بيان الكتب: يثير التعاطف والتأييد الكبير الذي يبديه رئيس الكنيسة الكاثوليكية في العالم البابا يوحنا بولس الثاني مع اليهود اسئلة عميقة حول مدى ارتباط هذا الرجل باليهود، وبشكل اعم عن مدى التداخل وربما الهيمنة التي باتت تفرضها الدوائر اليهودية على الكنائس الكاثوليكية في العالم. ويبدو ان التصدي لهذا السؤال الشديد التعقيد دفع بالباحث ميشيل منيز الى البحث والتقصي التاريخي عن العلاقات بين الديانتين اليهودية والمسيحية عبر التاريخ متلمساً الدور العدائي الذي قام اليهود به ضد المسيحية منذ عهد السيد المسيح فعلى الرغم من ان المسيحية نشأت على خلفية الديانة اليهودية، الا ان اليهود اصروا على رفض العهد الجديد ونشره، كما لم يهتموا بنقاط التماس العديدة التي اخذها المسيح من التقاليد الدينية اليهودية وعلمها لاتباعه من قبيل الاحتفال بعيد ختان الطفل يسوع في يوم رأس السنة وتنزيه مريم العذراء «الشمعة الدقيقة».. ومع وجود امثلة اخرى كثيرة، يؤكد الباحث ان تأثير اليهودية على المسيحية هو تأثير طقسي فقط، في حين تأثرت اليهودية بالمسيحية في قضايا اساسية وكثيرة جداً منها على سبيل المثال، تقبل اليهود فكرة الزواج بزوجة واحدة. وفي تلك السنوات المبكرة جداً من عمر المسيحية بدأت ملامح الجفاء والانفصال نظراً لما يضمه اليهود من حقد وكره للمسيحيين، ويقدم التلمود، الشريعة الشفوية التي تناقلتها الالسن عن اليهود الى جانب التوراة والتعليقات عليها، نصوصاً فيها الكثير من الكراهية للمسيح والمسيحية، فعلى سبيل المثال كتب اسم السيد المسيح بايجاز يوشو، وكان حاخامات (التلمود الفلسطيني) يقرأونه كاملاً اي بذكر الكلمة التي تكمن وراء كل حرف فيصبح: «إناخ سايموفيريفرو» اي فليختف اسمه وذكره. ويتحدث الكاهن البروفسور ارخوتوفسكي عن نصوص معينة في التلمود، بغيضة بالنسبة للمسيحيين، ومنها مقاطع كثيرة ازالها اليهود انفسهم منذ ان بدأ المسيحيون يراقبون التلمود، فعلى سبيل المثال اوصى مؤتمر الحاخامات في بيوتركوف في بولونيا عام 1631 بازالة النصوص عن المسيح واستبدالها بدوائر.. «سيعرف الحاخامات، والمعلمون كيف يعلمون الشبيبة شفوياً». وتضم نصوص التلمود وملخصه المسمى بـ «الشولحان عاروخ» الصادر عام 1567، نصوصاً عدة حول حقد اليهود على الشعوب الاخرى فورد في الشولحان عاروخ 1/.104. «صب غضبك على الشعوب التي لا تعترف بك والذين لا ينادون اسمك الى المملكة»، و«كل طفل من عبدة او غير يهودية ليس افضل من الدابة في شيء» ويورد الجزء 2/587 «اذا اهتدى الى اليهودية زوجان غير يهوديين فيستطيعان، الافتراق دون رسالة طلاق لأن حياتهما السابقة كانت معاشرة بلا زواج»، وعلى هذا المنوال لا يجوز الجلوس الى مائدة واحدة مع غير اليهودي، كما لا يجوز اعطاء الاغيار طفلاً يهودياً لتلقي العلم من كتب غير يهودية، ولا لتعلم حرفة، لأنه ينفصل بذلك عن العقيدة اليهودية. وفي مقابل هذا الفيتو والاستعلاء العنصري على باقي شعوب الارض، اضطرت الشعوب الاخرى للتصدي لهم، ففي اوروبا المسيحية حيث التماس كبير مع الفيتو اليهودي.. منع السنودس الفرنسي في فان عام 465 الكهنة من استقبال اليهود على موائدهم، وكذلك المشاركة في وجباتهم، وكان هذا الحظر مألوفاً تماماً، ولكنه اتسع عام 506 ليشمل المدنيين. واستكمالاً لهذا التصدي حظر الملك كلوتار الثاني عام 614 على اليهود استلام مناصب اعلى من المسيحيين، وهدد السنودس في بافيا عام 880 باللعنة كل من يعهد ليهودي بمنصب على المسيحيين، واصدر البابا جريجوريوس السابع عام 1078 حظراً تشمل العالم الكاثوليكي كله، وفي عام 1081 دعا الفونس السادس القشتالي كي ينصاع الى ذلك.. وفي المانيا تقرر عام 1253 التمسك بالقوانين الكنسية بالنسبة لليهود، وفي عام 1267 دعا المبعوث البابوي الكاردينال جفيرو سنودس العمالة البولونية الى فروتسلاف وفيه منع اليهود بشدة من الاحتفاظ بعبد او خادم مسيحي واحد. الا ان هذه القرارات الحاسمة. لم تأت على خلفية العداء لليهود، على ما يبدو، بقدر ما جاءت انسجاماً مع الدولتية الدينية الكاثوليكية «ص30» وفي الواقع الم يكن بالامكان حل مشكلة اليهود في الدولة المسيحية الا بأن يعهد الى الملك بهذه القضية الحساسة اخذين بعين الاعتبار ان دولة القرون الوسطى الطبقية ظهرت فيها قوى بشرية خارج الطبقية، وخارج الدولتية، وخارج الكنيسة، ومن اجل استضافتهم كان ينبغي ابتكار شيء استثنائي لهم.. وهكذا تم الاعتراف بقوانينهم الخاصة، مع ترك البقية لمنظمتهم الدينية الخاصة. ويتوقف الباحث عند العلاقة العميقة بين اليهودية وما تسمى بالحركة الاصلاحية في الكنيسة مشيراً الى ان البروتستانتية ما كانت لتوجد لولا معاملة كتب العهد القديم على قدم المساواة مع العهد الجديد، الامر الذي نجم عنه بسرعة تفوق القديم، فمن المعروف ان البروتستانتية تقبلت العهد القديم بشكل اعمى، حرفياً، كإملاء ملزم للمسيحيين، من الروح القدس في كل آية وفي كل عبارة، وكان تاديوش جيلينسكي محقاً عندما قال: «في الازمنة الحديثة وجد لاهويتو المعسكر البروتستاني انفسهم في الكثير من الاحيان تحت ضغوط اعادة التهويد اللوثرية. ص 44. ويظهر تأثير البروتستانت بالعهد القديم وبالتقاليد اليهودية خصوصاً في بريطانيا، فمن بين النشطاء في ثورة كرومويل كان ماناسه بن يسرائيل (1604 ـ 1657) من امستردام.. كذلك وبمبادرة من كرومويل كتب توماس كولير تعذر اليهود، او بالاحرى تمجيداً يصل الى درجة العشق، «يجب ان يصبح ـ رأي الشعوب ـ، وقريباً يأتي الوقت حين يشعر كل واحد بالسعادة اذا تمكن من لمس رداء اليهودي، منهم يأتي خلاصنا». وبعد اشارته لهيمنة الماسونية ـ ثقافة الحضارة اليهودية ـ في انجلترا ذلك البلد الذي يعشقون فيه اليهودي، يتساءل من اين جاء هذا الايمان الشامل بأن اليهود يستحقون التقدير والاعتراف لهم بمكانة متميزة في التطور التاريخي العام؟ من اين الاستنتاج البسيط بأنه في اللحظات المهمة من الحياة الاجتماعية ليس عبثاً اللجوء الى العهد القديم والشروح «الاصلية»، اي اليهودية؟ من اين الايمان بالتفوق الاساسي لليهود؟ ويجيب.. يتعلمون ذلك في المدارس، حتى في دروس الديانة الكاثوليكية، ويشرح معلمو الديانة ان اليهود هم الاوائل بين الشعوب ليس فقط من حيث الاختيار الرباني (فهذا اضاعوه)، بل بسبب مكانتهم الرفيعة في تاريخ البشرية ويعلمون اطفال المدارس الاعتراف بأهمية اليهود، كما لو كان ذلك شرطاً للايمان الكاثوليكي، هكذا كان الوضع في نهاية القرن قبل الماضي وازداد في نهاية الماضي. جاء الاعتراف لليهود بالمكانة المركزية في التاريخ من اوروسيم كبير الكهنة لدى القديس اوجسطين، الذي الف بعد عام 410، بعد احتلال روما، كتاباً وفيه كان اول من اعطى اليهود الوزن الاكبر في سياق التاريخ العام، كأسلاف للمسيحيين، ويظهر ذلك في سياق ديني لا ينقطع بحسم فترات للتاريخ، ونجد الفكرة نفسها عند جاك بنين بوسيه (1627 ـ 1704) ومنه اخذ ذلك ونشر حتى وصل الى الصفوف المدرسية، وهو ما يسمى بالمركزية للتاريخية ص 53. ويفرد الباحث اهتماماً خاصاً باوضاع اليهود في بولونيا «الجنة اليهودية» التي لم يحلم اياً منهم ان يصبح ولو حاجباً في محكمة من محاكمها، ولكن مع تقبلهم المساواة في الحقوق ارادوا استغلالها الى اقصى حد، ونجمت عن ذلك فيما بعد نتائج لم يحلم بها اليهود طوال ألفي عام وفي مقدمتها المطالب القومية بكيان سياسي. لقد كانت الظروف المادية في بولونيا منذ القرن الثامن عشر هي المنشودة تماماً من هذه الناحية، ولكن الكاثوليكية كانت العائق الذي لا يسمح بالبحث بين اليهود عن نماذج للحياة الجماعية، اما عن المساواة في الحقوق المواطنية فلم يكن اي يهودي قد فكر حتى في اي مكان لأن هذا الشعار سيولد خلال الثورة الفلسطينية. ولكن من يتفوق على السكان مالياً فلابد ان يكون له تأثير اجتماعي سياسي، وفي بولونيا كانت كثافة اليهود الاكبر، وفضلاً عن ذلك سيطروا على العلاقات الاقتصادية اكثر من اي مكان.. وكانت لجميع فئات المجتمع البولوني علاقات نقدية مع اليهود، من اكبر العظماء الى اصغر جاب في الريف، ويمكن القول ان بولونيا «ص 103» كلها كانت في جيب اليهود. وقبيل تجسيد هذه الخطط على الارض البولونية، انهمكت الكنيسة الكاثوليكية طوال قرون في التحذير من المخاطر اليهودية، ارعدت ودعت البولونيين للدفاع عن وطنهم، ولكن تسلل اليهود الى فئة الكهنوت واحتلال مناصب رفيعة بينهم تدريجياً جعل الكنيسة لاحقاً، كما يقول الباحث، بقيادة يوحنا بولس الثاني حليفاً لليهود بدلاً من عدو لهم، ويذكر امثلة من قيل اعلان سنودس بشيميشل (بولونيا في عام 1723) القائل: ان اليهود، تلك الزواحف السامة، هؤلاء المنفيون من فلسطين الذين ينتشرون في كل المملكة البولونية، يغتنون على حساب ظلم المسيحيين واستغلالهم، انهم مليئون بالعجرفة والكراهية والخبث، ويعتبرون الهدف الرئيسي لنشاطهم الملتوي: التصنع والجرائم وكل انواع الاحتيال والتجديف واهانة اسرار عقيدتنا المقدسة والسخرية منها. «ص 138» وتدريجياً ازداد نفوذ اليهود بين الشعوب ليبلغ ذروته في القرن العشرين، ولاسيما بين الشعوب الآرية، الاخطر بالنسبة لليهود، وسجل ذلك القرن خمسة مكاسب كبرى لليهود هي.. اشعال الحرب العالمية الاولى والاستفادة منها، واشعال الثانية وانشاء الكيان الصهيوني، استثارة الازمة الاقتصادية الكبرى في الثلاثينيات والاستفادة منها، دخول كتلة كبيرة من اليهود الى الكنيسة الكاثوليكية لتحتل فيها مناصب مهمة، واخيراً اسقاط الانظمة في الاتحاد السوفييتي واوروبا الوسطى وتحويل هذه البلدان الى مستعمرات يهودية «ص 154». ويتوقف منير عند علاقة البابا يوحنا بولس الثاني مع اليهود منذ وصوله للكرسي البابوي بدعم من الولايات المتحدة، اذ قام بترتيب العملية بريجينسكي مستشار الامن القومي في عهد كارتر، وهو بولوني الاصل، مشيراً الى ان انتخاب الكاردينال البولوني كارول فويتيلا، وهو الاسم السابق للبابا الحالي، جاء في الوقت المناسب بعد التخلص من البابا يوحنا بولس الاول الذي اثار مخاوف اليهود عندما كشف الاعيب الماسونية وتغلغلها في الفاتيكان «ص 171». ومع نهاية الالفية الثانية لميلاد المسيح وتقدم البابا في السن اخذت وتيرة محاولاته التهويدية بالازدياد الى ان بلغت ذروتها في عامي 1997 ـ 1998 وانعكست اصداؤها في منطقتنا. ففي ابريل عام 1997، ندد البابا بمعاداة السامية وقال: ان المسيح كان ابناً حقيقياً لاسرائيل.. واوضح ان بالامكان تحديد الهوية الانسانية للمسيح انطلاقاً من علاقته مع شعب اسرائيل ومع سلالة داوود ونسب ابراهيم «ص 173». وفي مارس عام 1998، اصدر البابا اول وثيقة رسمية بشأن ما يسمى بمحرقة اليهود، وتؤكد الوثيقة في التطلع الى مستقبل العلاقات بين المسيحيين واليهود، «ندعو في بادئ الامر اخواننا واخواتنا الكاثوليك الى تجديد اطلاعهم وادراكهم للجذور العبرية لايمانهم، ونسألهم ان يتذكروا دوماً ان يسوع كان من سلالة داوود وان مريم العذراء والرسل ينتمون الى الشعب اليهودي، وان اليهود اخوتنا العزيزون كثيراً بل هم في الواقع بمعنى ما اخوتنا الاكبر سناً». وبعد تحليل تلك المواقف والرد عليها مستشهداً بالكتاب المقدس، يصل الباحث الى خلاصة كتابه مبيناً في جانب منها الى ان تعاون الشراكة بين الفاتيكان و«معابد» المال في وول ستريت والمنظمات المالية العالمية الاخرى، هي الاساس غير المعلن للجماهير الواسعة لدمج الشعوب الاوروبية الشرقية «المحررة» الى «اسرة اليورو»، ويعني هذا في المستقبل تحويل السكان الذين يستلب «الاعلام الاوروبي» حالياً ادمغتهم، الى كتل استهلاكية بدون ارادة.. باختصار ينفذ الباب الحالي باندفع سياسة «التحديث» المذكورة والقائمة على تبعية الكنيسة الكاثوليكية لليهود «ص 136». محمد الخضر