هاني السعدي كاتب سوري غني عن التعريف، لمع اسمه من خلال نصوصه الدرامية لعدد من المسلسلات التلفزيونية التي تمّ عرضها في السنوات الاخيرة واطلق عليها موجة «الفانتازيا» في الدراما السورية. في لقاء معه تحدث السعدي بصراحة تغلّفها المرارة والاصرار معاً من اجل تطوير الفكرة والكتابة الدرامية، مشيراً الى ان ذلك يحتاج الى الحدّ من الرقابة التي غالباً ماتكبّل الطرح المبدع، وتجعل الكتّاب والمخرجين يلجأون الى جيل الكوميديا والفانتازيا، فالى مجريات الحوار: ـ انتشرت في السنوات الماضية موجة فنية كنت من ابرز المساهمين في نشوئها واستمرارها سميت بالفانتازيا. ما هو برأيك السر الكامن خلف ظهورها القوي من جهة.. وخلف اندفاع المشاهد العربي لمتابعتها؟ ـ بدأت هذه الموجة ان اتفقنا على تسميتها كذلك في عام 1983 مع مسلسل «غضب الصحراء» الذي اخرجه هيثم حقي، ثم تلا ذلك في عام 1988 مسلسل «البركان» الذي اخرجه محمد عزيزية وشكل العملان وهما من انتاج فيصل مرعي لونا جديداً لم يألفه الجمهور من قبل، وقد مهد القبول الجماهيري لهذا النوع من الدراما الطريق امام انتاج اعمال جديدة مثل «الجوارح» و«الكواسر» و«البواسل» وجميعها من انتاج مركز دبي للانتاج الفني واخراج نجدة انزور، ثم كتبت ايضاً مسلسل «الموت القادم من الشرق» ومسلسل «الفوارس». وباعتقادي فإن نجاح هذه الاعمال واندفاع المشاهد العربي لمتابعتها كان نتيجة لشكل الحكاية الذي قدم فيها من جهة وللأسلوب الذي تم به اخراجها من جهة اخرى، خصوصاً في الاعمال التي اخرجها نجدة لأنه ابتكر اسلوباً جديداً اضفى المزيد من الاثارة والجمال على الاعمال، وهذا الاسلوب هو السر في اطلاق تسمية «فانتازيا» عليها، ولأول مرة ترى مثلاً ان القبائل العربية تعيش على اطراف البحيرات، ويضع فرسانها السيوف خلف ظهورهم، ويطلقون الشهب في السماء. وعموماً فنحن كعرب نحب الحكايا خصوصاً تلك التي تلامس هم البحث عن الذات وعن الهوية والتي تكرس الخصال العربية النبيلة التي نكاد نفقدها في عصرنا المادي الحالي. ـ الا تعتقد معي ان الخوف من الرقابة هو دافع قوي لظهور هذا النوع من الاعمال فالمفكرون والكتاب في منطقتنا ومنذ القديم يختفون خلف الرموز والاحجيات لايصال افكارهم التي لا يجرؤون على طرحها جهاراً؟ ـ ليس سراً على الاطلاق القول بان تجربتي الاولى لهذا اللون عبر «مسلسل غضب الصحراء» لم يكن دافعي الهروب من الرقابة او الاختفاء حول الرموز، فكل ما اردته تقديم حكاية متخيلة مشوقة تشد المتفرج اليها، ولكن شكل الحكاية احتمل بعض الاسقاطات المعاصرة، غير الواضحة، ولكن مع مسلسل «البركان» بدأت المشكلة بالظهور فعلياً، وادركت اني مقبل على مواجهة جملة من المحاذير الرقابية التي حاولت الالتفاف عليها، إلا اني لم انجح تماماً فالمسلسل الذي كانت مدته ستة عشرة ساعة عرض في احدى المحطات على انه سبع ساعات فقط، وبكل الاحوال فالكتاب لا يكتبون لتوضع اعمالهم في الادراج والخيارات امامهم محدودة. ـ ولكن من الملاحظ ان الحماس الجماهيري لمتابعة هذا اللون قد تضاءل وان الموجة في طريقها للزوال بعد ان اشبعت الذائقة الجماهيرية منها الى حدود الامتلاء، الا يفرض هذا ضرورة اكتشاف آفاق جديدة لسد حاجة السوق والفضائيات؟ ـ بالطبع بعد نجاح هذا اللون، في السوق، كثرت التجارب المماثلة، التي ليست في المكان المناسب لتقييمها او لمعرفة درجة القبول الجماهيري لها، ولكن بجميع الاحوال فأنا لاارى ان الحماس الجماهيري لهذا اللون قد تضاءل بقدر ما ارى وجود توجه لدى بعض النقاد والصحفيين لمحاربة هذا اللون لاسباب غالباً ما تكون نابعة عن عداوات شخصية، لا بل ان بعض الفنانين الذين لم يعرفوا الشهرة الا من خلال هذا اللون باتوا يسبونه لاحقاً لنفس الاسباب الشخصية، وهذا لا ينفي وجود مآخذ جدية وانتقادات صحيحة لابد من اخذها بعين الاعتبار، وبالنسبة لي فأنا بأية حال لم اكن اسيراً لهذا اللون من العمل وكنسبة وتناسب فإن عدد الاعمال الاجتماعية والكوميدية التي قدمتها كان اكثر، ولكن عرض اعمال «الفانتازيا» في رمضان فيما يبدو اشعر اعداءها انها كثيرة. وعموماً فقد حزمت امري على التوجه الى الاعمال الاجتماعية المعاصرة مع مزيد من الجرأة وقليل من الخوف، متفائلاً ان انظمة الرقابة ستعيد تقييمها للأمور، فإلى متى ندفن رؤوسنا في الرمال والى متى سنستمر في تجاهل وانكار المشكلات التي تحيط بنا من جميع الجهات. ـ لا شك أن حرية التعبير مطلب عام وهو بالغ الاهمية والحيوية بالنسبة للأدب والفكر والفن.. هل تعتقد حقاً ان انظمة الرقابة ستسمح بتحقيق هذا المطلب ام انها ستعيد الجميع الى قمم التاريخ والفانتازيا والكوميديا؟ ـ نظلم الرقابة ان قلنا انها تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ولكن المشكلة تكمن في ان تطور الدراما بات رهناً بتفتح ذهنية الرقابة.. تريدون دراما قوية مؤثرة فاعلة ايجابية، افسحوا لها اذن المجال افتحوا لها جزءاً من الباب لا نطالب بفتحه على مصراعيه، ولكن لا تبالغوا في اغلاقه، والحل في رأيي يبدأ عندما تتوفر الجهة الممولة القادرة على المغامرة لانها من سيخسر ان قوبل العمل بالرفض من بعض المحطات بسبب سخونة الطرح فيه، فالجهات الممولة تمارس في الحقيقة دور الرقيب على الكاتب حتى لا يتعرض العمل للرفض من هذه المحطة او تلك، حتى اضحى الكاتب مستكتباً لا كاتباً، اجزم ان الخوف من الرقابة المتعددة الاشكال بات هاجسي الاول، قدم لي جهة انتاجية مستعدة للمغامرة وسأقدم لك عملاً يمحو كل اخطائي السابقة.. اخطائي و.. ضعفي. ـ ما هو السر في ان نقد الواقع غائب عن الدراما الجادة في حين انه يسجل حضوراً في بعض الاعمال الكوميدية؟ ـ اذا نقدت الواقع في عمل جاد فإنك تلمس الجرح، عندها يستنفر الرقيب، فالجراح ينبغي ألا تمس، اما ان نقدت الواقع في عمل كوميدي فإن الرقيب يضحك خصوصاً عندما لا يرمي النقد الى النقد «انه ضحك على اللحى». ـ تميل الشعوب في لحظات الازمة أو الهزيمة الى استعادة لحظات من تاريخها المشرق ربما لتواسي نفسها.. كيف تقيم هذا الامر؟ ـ تاريخ الدراما العربية مليء بالاعمال التي تتحدث عن تاريخنا ومآثرنا انا ارى ان هذه الاعمال ضرورية ليس لجلب العزاء والمواساة ولكن لنقارن بين ما كنا عليه وما بتنا عليه عسى أن يكون هذا محرضاً فاعلاً يستحثنا على مجابهة الحاضر وليس فقط لنقول «الله كم كنا رائعين في ذلك الزمن». ـ السيناريو هو حجر الاساس في العملية الدرامية فهل لكتابة السيناريو قواعد منهجية صارمة ام انه إلهام وموهبة؟ ثم هل يحظى كتاب السيناريو بالمكانة التي يستحقونها؟! ـ كنت اظن سابقا ان الكتابة إلهام وان الكاتب لا يكتب الا اثر هجوم الرغبة بالكتابة عليه ولكن مع الاستمرار والخبرة اكتشفت ان الكتابة تصبح رفيق الكاتب ومعينه، وحالياً فأنا لا انتظر الالهام لأكتب، اقرر ان اكتب فأكتب، واحياناً تدفعني الغبطة للكتابة تماماً كما يفعل الغضب والقهر. اما عن مكانة كتاب السيناريو فأنا شخصياً لا اشعر اني غبنت، فرغم ان وسائل الاعلام تنادي بالمخرج اولاً الا ان المشاهدين انصفوني دون ان ننسى طبعاً ان بعض كتاب السيناريو اضحوا اكثر نجومية من اشهر الممثلين كأسامة انور عكاشة ووحيد حامد ومحفوظ عبدالرحمن وهم يستحقون هذه النجومية لأن ما قدموه يستحق ان ترفع له القبعات احتراماً وتقديراً. دمشق ـ لؤي خروبي