بيان الكتب: يتألف كتاب «من التداخل إلى التفاعل الحضاري»، للدكتور مجدي يوسف من ثلاثة أبواب، أولها يطرح القضايا النظرية التي تعالج قضية التداخل الحضاري والاستقلال الفكري سعيا لمقاربة موضوعية ، لجدلية الأنا والآخر على المستوى الحضاري والثقافي، أما الباب الثاني ففيه يقدم الباحث نماذج ابداعية يكشف فيها مظاهر الاغتراب الثقافي الناتج عن عدم البحث عن الخصوصية والسمات المميزة للانسان والمكان والثقافة والحضارة. أما الباب الثالث من هذا الكتاب فهو يحتوي على مطارحات نقدية لاجتهادات عدد من الاسماء المعروفة في حياتنا الثقافية العربية لتجسد بالنفى المتجاور لما طرحه الباحث من مقترحات نظرية تناولت جدل الآنا بالآخر. والسؤال المطروح هنا: كيف يمكن ان تحقق المغايرة الابداعية الناجمة عن التأثير والتأثر في العلم الحديث وقوانينه «واحدة» ذات ثبات نسبي؟ ويجيب د. مجدي يوسف على ذلك بالقول: بأن المعرفة العلمية التخصصية، ومن ثم القوانين والآليات المؤسسة لها، تنبثق هي نفسها عن نسبية طبيعية ومجتمعية متباينة، ومن ثم فإن تغيرت شروطها الطبيعية والمجتمعية تحققت الامكانات الموضوعية لاكتشاف اضافات مهمة الى تلك القوانين «العامة» التي أجمع عليها في ظل ملابسات مختلفة، وقد تكتشف مسارات وحلول جديدة لاشكالات نابعة من خصوصيات محددة لم تطرأ ببال مدارس العلم المعترف بها «عالميا» من أمثلة ذلك خصوصية الأمراض السرطانية المترتبة على الاصابة المبكرة بالبلهارسيا في بلد كمصر مثلا، كما أن اختلاف أشكال الوعي والتنظيم الاجتماعي الذي تجري في اطاره هذه الأبحاث يلعب دوراً مهما في دفع البحث العلمي على نحو مغاير لتطوره في ظل شروط ثقافية واجتماعية مختلفة. فالتنشئة الاجتماعية للباحث ونسقه القيمي، سواء كان واعيا به أم غير واع، ليس بمعزل عن الشروط الموضوعية للتجربة التي يقوم بها في معمله. فالعلم الحديث ليس هو «العلم» في كل زمان ومكان، لا في شروط انتاجه ولا استقباله، انما تنبع نسبيته من اختلاف تلك الشروط. وبقدر الوعي بهذا الاختلاف الموضوعي تكون الاضافة «التراكمية» الى تراث العلم وطرقه البحثية الاجرائية كما أنه بمقدار الوعي بالأسس المعرفية العامة «الفلسفية» التي تقوم عليها افتراضات البحوث العلمية، ومن ثم الطرق الاجرائية المصممة للتحقق من مدى صدق تلك الفرضيات، باعتبار هذه الأسس الفلسفية للفرضيات العلمية ذاتها مواقف اجتماعية في صيغ فلسفية. وبمقدار انبثاق هذا كله عن خصوصية التربة المجتمعية الثقافية التي ينتمى اليها جيل الباحثين والعلماء بقدر مايتميز انتاجهم، ولا يكون ذلك التميز بمجرد اتباع أساليب بحثية غير مستنبطة من الاشكالات والعلاقات المطروحة والطبيعية موضوع البحث، انما يتم التجريد العيني عنها ليكتشف الباحث مدى اختلافها عن الاشكالات والحلول المطروحة في سياقات مغايرة، وهنا تقضى المقارنة الدقيقة الى اكتشاف واضافات يفرضها هذا الاختلاف الموضوعي، فالطابع التراكمي للبحث العلمي لا يلغي هذا التنوع بل ينهض في الأساس عليه. من الواضح أن الاعتماد على الذات يتراوح عندنا سلبا وايجابا في مختلف التخصصات. فبينما نجد مناهج البحث في بعض العلوم «الإنسانية» كعلم التاريخ مثلا، مازالت متأثرة في جوانب منها بتراث النقل والقفل عند العرب، اذ بطرق البحث في علوم الطبيعة ومعظم الفنون التشكيلية الحديثة تعتمد اعتمادا شبه كامل على مناهج البحث ومدارسه الغربية. ولا شك أن هناك بعض المحاولات الفردية للخروج من إسار هذه التبعية التي تعدت مناهج البحث الى «أسلوب الحياة»، ورؤى العالم، مما لا يطمس قدراتنا الابداعية واعتزازنا بأنفسنا وحسب، وانما يسهم بالمثل في افقاد الثقافات الشمالية السائدة عندنا. من أين نبدأ؟ أنجح السبل لتحقيق هذا الابداع الذاتي تتلخص أولا في المسح المنهجي النقدي لما آلت إليه اشكال التبعية في مختلف تخصصاتنا البحثية، ومن ثم الكشف عن أسباب هذه التبعية. فالأخذ النقدي الواعي عن الآخر اعادة تشكيل له،، أما التواحد اللاواعي به فمصيره الى التردي في أذيال التبعية. ولكن، كيف يتم ذلك الوعي باختلاف الذات موضوعيا حتى تكون مشكلة لما تستقبله بدلا من أن تصبح مشكلة به؟ أن الطريق الى ذلك لا يكون الا بالنقد المنهجي الاجتماعي الفلسفي لكافة التخصصات على نحو متواز مقارن لأن أغلب هذه التخصصات الدقيقة تم استزراعها في أرضيتنا الثقافية دون وعي واضح بالأسس الفلسفية التي قامت عليها في بلاد المنشأ، ولا بالمواقف الاجتماعية التي صدرت عنها تلك المدارس الفلسفية. فدون الوقوف على النظرية الفلسفية العامة للمعارف المتخصصة باعتبارها تأسيسا لموقف اجتماعي من نظريات وأنشطة فكرية وثقافية أخرى مناهضة لتلك النظريات العامة، لا يمكن فهم الأسباب التي أدت الى الطرق الاجرائية والمسارات البحثية بل والتقنيات التي تلجأ اليها التخصصات الدقيقة ينطبق ذلك على تقنية الرواية، كما ينطبق على الطرق المحاسبية في الاقتصاد، وعلى تقنيات سائر التخصصات. وانطلاقا من ذلك التجريد النسبي، نحاول أن نبسط مفهوم «التداخل الحضاري»، لتوصيف ماآلت اليه ثقافتنا العربية الحديثة، باعتبارها نموذجا للثقافات التي مازالت مهمشة في عالم اليوم، والتي تسعى مع ذلك جاهدة لأن تتخلص من هذا التهميش لتصبح فاعلة في الثقافة العالمية على أساس من الندية الحقة وبذلك يمكن «التداخل» السالب أن يتحول الى «تفاعل» موجب. وقد استعار الباحث مفهوم «التداخل الحضاري» من مفهوم «التداخل» في علم اللغة، وهو الذي يسعى الى توصيف «الاخطاء» أو الآثار السلبية المترتبة على استقبال نسق لغوي معين مغاير بدلالاته ونحوه وصرفه وصوتياته المختلفة. وقد استعار علم اللغة بدوره هذه المفهوم عن علمي الطبيعة والاحياء، وهما اللذان يستخدم فيهما التوصيف حالة «التشويش» الناجمة عن تداخل الموجات، أو اختراق جسم غريب لغشاء الخلية الحية بحيث يحدث تأثيرا سلبيا على الآلية المنظمة لوظائفها الداخلية، فتصبح عشوائية وتنقلب الى خلية سرطانية. تنحو اذن هذه الادارة المفاهيمية الجديدة الى الرصد النقدي لوضع التداخل الحضاري من منظور الثقافات المستقبلة وليست الوافدة. ذلك أن المنطلق المعرفي لهذا المصطلح في توصيفه لاتصال الثقافات الاجتماعية المختلفة انما ينحو الى رصد آليات الاستقبال اللاواعي، ومن ثم اللاعقلاني لانساق الثقافة الوافدة، لاسيما اذا كانت مهيمنة بهدف تحويل هذه الآليات اللاواعية الى حيل واعية تصدر عن الوقوف على الاختلاف بين الذات والآخر. قد يقول قائل - عندما يجد التنظير تحول الى تطبيق عيني - ماذا تريد لنا أن نفعل اذن؟ وهل تنكر تفوق الشمال على الجنوب علميا وتكنولوجيا؟ واذا كان الأمر كذلك، فلم الجدل فيما لا طائل من ورائه ونحن نعيش في عصر هيمنة النماذج البحثية الصادرة عن مجتمعات الشمال؟ والاجابة بسيطة فلا أحد يدعو الى مقاطعة التقدم البحثي في غيرنا من اقطار العالم، ولا سيما أقطار الشمال، بل الدعوة موجهة الى التعرف على نسبية السباق التاريخي الاجتماعي الذي أدى الى بزوغ حلول بحثية معينة تتعلق بإشكالات محددة فهي في نهاية الأمر تتصل باشباع احتياجات خاصة بالمجتمع الذي نشأت فيه تلك الحلول. ويستوجب مماسبق أن نخطط لبعثاتنا العلمية والبحثية في كافة التخصصات حتى لا تصبح مجرد نقل ميكانيكي تابع لمنجزات الآخرين، لذا يقترح الباحث مايلي: أن يخصص لطلبة البعثات، وجلهم في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، دورات بحثية - لانجاز بعثاتهم بدونها - فيتعرفون فيها بطريقة استقرائية على الأرضية الفلسفية لمناهج البحث وطرقها الاجرائية، وصلة هذه الأرضية الفلسفية بالعلاقات الاجتماعية في بلاد المنشأ، ومن ثم النسبية التاريخية المجتمعية للمكتشفات العلمية والفنية. أن يحاولوا التعرف في هذه الدورات البحثية على مظاهر التداخل بين الأنساق القيمية والمعرفية الوافدة والانساق المتولدة عن التراث الخاص ببلد الباحث في تحولات ذلك التراث القيمية والمعرفية في العصر الحديث، ثم يلى ذلك مقابلة بحثية دقيقة ومتواصلة لبنية مجتمع الباحث وانساقه القيمية والمعرفية الراهنة ببنية المجتمع الذي سيفد اليه الباحث وأنظمته المعرفية والقيمية، والهدف من هذا النهج البحثي التقابلي هو رصد الاختلاف الموضوعي بين كلا المجتمعين فبدءا بهذا الوعي بالاختلاف تكون القدرة على الاسهام النقدي الحقيقي، ومن ثم البحثي المتجاوز. ويضرب مثلا على ذلك «الباحث» استمده من كتاب «ماكسي فيبر» الاقتصاد والمجتمع فهو - أي فيبر - يقابل في كتابه هذا بين ثقافة التوجه الى داخل النفس «كرد فعل للمثيرات الخارجية» وهي الثقافة الغالبة في المجتمعات الشرقية - حسب رايه - بينما تتجه الثقافة السائدة في المجتمعات الغربية الى الافصاح الخارجي الملموس عن ردود الفعل النفسية للمثيرات الخارجية. وتأسيسا على تلك المقدمات النظرية يناقش الباحث نماذج عينية في المسرح المعاصر، والفنون التشكيلية عند مختار ويرصد كثيرا من المعارك الفكرية مع العالم المصري أحمد زويل عندما قدم مشروعه المعنون «بمراكز التميز» من أجل التخلص من اسار التبعية وهو في القلب منها. حيث أن الدكتور زويل يعلم أن التميز الحقيقي في المجتمعات الغربية الحديثة والمتقدمة يرجع الى ارتفاع مستوى التنظيم الاجتماعي المتميز والدقيق للعمليات الانتاجية، وبخاصة عمليات انتاج البحث العلمي، الذي هو جزء يتمخض عن التنظيم السائد للانتاج والاستهلاك في المجتمع الذي ينتمي اليه فالعمل الجماعي، أو روح الفريق في البحث العلمي ليس منفصلا في منطق تنظيمه عن التنظيم الاجتماعي العام الذي ينضوي في اطاره. أمين اسكندر