بيان الكتب: تدور الاحداث في رواية «وردة الصحراء» في امكنة عديدة ومتنوعة (عمان، زنجبار، الكويت، القاهرة) مما يثري مضمونها الفكري والفني، بخاصة وان الكاتبة تبحث وتفتش وتجمع من الذاكرة المكتوبة، والذاكرة المروية مما يجعلها تعيد بناء الماضي، كما كان بواقعه التراثي، ولا تكتفي بذلك بل تسترد الواقع المعاش وتنفخ فيه الروح لنتابع معها سيرة شخصياتها، كما وقعت، او كما اصبحت عليه في الخيال الروائي. تجري الوقائع في مطلع القرن الماضي، قبل الحرب العالمية الأولى بقليل وتختار الكاتبة ارض عمان مسرحا لسرد تطورات الاحداث عبر اجيال ثلاثة، تحمل الرواية عبء نقلها من جيل الى آخر في اطار حبكة فنية متقنة لا تنقصها الخبرة والمهارة والدراية. وللكاتبة فوزية السالم مشروعها الفني والثقافي، وهي في جل اعمالها نجدها مسكونة برصد حياة ابناء الخليج، تؤرخ لموروثهم الشفاهي ولعاداتهم وتقاليدهم ومعاشهم قبل ظهور البترول، وهي هنا في «وردة الصحراء «تؤرخ لحياة المرأة الخليجية على خلفية الواقع الاجتماعي والتراثي وتطور هذا الواقع عبر اكثر من نصف قرن لابراز دور المرأة الخليجية وكفاحها وهي تنتقل من حياة الفطرة والبساطة الى ان تأخذ دورها في التعليم والثقافة، لتكون رائدة في اخذ دورها داخل المجتمع الذي عاشت فيه. تستنطق الكاتبة الحضارة العمانية، ومن خلال البعثة الفرنسية المنشغلة بالتنقيب والبحث والتصوير، تزودنا الكاتبة بصورة متكاملة عن الطبيعة الجغرافية والبشرية والتراثية لشعب عريق في حضارته، حريص على استمراريتها.. عمان تاريخ يمتد الى آلاف من السنين وحضارة لا تزال تعيش وتمتد الى الحاضر ومن ثم المستقبل المنفتح وهو يستوعب تقنيات العصر ومنجزاته. كانت الملتقى التجاري والحضاري لقارات العالم ومازالت تفتح ذراعيها لكل جديد ولكن دون ان تفقد خصوصيتها واصالتها. تتمحور «وردة الصحراء» حول ثلاث شخصيات نسائية، يمثلن ثلاثة اجيال، وفي هذه الاجيال يكون الانتقال من مرحلة الى اخرى، وكل مرحلة تشكل انعطافا مهما في حياة سكان الخليج بشكل عام وحياة المرأة الخليجية بشكل خاص. ويكون ذلك من خلال رحلة فلسفية تدور في رحاب المعرفة والحرب والحياة والموت. عبر حبل سري، موصول ومترابط، يوصل الاجيال ببعضها فتكون الولادة والانبعاث والاستمرار. لايمكن فصل منطقة الخليج عن اية منطقة عربية، فهي ايضا لها تاريخها الحضاري العريق، يشهد على ذلك حضارة جزيرة دلمون والمدافن والقلاع والحصون الكثيرة المنتشرة في كل مكان على ارض الخليج، ولا يمكن لاحد ان يتناسى قصة كفاح الانسان الخليجي وصراعه مع البحر والجفاف والسفر الطويل من اجل بقائه واستمراره، وهذا ما تؤكده وتصر عليه فوزية السالم في «وردة الصحراء». .. الغربة والسفر والضياع والوحدة كانت سببا في انزلاق الشخصية الأولى في طريق الخطيئة بينما تكون الثانية ضحية العادات والتقاليد والتربية البالية مما يسبب شرخا وانكسارا في روحها.. انها انموذج للمرأة الشرقية المستلبة والمقموعة والمحاصرة بالخوف الدائم من ذلك القادم في عتمة المجهول. في الشخصية الثالثة، تبدأ مرحلة جديدة بالتكون والظهور اذ تخلق امرأة جديدة، وقد استفادت من تجارب سابقتيها ومن معطيات وتطور الحياة الاجتماعية، فتكون صورة عن المرأة الخليجية الجديدة، او بشكل ادق صورة عن الحياة في الخليج بشكل عام. اذ تلتحق «مزون» (بطلة الرواية) بالمعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت، بعد ان تخلصت من ارث الماضي المتجسد في امها وجدتها، وهناك تغدو امرأة اخرى، تتعرف على الحياة العصرية وتمارس النشاطات الثقافية، تحضر المعارض وتشارك في الحوارات الساخنة، لا بل انها تحاول ان تكتب مسرحية. وتمضي في الكويت ست سنوات، تصقل فيها شخصيتها الفنية والادبية، وهي ترمي وراءها الحياة التقليدية الرتيبة التي تعيشها بنات جنسها وبعيدا عن حياة الاخرين الذين يركضون وراء اسعار البورصة والربح وسباق السيارات، كما انها تتعرف فيها على «خالد الشهلان» الذي سيصبح زوجها وذلك بعد ان تتخلى عن غرورها وزهوها وتمردها الانثوي وسوف يتوج هذا الزواج بمأساة، عندما تجهض «مزون» ويلقى جنينها في احدى حاويات القمامة في القاهرة. تعالج الكاتبة احداثها بفنية عالية، بخاصة عندما تتوالى الانكسارات على بطلة الرواية فقد انعكست الازمة الاقتصادية التي مرت بها الكويت على وضع خالد المادي، مما ادى الى انهياره وعدم تماسكه، وهذا ماسينتهي عند نقطة استفهام كبيرة توصله الى حادث اصطدام عنيف يودي بحياته.. فلم يبق لمزون إلا ان تغادر الكويت الى مسقط وهي في اوج انهيارها النفسي، بينما تعاني الكويت من الازمة الاقتصادية واضطراب الاوضاع الداخلية، فقد تعطل الدستور وحل مجلس الامة واعلنت الرقابة على الصحافة. تفتح فوزية السالم اربعة ابواب وهي تكشف الحجب عن عالم الحريم في الشرق.. باب الميلاد وباب الحب، وباب المعرفة، الى باب الموت، وهي اذ تدخلنا في كل باب من هذه الابواب تفتح لنا عالما جديدا مطرزا بالفن الشرقي، نتعرف فيه على المرأة من الداخل، فيه الاساطير وفيه السحر والشعوذة وحرق البخور وطرد الجان، وضحية ذلك المرأة التي تعيش بين الخوف والتردد والشك والحصار والقدرية وبين التفتح والجرأة والجسارة والطموح والارادة والمغامرة. «وردة الصحراء» رواية المرأة الخليجية وهي تحاول ان تشق جدارا اسود سميكا لتقف الى جانب نساء العالم، مزودة بارث تاريخي طويل، عن معاناتها لاثبات وجودها وها هي اليوم تحصل على الثقافة وتدخل الجامعة لتتعلم وتطالب بحقوق المرأة المثقفة المتنورة الآخذة بأسباب الحضارة والتفتح والرقي لتساير المرأة في المجتمعات الأخرى. فيصل خرتش