مازلت أحس بالرعشة تجتاحني عندما أتذكر أول مكتبة اقتنيتها في حياتي بالطبع كانت الكتب أولا اشتريت بعضها بقروش محدودة، وكسبت بعضها من عبد العزيز بك. وكان ناظر مدرستنا، يحب التفوق والمتفوقين، ويكافئهم بكتب أدبية ولم أكن من هؤلاء المتفوقين، ولكنني كنت أمتلك القدرة على التفوق، ولقد اكتشفت أن عبد العزيز بك يكافئ حسب العلوم وليس حسب المجموع العام .. وهكذا جنبت نفسي شر التفوق، وأخذت أركز على علوم بعينها وأحصل فيها على أعلى الدرجات .. وهكذا كنت أحصل في كل مناسبة على كتابين أو أكثر في حين يخرج المتفوقون بلا شيء. وذات مرة لاحظ عبد العزيز بك أنني متفوق في علوم بعينها فطلب مني الاهتمام بكل العلوم وخشيت أن تحرمني ملاحظته من المكافآت، فركزت على الرياضيات. وفي طابور الصباح أعلن أحد المدرسين عن أكثر المتفوقين في الرياضيات وتقدمت لتنفجر المدرسة كلها في الضحك، فلقد كان الجميع يعرفون خيبتي في الحساب والجبر، ومازلت حتى الآن في هذه الخيبة وأبدى عبد العزيز بك دهشته من ضحك التلاميذ على زميل لهم متفوق مثلي وحاول المدرسون أن يختلقوا له المبررات فقال له أحدهم انني عندما تقدمت تعثرت وقال آخر ان لون حلتي لم يعجبهم ولكن الرجل لم يقتنع بما سمعه. أما أغلى الكتب فكانت التي وجدتها في بيتنا، وكان معظمها من الشعر مثل شوقيات أحمد شوقي وبعض مسرحياته، ومن الواضح أن أبي يحب الشعر، وكان ينقله في كراسات جميلة بخط جميل وأنا متأكد الآن أن صاف هذه الحروف انفجر في ضحكة مجلجلة، فإذا كنت أكتب بهذا الخط فمن المستحيل أن يكون خط أبي جميلا. ولكنني اتجاهل هذه الضحكة، واتجاهل أية تعليقات سخرية من الذين يعرفون مستوى خطي، واشبعوني تهكما من قبل فهذا لن يغير من الواقع شيئا وهو أن خط والدي كان جميلا وان خطوط ورثته جميعا خطوط رديئة وأقول ملاحظة أخرى وأمرى لله، وهي ان خطه الجميل وخطوطنا الرديئة فيها شيء من التشابه الواضح. المهم أني كبرت وأنا أجد الكتب حولي، ولا أدري أين أضعها وفي الغالب كانت توضع في أماكن غير مناسبة وبدأت فكرة المكتبة تخطر على بالي ولا أدري من أين أتت لي وفي الغالب أتت من مكتبة المدرسة فلقد كانت هناك مكتبة، لكننا لم نكن نعرف عنها شيئا، ولم يكن ناظرنا هو عبد العزيز بك المحب للثقافة وإلا كان فتحها لنا. وكنت أسأل عن أحد المدرسين لسبب لم أعد أذكره فاشاروا لي أنه في هذه الغرفة ودخلت الغرفة الموعودة لاتسمر في مكاني فها هي الكتب تلال من الأرض إلى السقف وما التقطته نظراتي من أسمائها يصعد لي إلى السماء السابعة سألني المدرس : ماذا تريد ؟ فقلت له : لا أريد أن أخرج من هنا. وأعجب ردي وقرر أن يفتح لي المكتبة وقتما أشاء، وأن استعير منها بلا حدود ولما سألته لماذا لا يدع المكتبة مفتوحة للجميع أحمر وجهه غضبا وصاح : لأن التلاميذ حمير لا يقرأون! وأظن أنه تعرض لتجربة قاسية، أو ربما عدة تجارب جعلته ييأس من حماس التلاميذ للثقافة. المهم أنني أحسست بالحاجة الشديدة إلى مكتبة تضم كتبي وذهبت إلى نجار أطلب منه أن يصنع لي مكتبة . فسألني باستهانة عن طولها وعمقها وعرضها، وهل لها أبواب زجاجية أو غير زجاجية، وهل تغلق بمفتاح وهل.. وهل. وأسقط في يدي وعدت إلى البيت محموما ولما كنت دؤوبا وأن كنت أذكر أنني لم أكن متفوقا، فلقد أخذت في دراسة عن أطوال الكتب ورسمت مكتبة بجهد يفوق من رسم مكتبة الكونجرس وقدمت الرسم إلى الرجل الذي نظر فيه دون أن يفهم شيئا، فلما شرحته له قال لي ان هذه المكتبه تكلفني خمسة جنيهات وأصابني يأس هائل، فلم يكن المبلغ في طاقتي ولاحظ الرجل ما أصابني من هم، فأخذ ينقص من الرسم الذي قمت به وقال في النهاية إنه بإمكانه أن يصنع لي مكتبة في حدود جنيه. وكان هذا المبلغ مصروفي في شهر ونصف ووافقت، فلقد كان ذلك في طاقتي وكنت أمر على النجار مرتين أو أكثر كل يوم حتى جاء وقت اختيار لونها أردته أسود، واقترح هو أن يكون بنيا: ـ يا ابني اللون الاسود سيصد نفسك عن القراءة! واستجبت لنصحيته على غير عادتي وحملت المكتبة إلى البيت وسط فضول الجميع ووضعتها في غرفتي إلى جوار فراشي، وأخذت أرتب فيها الكتب فامتلأت والكتب مازالت تنتظر وأحبطت إحباطا شديدا. وظل حلم المكتبة التي تسع كل الكتب يراودني، ولكن يقف في وجهه إمكانياتي المادية وفي الجامعة اقتبست فكرة إنشاء مكتبة من الطوب الأحمر ولكن بعد دهنه باللون الأسود ثم وضع رفوف من الخشب بعد تلوينها باللون الأسود ورغم أنها كانت أكبر كثيرا من المكتبة الأولى إلا أنها أيضا لم تسع كل الكتب. وكان كل زائر يبدي إعجابه بالمكتبة، فإذا عرف أنها من الطوب والخشب سخر من الفكرة وتعلمت من هذا درسا مبكرا في النفاق الاجتماعي. وبعد أن تخرجت بسنوات قليلة صارت الكتب أكبر من احتمال أية مكتبة لذلك اشتريت مكتبة كبيرة بل ومكتبا رغم أنني لم أكتب على مكتب في حياتي ولأول مرة في حياتي رأيت الكتب في أماكنها وكدت أقيم حفلة لسعادتي بذلك. ولو أنني ظللت أحكي لك عن التطور المعماري لمكتبتي فربما أحسست بالملل ولم لا وأنا نفسي قد أحسست بذلك. ولذلك فسأقفز الآن إلى ما دفعني لتذكر كل هذا فلقد كنا نسير ـ معظم العائلة ـ في شارع الاستقلال في اسطنبول عندما توقف حفيدي متسمرا أمام مكتبة يريد شراء خريطة لتركيا ودهش والده واعترض لكنني أدركت هدفه. فالمكتبة بالنسبة لي لم تكن أبدا مجرد كتب، بل هناك عناصر أخرى مهمة في المكتبة مثلا الصور من جمال عبد الناصر إلى جيفارا إلى عنترة بن شداد والتماثيل من غاندي إلى ارسطو إلى بيتهوفن إلى تشيكوف واللوحات المجسمة من القدس إلى صنعاء وأيضا الخرائط. وأذكر أنني عندما دخلت إلى مكتبة أحمد بهاء الدين رأيت خرائط على الحائط، وكذلك عندما دخلت مكتب محمد حسنين هيكل. والخريطة كتاب هام من المستحيل أن تلقي بها بعد قراءته فقد تحتاج أن تعود إليه بعد فترة وبين كتبي مجموعة من الأطالس ربما كان أميزها الأطلس الإسلامي الذي أنجزه الدكتور حسين مؤنس ولقد رفضت شراءه لفترة طويلة لأنني لم أكن أحب الدكتور حسين مؤنس لكنني سألت نفسي كيف أخلط العام بالخاص وهل أحرم نفسي من كتاب هام مثل هذا، لأنني لا أحب الرجل واشتريت الأطلس بعد أن غلا ثمنه، واحترمت الرجل ولقى ربه وأظن أنني مازلت لا أحبه لكنني أحترم جهده وله تحقيق لرحلات ابن بطوطه تستحق التنويه رحمه الله كان رجلا فذا وعالما كبيرا لكنني مازلت لا أحبه! وفي هذه الأيام وأنا في طريقي إلى الانتقال إلى بيت جديد من الأهداف الأساسية له أن يكون فيه متسع للمكتبة التي ضاقت بما فيها نقتسمها من حيث أقيم وفي شقة في ضاحية 6 أكتوبر. وقدمت لي زوجتي رسومات المكان وبينها المكان المتسع المخصص للمكتبة ثم بدأت تطرح أرقام التكاليف، وصرخت فربما طبعا الأرقام لم تكن قريبة من أول مكتبة التي كان ثمنها جنيها واحدا! ولو أنني قلت لها ذلك لحدثتني عن التضخم الذي وضع أصفارا كثيرة أمام الأرقام! وأثناء ذلك ـ أي والله اثناء ذلك كلموني من إحدى المحطات الفضائية يريدون تسجيل حلقة عن مكتبتي وسألتهم : ألا يمكن الانتظار حتى انتقل إلى البيت الجديد؟ ورفضوا. ووافقت وبعد أن وافقت جلست أتأمل المكتبة: أين يضعون الكاميرا وماذا يصورن والكتب فوق بعضها فوضى .. فوضى حقيقية لكنه أجمل مكان في الدنيا.