تعيش السودان، التي تعتبر الدولة الاكبر في افريقيا، حالة من الحرب والمجاعة أودت بحياة مليوني شخص وهجرت اكثر من خمسة ملايين لاجيء خلال العشرين عاما الماضية. وفي ضوء هذا الوضع القاسي، تتعدد اشكال المعاناة التي تصيب ابناء الشعب السوداني، في مختلف مناطق البلاد وبخاصة في منطقة الجنوب، حيث يتفشى الجهل والفقر والمرض، اعداء الانسان الثلاثة. لكن ابناء الجنوب يعانون الى جانب ذلك من مأساة خاصة جرتها عليهم الحرب الاهلية الدائرة هناك، الا وهي مأساة استخدامهم كرقيق وتداولهم كأية سلعة اخرى لها ثمنها. وفي السنوات الاخيرة، اصبحت هذه الممارسة تجارة رائجة لها تجارها وزبائنها، ولهذا السبب، تداعت جمعيات خيرية غربية واخرى تعمل في مجال الاغاثة من اجل اعتاق الرقيق ومنحهم حريتهم. وترى هذه الجمعيات ان هذا التحرك يأتي من منطلق الحفاظ على حرية الانسان ومحاربة تجارة الرقيق. ومن الغريب ان تجد في هذه البيئة القاسية امرأة مثل البارونة كارولين كوكس، نائبة الناطق بلسان مجلس العموم البريطاني وزميلها ستيوارت ويندسور يقومان بهذا العمل برعاية جمعية خيرية غربية وما يقوم به هذان الشخصان هو اعادة شراء العديد من الصغار واطلاقهم احرارا. غير ان العمل الذي تقوم به هذه الجمعيات لا يكون موضع ترحيب على الدوام، فهناك انتقادات لاذعة توجه اليها من قبل العديد من منظمات الاغاثة الرئيسية مثل اليونيسيف و «انقذوا الطفولة»، وقد وصفت كوكس بـ «المحرر المعتوه» من قبل البعض على الأعمال التي تقوم بها. شراء الناس وتذهب منظمة «انقذوا الطفولة» الى القول ان شراء انسان لآخر يعتبر اهانة لكرامته، وهي مقتنعة بأن ظهور اشخاص يحملون حقائب مليئة بالمال انما يؤدي الى تقوية نظام اقتصادي ظالم. وتقول بيث هيرتزفيلد، الناطقة باسم الجمعية الدولية لمناهضة العبودية ان «جميع المنظمات العاملة على هذه المسألة، سواء كانت تفضل عمليات الاعتاق ام لا، تعمل للوصول الى نفس الهدف، وهو وضع حد للعبودية ـ ولكن الطريقة التي ننفذها تقودنا الى تغير طويل الأجل». وتحمل انتقادات عديدة لعملية اعتاق العبيد، التي تشبهها بعملية دفع فدية لمختطف. وتقول: «من غير المعروف الى اين تذهب الاموال كما ان العملية لا تتيح اعادة تأهيل الاشخاص الذين تم تحريرهم». وتعتقد جمعية مراقبة حقوق الانسان، وهي جماعة ضغط اخرى لها اهتمام بشئون السودان ان «المعرفة بوجود اجانب مستعدين لدفع اموال لعتق الرقيق يمكن ان تؤدي الى حث الافراد عديمي الضمير على عمل تجارة من عملية تحرير الارقاء». ويقال ايضا بأن قانون العرض والطلب سيعمل على رفع الاسعار.غير ان كوكس تعتقد ان الانتقادات في غير محلها وتقول: «في الواقع ان الاسعار انخفضت ففي الايام السابقة عندما كان يتم اعادة شراء اعداد صغيرة، كان السعر 150 دولارا للشخص الواحد، والآن اصبح 60 دولارا انها طريقة فظيعة للحديث عن البشر ـ لكن الفضل كله يعود للتجار الذين سمحوا لاقتصادات بهذا الحجم ان تعمل». ولكن هذا لايعني ان التجار يكونون دائما عديمي الضمير. ففي بعض الاحيان يتم جلب الرقيق الى اجتماعات تحريرهم بأعداد اكبر مما اتفق عليه. وردا على الجدل القائل ان الاشخاص الذين يتم عتقهم وبخاصة الاطفال، قد يتركون لوحدهم بدون مساعدة اذا كان افراد عائلتهم ميتين، تؤكد كوكس على ان افراد قبيلة الدينكا (القبيلة التي ينتمي اليها معظم الرقيق عادة) مرتبطين بشكل قوي. ان المفوض المحلي او الزعيم الافريقي يبذل جهدا كبيرا للتأكد من لم شمل العائلات. واذا كان الاقارب قد ماتوا في الحرب، تقوم عائلات اخرى او حتى المفوض او الزعيم باستيعابهم. ويعتقد سيمون ويليامز الخبير في شئون الشرق الاوسط ان هذه الآراء لم تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الوضع في السودان.فهناك 19 جماعة عرقية مختلفة في السودان وحوالي 115 لغة محلية. ويرى ويليامز ان هناك مغالطات كثيرة يتم تداولها والترويج لها فيما يتعلق بحقيقة ما يجري في السودان، حيث يحلو للبعض تصوير الصراع الدائر هناك على انه صراع بين الاسلام والمسيحية، في حين ان هذا الاعتقاد يعتبر منافيا للحقيقة فهو صراع سياسي بحت. ضرار عمير
