في حياة كل منا (كرسي)، صغر ام كبر هذا الكرسي، فقد اصبح (الكرسي) في عصرنا هذا هدفاً اجتماعياً.. ومطلبا اساسيا، يسعى اليه الفرد منا، البعض يسعى اليه طائعاً مختاراً، والبعض الاخر يلهث سعياً الى الكرسي.. باذلا في سبيل الحصول عليه، ثم في سبيل البقاء فيه، كل مرتخص وغال، مضحياً في سبيله بالمال وبالعيال! وقد صدق احد الحكماء حين قال «ولقد كان الكرسي ومازال، صاحب هيبة وجلال، به يرتفع ذكر الرجال، وتتحقق بالجلوس عليه الطموحات والآمال، وبدونه يصبح الواحد منهم في اسوأ حال، وينحط ذكره بين الرجال، من ملكه سيطر وحكم، ومن تركه ضاع وانهزم، ان جلست عليه ملكت رقاب الناس.. وان زحزحت عنه تضرب وتهان وتنداس! المرحلة (الكرسوية الاولى) في حياة كل منا تبدأ بمعركة للحصول على (كرسي) في المدرسة الابتدائية، تتابع بعدها الكراسي التعليمية حتى تصل بطالب الكرسي الى الجامعة، ومن ثم تبدأ (المرحلة الكرسوية الثانية) بمعركة اخرى للوصول الى (كرسي) وظيفي في اي قطاع عام او خاص، وهنا تتحدد تماماً طبيعة علاقة كل منا بالكرسي.. ويتضح تماماً ايضاً ما اذا كان الواحد منا سيتولى زمام الكرسي، ام ان الكرسي هو الذي سيتولى زمامه، ويمسك بلجامه، فبعض الناس يشعرون انهم لا شيء بدون الكرسي، وانهم لو خسروا الدنيا والاخرة! وبداية.. وحتى لا تتداخل الامور.. فالكرسي الذي نعنيه ليس هو ذلك الكرسي الموجود في البيت او في النادي او في المطعم، فتلك كراسي خاملة.. لا تضر ولا تنفع، ولا تخفض او ترفع، ان ما نقصده وما يعرفه ويسعى اليه الجميع هو ذلك (الكرسي) المتربع في مواقع العمل والسلطة، وهو هنا ليس كرسياً عادياً من خشب، بل هو الجاه والسلطان.. وهو المجد والصولجان! شيء غريب ومحير في هذا الكرسي العجيب، يجعله يحدث في الجالس عليه ـ طالما هو جالس عليه ـ تغيرات وتحولات في طبيعة وشخصية المتربع عليه، فهو قبل تملكه لهذا الكرسي شخص عادي مثلي ومثلك تماماً، تستطيع ان تحييه فيرد عليك التحية، وتستطيع ان تصافحه فيمد يده ليصافحك بحرارة، وان تكلمه فيحاورك ويتبسط في الكلام معك، اما اذا اتعسك الحظ ولم تلحقه الا حين جلوسه على الكرسي العالي فإياك اياك ان تنسى نفسك وتخاطبه كما تخاطب البشر العاديين، واياك اياك ان تنسى نفسك وتنسى من امامك فتغضب اذا لم يرد عليك التحية، او تزعل اذا كلمك اخيراً من طرف انفه، او ان (تأخذ على خاطرك) اذا هاج فيك بلا سبب.. او طردك من مكتبه بلا ذنب، فهو على الكرسي (وما ادراك ما الكرسي) شخص اخر.. لا يذكر انه رآك من قبل.. ولا يتذكر انه كان معك في سهرة الامس.. ولا يعرف عنك الا انك شخص متطفل اقتحم عليه عرينه، وازعجه في لحظة استمتاعه بالكرسي الوثير، والنفوذ الكبير! شيء غريب ومحير في هذا الكرسي الذي يفعل بالانسان ـ طالما هو جالس عليه، متمكن منه ـ ما لا تفعله وصفات الاطباء، وما لا تقدر عليه المنشطات والمقويات، انه يعطي الضعيف قوة الليث الغضنفر، ويضفي على الجبان شجاعة المقاتل الجسور.. ويرفع نسب من لا نسب له، ويعلي اصل من لا اصل له، فنسبه الى الكرسي والى الموقع اقوى واهم من نسبه الى اقوى العائلات، وارفع المستويات، ولكن مشكلة ذلك الكرسي ان علاجاته هذه وقتية، وان مفعوله السحري يزول ويتبخر تماماً عن الجالس عليه اذا انتزع من فوقه، وفقد موقعه عليه، فاذا بالليث الغضنفر يعود فأراً كما كان، واذا بالمقاتل المغوار يتهاوى رافعاً رايات السلام والاستسلام، وينكشف بزوال الرعاية الكرسوية جهالة المتعالم.. وصناعة المتعالي، ويعود اصله ونسبه الحقيقيين لمطاردته وكشف المستور عن اصوله وفصوله التي جاهد الكرسي للتعتيم عليها واخفائها! ومن ثم يستعد الكرسي لاستقبال ضيفه الجديد وتقديم فروض الطاعة لسيده الجديد، فالكرسي لا امان له ولا عزيز لديه! شيء غريب ومحير في هذا الكرسي الذي تدور حوله ومن اجله من الصراعات ما لا يدور حفاظاً على مصالح البلاد والعباد، والذي يقاتل الكثيرون دفاعاً عنه او طلباً للظفر به ما لا يجرؤون على مثله دفاعاً عن القدس او الارض المحتلة! وفي دول كدول عالمنا البائس الغلبان، تجد الكرسي هو سيد الموقف في كل مكان وزمان.. وفي كل موقع وميدان، وتجد الجالس عليه هو سيد القوم.. وهو صاحب الكلمة والقرار، وفي المقابل فإن من تخلى عنه الكرسي يبدو وكمن تخلت عنه الدنيا وضاع منه خاتم سليمان، فلا اسم، ولا ذكر، ولا احترام، ولا سلام، منبوذ كما المنبوذين في الهند، مغضوب عليه ممن ظلمهم ايام عزه وسلطانه، ومرفوض ممن ظن نفسه واحداً منهم او كبيراً مثلهم! اصحاب الكراسي عادة يرون (الديمقراطية) بدعة سخيفة، وتقليعة لا يصح الجري وراءها، لأنها لا تقتنع بمبدأ (الخلود) على الكراسي، ولأنها بموادها المتخلفة وبمبادئها المتشددة تحرمهم من متعة التسلط، وبهجة التجبر، ولذة الاستمتاع بمعزوفة النفاق اليومي التي تشنف اذان كل جالس على الكرسي.. طالما هو جالس على الكرسي، فهي بالنسبة لهم «هادم اللذات.. ومفرق الجماعات»!، وسبحان من له الدوام!!