بيان الكتب: يعتبر الحوار في جانب من جوانبه احياء للمادة الحضارية التي يتم عبرها سحب الغطاء عن كثير من نقاط الالتقاء والاختلاف في البنى والمجتمعات الثقافية، وبما يجعل التكامل هدفاً لدحض التناقض والتناحر، للتحول الى نوع من الاستقرار الوظيفي للقيم الحضارية الانسانية، ويمثل كتاب عفيف بهنسي «شمال.. جنوب، حوار في الفن الاسلامي» دراسة نقدية مقارنة تنزع باتجاه تنظيم اسس هذا الحوار بين الشمال والجنوب بإلقاء الضوء على الجوانب التاريخية والأثرية والجمالية، ليس باعتبارها أصولاً مقدسة أو ثابتة في انتمائها للماضي، وانما باعتبارها تمثل دعوة لقراءة ظروف الذات المنتجة لها معرفياً ووجوداً. واذا كان الحوار لغة العصر كما يشير الباحث، بل انه يمثل قلب الموضوعات والمسائل المطروحة في إطار التمهيد للمتغيرات الفلسفية فان لغة الكاتب تنزع منذ البداية لتوضيح التأويلات التي يمكن ان يطالها مصطلح الحوار، او صورة المتحاورين، او هويتهم كما هي وليس كما تنعكس في مرايا الاخرين، اذ لابد من تحديد الملامح الاساسية للجماليات التي يدور حولها الحوار والمباديء التي تأسس عليها باعتبارها ذاكرة داخلية لمقاييس الجمال وبؤرة الالتقاء التي سيكون على الحوار الوصول اليها. كتاب د. عفيف البهنسي الذي أصدرته دائرة الثقافة والاعلام في إطار الندوة الدولية الموازية لبينالي الشارقة الدولي للفنون «حوارات الفن، حوار الجهات» صدر على شكل كراس اشتمل على 126 صفحة من القطع المتوسط وقد قدم له الباحث بمدخل تضمن رؤيته الشاملة والمختصرة لقضية الحوار التي يحاول منذ البداية توضيح قطبيها «شمال، جنوب» او ما يحدده تماماً بحوار الفن الاسلامي والفن الاوروبي «عند دراسة الفن الاسلامي لابد من الرجوع الى الدراسات التاريخية والاثرية والجمالية التي انجزها المستشرقون في شمال البحر المتوسط، والتي اوضحت بجلاء أهمية الفنون الاسلامية وخصائصها المتميزة عن الفنون الاخرى وخصوصاً الفن الاوروبي الذي ظهر منذ عصر النهضة الايطالية وتطور حتى الفن الحديث مبنياً على علم الجمال الافلاطوني الذي يقوم على الواقعية والمحاكاة والمثالية الاولمبية القائمة على جمال الجسم الانساني وكماله». بهذا المقتطف تتضح اطراف الحوار، وتتضح جوانب العلاقة السلبية او الايجابية لكلا الطرفين المتحاورين وكل ما شابها من جوانب غامضة عبر التاريخ الى ان وضحها الاستشراق «والحق لم تكن ابواب الشرق مغلقة امام الباحثين عن ثقافته وفنونه «الشرق» بل كانت شرعة وان اضفى عليها الاحتلال والاستعمار، منذ الحملة الفرنسية بقيادة نابليون على مصر طابع الالزامية ودعمها ووجهها ولقد لخص ادوارد سعيد ملامح الاستشراق الفني بنقل «الحواسية والوعد والرعب والنبل والسمو والمتعة الرعوية الحيوية الحادة والمتواترة». ولان الفريقين لا يلتقيان غالباً في تفسير العديد من المصطلحات والمفاهيم او التعبير عن اسرار الحضارات التي يمثلونها، فإن الباحث قسم دراسته الى خمسة فصول اساسية حاول عبرها ان يلم بأطراف هذا الحوار بشكل منهجي دقيق متقصياً العامل الزمني والتاريخي في تطوير ادوات بحثه من جهة وبولوج العديد من المفاهيم التي أسس لها الفن الحديث في القرن العشرين ومحاولة التطبيق عليها. كالاصالة والمحلية والعالمية والاغتراب والالتزام وغيرها. الفصل الاول، الجنوب وحضارة الشمال وقد تعرض الباحث فيه للشرق باعتباره مولد الرموز الحضارية الاولى وعلاقة ذلك بما بنى عليه الغرب حضارته اللاحقة، وتطرق للابجدية والموسيقى الغربية واصولهما، ثم اسم اوروبا وحكاية هذا الاسم ثم الاسرة السورية ـ الليبية التي حكمت روما فالمعماريون الشرقيون في اوروبا القديمة، والعرب والمسيحية واخيراً شواهد اثرية قديمة في اوروبا، وبهذه المقدمة التاريخية يفتتح الحوار الذي تبدو دلائل توجهه ونزوعه لتثبيت الانجازات الاولى بالاعتماد على البحث التاريخي مؤكداً ليس على الجوانب المعرفية والفكرية وحسب بل والمعمارية لتتكامل جوانب العملية الجمالية معتبراً ان فن ابوللو دورن عبقرية ادهشت اباطرة الرومان والذي اخذ عنه مايكل انجلو بناء قصر فارنيزه في فلورنسا، ومؤكداً ان انتقال الايتروسك من السواحل السورية وكيليكيا الى شمالي ايطاليا منذ القرن الثامن قبل الميلاد بات امراً مؤكداً ولهذا فان الفن الرومي المسيحي الذي استقر في منطقة تقع بين فرنسا واسبانيا وايطاليا هو فن سوري الاصل وكان بحق مقدمة لظهور الفن القوطي. الفصل الثاني، اشعاع الابداع الاسلامي، ويبدأه بتكون الفن الاسلامي وظهوره على ارض شاسعة كانت خاضعة للتقاليد البيزنطية او الساسانية وكيف استطاع هذا الفن ان يؤسس روحه وقيمه الجمالية حتى أضحى فلسفة قائمة بذاتها، ثم تطرق الباحث لأشكال الفن الاسلامي والاسلام والفن، ثم الفنون التشبيهية والتصوير المجرد «الرقش»، والخط واشهر الخطاطين، ثم بين الفن الاسلامي والفن الاوروبي، مختتماً ذلك بالفن بعد الحداثة، وقد استطاع الباحث بإيقاعه السريع ان يلم بمفردات مختلفة ومتنوعة وعناوين المح اليها للتصريح بالفروق المدهشة بين اطراف الحوار منوها ان اقامة معارض مشتركة لفنانين من العالم الاسلامي بشكل دوري، هو من اهم الوسائل لتحقيق اللقاء الابداعي والتعارف وتوحيد الاتجاه وهي امور تنقص الفنان الحديث «كونه لا يشعر بالانتماء الى الفن الاسلامي الا اذا وجد ذاته في مجتمع هذا الفن. الباحث عفيف البهنسي الذي أصدر ما يقارب الخمسين مؤلفاً في ذات الاتجاه الذي يمثله كتابه الاخير «الفنون الاسلامية والمباديء والأشكال والمضامين المشتركة، فلسفة الفن عند ابي حيان التوحيدي، معجم مصطلحات الخط والخطاطين، جمالية الفن العربي، الفن الحديث في البلاد العربية، رسائل ابي حيان التوحيدي وغير ذلك الكثير»، هذا الباحث يصل في الفصل الثالث الى معايرة المفاهيم «الفن بين مفهومين» فيتطرق الى مفهوم الفن الاسلامي ومعاييره واشكاليات الفن الاسلامي ثم بين الفن والفكر الاسلامي ومعنى المدينة الاسلامية، ومفهوم العمارة الاسلامية فالابداع في الصنائع مؤكداً ان الفن الاسلامي قام على اساس مثالي «فالفنان يسعى الى المعاني الكامنة وراء الاشياء وخاصة منها المعنى الالهي، ولذلك فان هدف الفنان من الفن ليس التعويض عن حاجة مادية وانما الكشف عن اعماق الحياة، وممارسة الكشف هي الابداع والخلق، وممارسة الكشف هي التقوى والتقرب من الله». ويثير البهنسي في الفصل الرابع قضايا مختلفة تحت عنوان «الفن بين التمغرب والأصالة» وبه يتحدث عن المحلية والعالمية، الموقف من الأصالة، الماضي والتراث الثقافي، الاغتراب والأصالة، الاصالة والابداع، تعريف الاصالة ومنهاج التأصيل، اتجاهات التأصيل في الفن الحديث، مسألة الالتزام، المؤتمرات وتخطيط التأصيل، وبحق فان الباحث مع قول برتولد بريخت «اننا لا نستطيع العودة الى اشياء في الماضي، بل يجب ان نتقدم نحو تجديدات حقيقية، لقد كان للبرابرة فنهم، وعلينا ان نخلف فناً اخر» ولهذا فقد اطنب في الحديث عن الأصالة وقرنها بالابداع باحثاً عن مفهوم للفن العربي يتطلب بناؤه وضوحاً في الرؤية وموقفاً علمياً دقيقاً لتأكيد آلية الاشتغال به. الفصل الخامس والأخير جاء تحت مسمى «المنظور في الفن الشرقي والغربي» واحتوى على الخصائص الروحية للفن الاسلامي، انواع المنظور، المنظور الروحي في الفن الاسلامي، المنظور اللولبي، المنظور الروحي للفن الحديث، وقد اشار في الاخير الى ما تم من انقطاع بين الفن الحديث وتقاليد الفن الغربي وجماليته وهذا ما أطلق عليه «رينيه هويج» تغيير القيم فقد أصبح الفن وسيلة للتعبير عن القلق والتعب عوضاً عن ان يكون وسيلة لإثارة الفرح مما دفع بعض الفنانين ان يتجهوا الى الشرق حيث يقدم مشهداً جديداً مختلفاً عن مشهد الغرب وحياته المحمومة ويقدم لوحة الهدوء والاستقرار كما كان يقول جوستاف لوبون.. الفنان العربي يحاول ان يخطط لمنظور روحي يقوم على مفهوم الوجود الأزلي، وتأمل التصوير الاسلامي مهما كان نوعه، ومن اي عصر كان، يبين لنا ان هذا الفن لم يعتمد في تأليفه على أي عنصر من عناصر المنظور الخطي، فلا وجود لخط افق معين، ولا تحديد لزاوية رؤية، كما لا محل لنقطة هروب، بل ان كل عنصر من عناصر صورة ما يقع على خط افق خاص، واذا جاز لنا ان نتحدث عن أشعة اسقاط فإننا في الفن الاسلامي على العكس نرى نقاط اشعاع تنتشر في أنحاء اللوحة كلها، فكأنما الأشياء ذاتها هي مصدر الرؤية.