بيان الكتب: تتزايد الأهمية النسبية للأسلحة البيولوجية، في وقت يتجه فيه العالم إلى ضبط أسلحة الدمار الشامل، والسيطرة عليها، لتخليص العالم من شرورها، ويرجع ذلك إلى سهولة الحصول على التكنولوجيا اللازمة لصنعها، وتخزينها، واستخدامها، إضافة إلى أن الدول الصغيرة والفقيرة تستطيع أن تحوزها وتخفيها دون اللجوء إلى الاجراءات المعقدة، وتحمل التكلفة الباهظة. ومن جهة أخرى، فإن العلوم البيولوجية أصبحت تشهد طفرة كبيرة في الحقبة المعاصرة، بسبب تقدم الأبحاث التي تجرى في هذه المجالات. وتأتي أهمية هذا الكتاب (الأسلحة البيولوجية والكيماوية بين الحرب والمخابرات والارهاب) من تناوله لهذه القضايا، في عصر يتحدث فيه الكثير عن السلام. وعن ذلك يقول الباحث الدكتور عبدالهادي مصباح (إن السلام لا يكون إلا بين الأقوياء، فلو شعرت دولة بأن لديها القوة المطلقة دون الآخرين، فإنها تبغي وتفرض عليهم سلام الخضوع والخنوع، وإلا فالحرب التي لا يملكون مفاتيحها ووسائل كسبها، وليس خافيا على أحد له دراية بهذا المجال أن مدير المخابرات الأمريكية قد أعلن أن هناك 17 دولة تملك إمكانيات تصنيع مثل هذه الأسلحة البيولوجية. كما أن هذا النوع من الأسلحة يمكن استخدامها بواسطة الجماعات الإرهابية سواء الممولة من دول معنية، أو التي تعتمد على نفسها ذاتيا في التمويل، حيث إن تصنيعها لا يحتاج إلى إمكانيات باهظة سواء من الناحية المادية أو التقنية، إن صنع ترسانة من الأسلحة البيولوجية لا يحتاج إلى أكثر من عشرة آلاف دولار للأجهزة المستخدمة، وحجرة لا تزيد مساحتها عن 25 م2، ولن يستغرق هذا وقتا طويلا، فالخلية البكتيرية التي تنقسم كل 20 دقيقة يمكنها أن تعطى بليون نسخة في خلال 10 ساعات والزجاجة الصغيرة من هذه البكتيريا تعطي عددا لا نهائيا في خلال أسبوع واحد يمكن أن يقضي على نصف سكان واشنطن العاصمة الأمريكية. والأسلحة البيولوجية تعد أقوى أسلحة الدمار الشامل فتكا وتدميرا. وقد ذكر كتاب منظمة معاهدة شمال الأطلسي أن هناك 39 نوعا يمكن استخدامه كسلاح بيولوجي، وتشمل البكتيريا، الفيروسات، الريكتسيا، السموم، وبعض هذه الأسلحة مثل بكتيريا الأنثراكس العصوية التي تسبب مرضى (الجمرة الخبيثة) يكفى استنشاق واحد على مليون من الجرام منها لقتل إنسان ضخم الجثة، كما تدخل علم الهندسة الوراثية والبيولوجية الجزيئية والمناعة في هندسة بعض الكائنات وراثيا بحيث لا يؤثر فيها التطعيم الاالذي تم تحضيره، بناء على التركيب الجيني للكائنات العادية، وليست المهندسة وراثيا، وكذلك الحال بالنسبة للمضادات الحيوية بحيث لا تؤثر في هذا الميكروب الجديد. ولعل ظهور أكثر من خمسة عشر فيروسا جديدا في خلال الخمسة والعشرين عاما الأخيرة، بعضها عاد بعد إختفائه، وبعضها جديد تماما، يعطي الفرصة لاستخدام مثل هذه الفيروسات الجديدة كأسلحة في مجال الحرب البيولوجية، مثل ، فيروسات الأيبولا، هانتا، حمى اللاسا، ماويورج، وغيرها. وفي إحدى الدراسات التي نشرت في 2 أبريل عام 1997 عن الأعباء الاقتصادية في حالة حدوث هجمة إرهابية، استخدم الباحثون ثلاثة أنواع من أشهر البكتيريا المستخدمة في هذا الغرض، وهي بكتيريا الانثراكس المسببة لمرضى (الجمرة الخبيثة)، والتوليريميا (حمى الأرانب) وكذلك الحمى القلاعية (بروسيلا) وفي حالة ما إذا تم استخدامها على شكل إيروسول على إحدى الضواحي لإحدى المدن أو العواصم الكبرى، وكانت النتيجة أن سيناريو استخدام بكتيريا البروسيلا المسبب للحمى القلاعية سوف تكون تكلفته أو الاعباء الناتجة عن استخدامه حوالي 477.7 مليون دولار لكل 100 ألف مواطن، بينما ترفع بكتيريا الأنتراكس هذه التكلفة إلى 26.2 بليون دولار. ولعل هذه التكلفة الباهظة لا تتناسب أبدا مع التكلفة الزهيدة التي يتكلفها تصنع السلاح البيولوجي بالمقارنة بالأسلحة الأخري، فإذا كانت تكلفة السلاح التقليدي 2000 دولار، والسلاح النووي 800 دولار، والسلاح الكيميائي 600 دولار، فإن تكلفة السلاح البيولوجي هي دولار واحد لكل سم 2 تاريخ استخدام الأسلحة البيولوجية هناك ست مراحل عبر التاريخ تم فيها استخدام الأسلحة البيولوجية أولا: تلويث مصادر المياه ، كما حدث من اليونانيين عندما استخدموا مخلفات بعض الحيوانات في تلويث مصادر مياه الشرب التي يشرب منها أعداؤهم. وتلا ذلك استخدام الفرس والروم للأسلوب نفس في حربهم مع الأعداء بعض الاحيان. وفي عام 1155 كانت هناك معركة في مدينة (تورتونا) بإيطاليا واستخدم (بارباردسا)جثث الضحايا من الجنود والحيوانات في تلويث أبار المياه التي كان يشرب منها أعداؤه. وفي القرن الرابع أثناء حصار التتارلمدينة (كافا) بأوكرانيا، انتشر وباء الطاعون بين قواتهم، وانتهز التتار الفرصة، وأخذو يرمون الجثث التي ماتت بالطاعون خلف أسوار وقلاع المدينة التي انتشر فيها الوباء حتى استسلمت لقوات الغزاة. وفي ربيع عام 1763 كان سير (جيفري أمهيرست) القائد العام للقوات البريطانية في أمريكا الشمالية، والتي كانت في حالة حرب مع الهنود الحمر السكان الأصليين للقارة، وثار الهنود ثورة عارمة ضد قوات الاحتلال البريطاني، حتى أنهم أخذوا يذبحون الجنود، والنساء والأطفال البريطانيين ولما لم يكن هناك وسيلة لطلب العون من بريطانيا العظمى في ذلك الوقت نظرا لبعد المسافة وصعوبة المواصلات، فقد بعث الكولونيل (هنري بوكية) في 23 يونيو 1763 إلى السير (أمهيرست) يخبره بكل الصعوبات والمعوقات والأخطار، وأخبرة أيضا أن مرض الجدري المعدي قد انتشر بين جنوده مما اضطره إلى بناء مستشفي لعزل المرضى منهم. وفي رده على (بوكية) نصحه (أمهيرست) بأن يرسل مخلفات هؤلاء المرضى بالجدرى إلى معسكر الأعداء من الهنود الحمر ورد عليه بوكية بعد ذلك حين أخبره في خطاب مؤرخ بتاريخ 13 يوليو عام 1763 بأنه قد نجح بالفعل في تلويث بطانيات ومناديل اليد بميكروب الجدرى من مخلفات الجنود المرضى بهذا المرض وإسقاطها في معسكرات الهنود الحمر. وفي عام 1915 واثناء الحرب العالمية (الأولى) اتهمت إيطاليا ألمانيا باستخدام ميكروب الكوليرا في حربها ضدها، واتهم الألمان أيضا بإستخدام ميكروب الطاعون في حربهم ضد الروس وثبت بالفعل استخدام الألمان لبكتريا الأنتثراكس العضوية في (بوخارست)برومانيا من أجل نشر العدوى. بين خيول وماشية الاعداء وفي عام 1925 ـ 1945 كانت اليابان في طليعة الدول التي كانت تجرى أبحاثا على إنتاج الأسلحة البيولوجية وأثناء الحرب الثانية تحت إشراف (شيرو إشياي) في الفترة من 1932ـ 1942 و(كيثانوميساجي) في الفترة من 1942 ـ 1945 أثناء احتلال اليابان لمنشوريا في الفترة من عام 1932 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945 وفي مدينة (ينج فان)، وحولها كان هناك ما يقرب من 317 مركزا للدراسات والأبحاث في مجال الأسلحة البيولوجية، وكانت تشغل حوالي 150 مبنى، ويعمل بها أكثر من 3 آلاف عالم وفني في هذا المجال، وكان اليابانيون يستخدمون السجناء لتجريب مثل هذه الأسلحة عليهم، والتي تشمل تجريب ميكروبات: الانثراكس، النيسيريا المسببة للحمى الشوكية، الشيجيلا المسببة للنزلات المعوية، الكوليرا، بكتيريا الطاعون، وكان ضحية هذه التجارب أكثر من عشرة آلاف من هؤلاء السجناء، ماتوا في الفترة ما بين عامي 1932ـ1945، إما نتيجة إصابتهم بعدوى أدت إلى وفاتهم، أو اضطرارهم لأعدامهم بعد إجراء التجارب عليهم، وأمام محكمة مجرمي الحرب، اعترف العلماء اليابانيون الذين تم اسرهم بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية بأنهم استخدموا الأسلحة البيولوجية في 12 محاولة أثناء الحرب، وذلك أثناء هجومهم على 11 مدينة صينية، وكانت الأنهار والآبار ومصادر المياه والطعام هى الهدف لهذه الهجمات. أما هتلر فقد كان يرفض استخدام مثل هذه الأنواع من الأسلحة، وكان المعتقلون في معسكرات النازي يتم حقنهم بمكروبات الريكيتسيا وفيروس الإلتهاب الكبدي (أ) وكذلك (البلازموديا) مؤديا التي تسبب الملاريا، وكان الهدف من وراء هذه التجارب هو الوصول إلى علاج جذري أو تطعيم للوقاية من العدوى. وفي عام 1941 بدأت الولايات المتحدة بالإشتراك مع كندا وبريطانيا وبعض الدول الأخري برنامجا قوميا لأبحاث التسليح البيولوجي الهجومي في الولايات المتحدة في مدينة (كامب وينزيك) بولاية ميرلاند، والتي تغير أسمها بعد ذلك إلى (فورت ديترك) عام 1956. وكان هذا البرنامج يشمل استخدام الأنواع المختلفة من البكتريا مثل الأنثراكس والبروسيلا، الا أن تجربة إنتاج مثل هذه الأنواع من الميكروبات كانت محفوفة بالمخاطر، حيث جرت أكثر من حادث تلوث بيئي ولبعض النباتات بأنواع من البكتريا، وربما كان هذا من أحد الأسباب التي جعلت الأمريكان والحلفاء لا يستخدمون الأسلحة البيولوجية في الحرب العالمية الثانية على الرغم من وجود أكثر من خمسة آلاف قنبلة مملوءة ببكتريا الأنثراكس وكان العلماء الذين يشرفون على إنتاج وابحاث هذه الأنواع من الأسلحة، هم أنفسهم العلماء اليابانيون الذين تم أسرهم واعتقالهم، والذين كانوا يشرفون على برنامج الوحدة 731 وبعد اعتقالهم صدر قرار بالعفو عنهم وعدم محاكمتهم كمجرمي حرب نتيجة ما فعلوه من نقل للأسرار إلى الأمريكان وكان من بينهم العالمان (ميساجي) وكذلك (إيشياي). واستمر تجريب وتطوير مثل هذه الأنواع من البكتيريا حتى 1968، وقد ثار الرأي العام الأمريكي على الجيش، حين كتبت جريدة (واشنطن بوست) عام 1976 تتهم هذه التجارب بأنها كانت السبب في بعض حالات العدوى التي حدث في هذه الآونة، ومنها: حالة الإلتهاب في عضلة القلب الداخلية وحالات الإلتهاب الرئوي. وفي عام 1972، أعلنت الولايات المتحدة أنها تخلصت من كل ما لديها من الأسلحة البيولوجية، ثم توقيع معاهدة لحظر استخدام أو إنتاج أو تخزين الكائنات الحية والسموم وكذلك وسائل إطلاق مثل هذه الأسلحة، والتخلص من الأسلحة الموجودة لدى الدول الموقعة على هذه الإتفاقية. أمين اسكندر