خلافا لما عودتنا عليه السينما الامريكية في استلهام بعض قصصها من الاساطير الاغريقية القديمة التي تستند على الفانتازيا التاريخية والملاحم البطولية كحصان طروادة تقدم لنا الآن الفيلم السينمائي الجديد «captain corellis mandolina» المستوحى من رواية للكاتب «لويس دو بيرنرز». هذه الرواية التي سطرت بدماء الايطاليين الذين احتلوا اليونان خلال الحرب العالمية الثانية بدعم من حلفائهم الالمان ولكن بعد سقوط ايطاليا واستسلام «موسوليني» للجيش الامريكي انقلب الالمان على حلفاء الامس، وقاموا بقتل 10 الاف جندي ايطالي في مجزرة دموية بعد حصارهم لتسعة ايام. من هذا الفصل الدموي استوحى بيرنرز رائعته الادبية التي اعدها للسينما السيناريست «شون سلوفو» واخرجها «جون مادن» مخرج الفيلم «شكسبير العاشق» في عام 1998 والذي فاز بجائزة الاوسكار لافضل اخراج. ويعتمد البناء الرئيسي في الفيلم على المثلث الغرامي الذي يتشكل من فتاة الجزيرة اليونانية «بيلاجيا» ذات الجمال الساحر التي جسدت دورها الممثلة الاسبانية «بينلوبي كروز» والصياد الوسيم ماندراس (كريستيان بيل) وكذلك الجندي الايطالي «كابتن انطونيو كوريللي» (نيكولاس كيج). ينتقل بنا المخرج مادن في فيلمه من محطة الى اخرى باسلوب درامي جميل حتى نتمكن من الغوص في عوالم شخصياته فيصور لنا الحياة الهادئة التي كانت تنعم بها جزيرة سيفالونيا والتي سرعان ما عصفت بها رياح الحرب العاتية فقلبت حياة اهلها رأسا على عقب مما ادى الى انضمام ماندراس خطيب «بلاجيا» الى الجيش في الوقت الذي تمكنت فيه القوات الايطالية من احتلال سيفالونيا. تبدأ علاقة ظرفية تفرضها خصوصية المكان والزمان بين الايطاليين وسكان الجزيرة الاصليين حيث تجلى بكل وضوح عدم مبالاة الايطاليين بأبجديات الحرب وكأنهم سيقوا اليها مرغمين بمن فيهم كوريللي، «نيكولاس كيج» الذي كان يفضل البقاء في وطنه يغني الاوبرا ويعزف على آلته الموسيقية «الماندولين» غير آبه بالحرب المجنونة وتداعيات احداثها. وبأمر رسمي يجد كوريللي نفسه مقيما في بيت طبيب الجزيرة «جون هارت» وابنته «بينيلوبي كروز» وسرعان ما ينجذب اليها وتبدأ القصة الغرامية تنسج خيوطها. وهنا تجد بلاجيا نفسها متورطة في علاقة مع رجل ذهب الى المعركة ليحارب في صفوف الاعداء وعندها فقط تشعر بحجم الخطأ الذي اقترفته بحق نفسها. وعندما تأخذ الحرب منحى آخر لصالح قوات الحلفاء تسقط ايطاليا في يد الامريكيين فينعكس ذلك سلبا على التحالف بين الالمان والايطاليين والذي شرع بالتفكك والانهيار حيث تنتهي هذه العلاقة بجريمة بشعة يقترفها الالمان بحق الجنود الايطاليين وذلك بقتلهم 10 الاف جندي. ووفقا لما اعتادت عليه هوليوود في الابقاء على حياة ابطالها الاسطوريين يتمكن كيج من الافلات من قبضة الالمان ناجيا بحياته. ويعتبر «كابتن كويللي» من الافلام النمطية التي ترغب هوليوود بتقديمها على الشاشة الكبيرة. وبرغم توافر عناصر النجاح فيه فإنه يذكرنا بفيلم «بيرل هاربر» الذي لاقى فشلا ذريعا برغم توافر امكانيات نجاحه. ولكن من الانصاف في حق هذا الفيلم الذي يزخر بموضوعات رائعة كالحب الخالد وويلات الحروب وآثارها النفسية على البشرية ان يصنف كواحد من الافلام الناجحة وان لم يرق الى المستوى المطلوب. اثبتت كروز في هذا الفيلم بأنها ليست وجها جميلا فقط، فقد استطاعت ان تجسد دورها باتقان تام اقنعت فيه الجمهور بطريقة ادائها وتحولها من فتاة متيمة بالحب الى امرأة ناضجة. اما جون هارت فقد جاء اداؤه اضافة نوعية للفيلم ووقارا متناغما مع الدور الذي لعبه. وبالرغم من صغر مساحة الدور الذي قامت به الممثلة اليونانية إيرين باباس الا انها اثبتت ان عظمة الممثل لا تقاس بحجم دوره. وظهر «كريستيان بيل» بدور الشاب الذي هجرته خطيبته اقل اقناعا مما دعا النقاد بالحكم على ادائه بالضعف والسطحية وعودة الى البطل الرئيسي «نيكولاس كيج» نجم افلام الأكشن والعنف فقد بدا متكلفا في ادائه ولم يقنع المشاهدين بدوره كجندي ايطالي مما شكل احباطا لمعجبيه في شتى ارجاء العالم. اعداد: ختام سليم
