أسس الفكر الإسلامي.. نحن لا نستنكر هذه النظرية، ولكنها نظرية فينوفيولوجية «ظواهرية» ولم تكن نظرية عميقة قائمة على الفكر الإسلامي. نحن نعتقد اننا نستطيع ان نستخلص من الفكر الإسلامي الكثير الكثير من العلاقات التي تبين لنا ماذا يعني الفكر الجمالي، لقد وجدنا في خضم بحثنا عن الفكر الجمالي بأننا لا نستطيع تأويل الفكر العربي لكي يكون فعلاً لغة هذا الحوار المتبادل بيننا وبين الشمال.. اذن كانت الجمالية العربية تقوم على الفكر العربي، وكانت الجمالية العربية دليلاً لمقدرة الفكر العربي ان يكون معاصراً بنفس الوقت.. ـ انت تعتبر كتابك «شمال.. جنوب» مقدمة متأخرة لكثير من الانجازات التي قمت بتقديمها عن جماليات الفن الإسلامي وجماليات العمارة وجماليات الخط والزخرفة، ماهي التقسيمات الأساسية لهذا المؤلف؟ ـ الكتاب احتوى على خمسة فصول ومدخل، تعرضت في الفصل الأول للشرق وحضارة الغرب وبه تكلمت عن اصل الابجدية والموسيقى الغربية واسم أوروبا والأسرة السورية ـ الليبية التي حكمت روما ثم المعماريون الشرقيون في أوروبا القديمة والعرب والمسيحية وأخيراً شواهد اثرية قديمة في أوروبا، وهذا الفصل فاتحة تاريخية للحوار الذي اردت ان أبدأه في الفصل الثاني تحت عنوان: «اشعاع الابداع الإسلامي وبه كتبت عن تكون الفن الإسلامي واشكال الفن الإسلامي والإسلام والفن ثم الفنون التشبيهية والتصوير المجرد «الرقش»، والخط وأشهر الخطاطين ثم بين الفن الإسلامي والفن الأوروبي وختمته بالفن بعد الحداثة. الفصل الثالث «الفن بين مفهومين» تضمن مفهوم الفن الإسلامي ومعاييره واشكاليات الفن الإسلامي وبين الفن والفكر الإسلامي، معنى المدينة الإسلامية، مفهوم العمارة الإسلامية، الابداع في الصنائع.. ثم انطلقت في الفصل الرابع لأثير قضايا مختلفة تحت عنوان «الفن بين التمغرب والاصالة» وضم المحلية والعالمية، الموقف من الاصالة، الماضي والتراث الثقافي، الاغتراب والاصالة، الاصالة والابداع، تعريف الاصالة ومنهاج التأصيل، اتجاهات التأصيل في الفن الحديث، مسألة الالتزام، المؤتمرات وتخطيط التأصيل. الفصل الخامس والأخير جاء تحت مسمى «المنظور في الفن الشرقي والغربي» واحتوى على الخصائص الروحية للفن الإسلامي، أنواع المنظور، المنظور الروحي في الفن الإسلامي، المنظور اللولبي، المنظور الروحي للفن الحديث، وقد اشرت في الأخير إلى ما تم من انقطاع بين الفن الحديث وتقاليد الفن الغربي وجماليته وهذا ما اطلق عليه «رينيه هويج» تغيير القيم فقد أصبح الفن وسيلة للتعبير عن القلق والتعب عوضاً عن ان يكون وسيلة لاثارة الفرح مما دفع ببعض الفنانين ان يتجهوا إلى الشرق حيث يقدم مشهداً جديداً مختلفاً عن مشهد الغرب وحياته المحمومة ويقدم لوحة الهدوء والاستقرار كما كان يقول جوستاف لوبون.. الفنان العربي يحاول ان يخطط لمنظور روحي يقوم على مفهوم الوجود الازلي، وتأمل التصوير الإسلامي مهما كان نوعه، ومن أي عصر كان، يبين لنا ان هذا الفن لم يعتمد في تأليفه على أي عنصر من عناصر المنظور الخطي، فلا وجود لخط افق معين، ولا تحديد لزاوية رؤية، كما لا محل لنقطة هروب، بل ان كل عنصر من عناصر صورة ما يقع على خط أفق خاص، واذا جاز لنا ان نتحدث عن اشعة اسقاط فإننا في الفن الإسلامي على العكس نرى نقاط اشعاع تنتشر في انحاء اللوحة كلها، فكأنما الاشياء ذاتها هي مصدر الرؤية. طلال معلا د. عفيف بهنسي