بيان الكتب: يأتي كتاب «اتجاهات الشعر العماني المعاصر» في الوقت الذي بدأت تشهد الحياة الادبية والثقافية في عمان، اهتماما متزايدا بالحركة الشعرية والبحوث الاكاديمية. وقد حاول المؤلف: «شُبّر بن شرف الموسوي» البحث والتقصي حول ثلاث نقاط او محاور يدور حولها هذا البحث او هذه الدراسة الاولى التي تتعرض للشعر العماني واتجاهاته الفنية في العصر الحديث. المحور الاول. عن انواع الاتجاهات الشعرية الفنية الممكن استنباطها من واقع التجربة العمانية المعاصرة، والثاني: ما مدى تطابق هذه الانواع مع نماذج الاتجاهات الشعرية المعروفة في العالم العربي، ومدى تأثر الشعراء العمانيين بالتجارب الشعرية العربية؟ والثالث: هل حققت التجربة الشعرية العمانية تميزا في اتجاهاتها الفنية؟ وقد عرض المؤلف صورة واضحة لاصداء البيئة العمانية في هذه الاتجاهات الشعرية، مع ربط تلك المراحل بحركة الشعر في بقية الوطن العربي، هذا بالاضافة الى مراحل التطور التي شهدتها حركة الشعر العماني خلال الفترة «من عام 1970م وحتى عام 1995م»، والاتجاهات التي تمخضت في هذه الفترة وهي: الاتجاه الكلاسيكي والرومانسي والواقعي واتجاه قصيدة النثر. قسم الباحث والناقد العماني «شُبّر الموسوي» هذه الدراسة الى مقدمة واربعة فصول. في المقدمة قام برصد الواقع الشعري في عُمان قبيل عام 1970م مع دراسة طبيعة التجربة الشعرية لابراز الظواهر الفنية والموضوعية التي تميز بها الشعر العماني خلال فترة الستينيات، ومظاهر التجديد والتعبير عن الحنين وعن ذاتية الشاعر وهمومه والاهتمام بالقضايا القومية والعربية وتأثر الشعراء العمانيين بالشعر العربي وموسيقى الشعر في هذه الفترة وحركات التجديد. في الفصل الاول: قام الباحث بدراسة الاتجاه الكلاسيكي في الشعر العماني المعاصر والذي يعد امتداداً لحركة الشعر في الفترة السابقة، وتتبع الظواهر الموضوعية والفنية فيه، ثم انتقل الى دراسة بناء القصيدة الكلاسيكية والصورة الشعرية والموسيقى مع رصد مدى تأثر الشاعر العماني بحركة الشعر الكلاسيكي في الوطن العربي، ومحاولة التعرف على مظاهر التجديد التي قام بها الشعراء الكلاسيكيون في عمان وينتهي الى خلاصة مفادها: «كان لاتصال هؤلاء الشعراء بالعالم العربي ـ الذي كان قد سبقهم الى التطور». عن طريق الرحلة او القراءة ـ «اثر بالغ في تطور رؤيتهم الفكرية ومعجمهم الشعري». وقد تتبع الباحث بوادر التجديد لدى شعراء هذا الاتجاه وتأثرهم برواد الكلاسيكية الجديدة في مصر والعالم العربي، ثم تأثرهم برواد الرومانسية واخيرا تأثرهم برواد الشعر الحر ومحاولتهم كتابة هذا الشكل الشعري والخروج من اطار القصيدة الكلاسيكية والشعر العمودي. وخصص الباحث الفصل الثاني: لدراسة حركة التجديد خاصة الاتجاه الرومانسي، ويشير الى انه مع بروز الاتجاه الرومانسي في عُمان حدث تغير تام في التجربة الشعرية العمانية شكلا ومضمونا، فأصبحت تعبر عن رؤية الشاعر لذاته وانعكاسها على قضايا المجتمع والعصر، وتختلف كلية عن رؤية شعراء التيار التقليدي، وغدت لغة الشعراء اكثر قربا من روح العصر تعبر عن ذوات الشعراء في مفردات وصور تستمد من بيئتهم كالبحر والصحراء والمروج الخضر ولم يعد الشعر في عمومه مدحا وهجاء ورثاء بالمعنى التقليدي، بل اصبح يعبر عن رؤية الشاعر لوجوه الحياة وتجاربها من خلال ذات الشاعر، كما عرضت الدراسة من خلال هذا الفصل وصف مظاهر الطبيعة والتجربة العاطفية وتجربة الاغتراب في الشعر الرومانسي والبناء الفني للقصيدة والوحدة العضوية ومعجمها اللغوي والصورة الشعرية والموسيقى. ويدور الفصل الثالث: حول دراسة الاتجاه الواقعي ورصد قضاياه وظواهره مثل موقف الشعراء من المدينة وقضايا الوطن العربي واستخدام التراث واستدعاء الشخصيات العربية والعالمية، يقول الباحث : «تعد تجربة الشعر الواقعي في عُمان من التجارب الشعرية البسيطة جدا، ويبدو أنه لا يزال في طور النمو والتطور، وقد بدأ من خلال تطور قصائد الاغتراب الرومانسية واتجاهها الى تبني قضايا المجتمع، داعية الى العدالة وتحقيق المساواة، وتصوير واقع المجتمع بروح مليئة باليأس والقنوط» ص 242 ثم يشير الباحث الى تداخل الازمنة الشعرية وقصر مدة التجربة الواقعية في عُمان، قد أدى إلى تداخل التجربة الواقعية مع بقايا الرومانسية ولهذا يرى ـ الباحث ـ في القصيدة رؤى متعددة واساليب مختلفة بين المفاهيم الرومانسية والواقعية وان القصائد التي يمكن ان تنسب الى الشعر الواقعي قليلة مقارنة بالشعر الرومانسي والكلاسيكي. ويكثر الشعراء الواقعيون الحديث عن المدينة والتذمر من احوالها، فهي تمثل لهم رمز المدنية الحديثة بكل مساوئها، وقد يلجأ بعض الشعراء الى تضمين قصائدهم بعض قصص التراث العربية القديمة او الاشارة اليها في نوع من الرمز، الى بعض القضايا التي لا يستطيعون الحديث حديثا مباشرا، وتستحوذ قضية الشعب الفلسطيني على قدر كبير من اهتمام الشعراء العمانيين، فيعبر اكثر الشعراء العمانيين عن موقفهم ازاء محنة الشعب الفلسطيني وعن كفاحه لاسترداد حقه المغتصب والانسان العماني يبقى جزءا من هذا الوطن العربي الكبير، يتفاعل مع مجمل القضايا التي تحدث على الساحة العربية. الفصل الرابع: اتجاه قصيدة النثر. ويتم في هذا الفصل دراسة اتجاه قصيدة النثر، من خلال دراسة رؤية قصيدة النثر لدى كبار منظريها، واعتماد شعرائها على السياق غير الواضح للقصيدة والغموض، وتفكك العبارة، والجرأة على اللغة، والجرأة على الاوزان والايقاع، واستخدام المقاطع النثرية داخل النص الشعري، ثم يتحدث الباحث والناقد العماني «شبر بن شرف الموسوي» عن اتجاه قصيدة النثر في عمان: «من الاتجاهات الشعرية الحديثة جدا، وهو اتجاه له اتباع ومؤيدون داخل حركة الشعر العماني الحديث، وكان لابد من الاشارة اليه ضمن هذه الدراسة ـ كما يقول المؤلف ـ حتى تكون شاملة لكل اتجاهات الشعر العماني المعاصر» ص 263. ويشير الى «تبني شعراء قصيدة النثر في عُمان كل مفاهيم ورؤى رواد الحداثة وشعرائها في مجلة شعر وطبقوها في قصائدهم، ونستطيع ان نلمس في هذه القصائد كثيرا من عناصر الحداثة ومفاهيمها حسب رؤية الحداثة عند شعراء قصيدة النثر، حتى اصبحت اكثر قصائدهم نسخا مكررة من قصائد النثر العربية الاخرى» ص 271 . وقد عرض الباحث في هذا الفصل لبعض الظواهر الموضوعية والفنية لنصوص هذا الاتجاه، نحو تصوير مظاهر القلق والتبرم من الحياة والحزن وارتباط اللغة بالغموض، واستخدام الرمز والصورة الشعرية وانقسام اتجاه قصيدة النثر في عُمان الى مستويات ومراحل متفاوتة في التجربة والفن، المستوى الاول: يتمثل في ثلاثة من الرواد هم: «سيف الرحبي وزاهر الغافري وسماء عيسى» وتتشابه تجربة هؤلاء من حيث الهجرة والاقامة خارج عمان لفترات طويلة في مختلف البلدان العربية والاوروبية ثم العودة الى عُمان، وقد بدأوا في نظم الشعر الموزون ثم تحولوا بعد ذلك الى كتابة قصيدة النثر. وفي المستوى الثاني: يبرز عدد من الشعراء الشباب الذين درسوا خارج عُمان وهم: «محمد الحارثي وعبدالله الريامي وصالح العامري وناصر العلوي وطالب المعمري». ولكنهم لم يجربوا الهجرة من عُمان، وقد بدأ أثنان منهم ـ محمد الحارثي وصالح العامري ـ في نظم القصيدة العمودية ثم قصيدة التفعيلة، ثم اتجها بعد ذلك لكتابة قصيدة النثر، اما بالنسبة للآخرين فانهم بدأوا كتاباتهم مباشرة في اطار قصيدة النثر. ويأتي بعد هؤلاء الشعراء مستوى الكتابة النثرية المفتوحة التي تتسع لعدد كبير من الاسماء التي بدأت في الكتابة النثرية مباشرة دون ان يكون لهم أية تجربة عميقة في الكتابة او حتى ثقافة شعرية، وتبدو المسألة بالنسبة اليهم مسألة تقليد واستسهال لعملية الكتابة النثرية، ولذا فان نصوصهم مجرد استنساخ للنصوص النثرية الاخرى ولا تختلف عنها الا في تكريسها لمزيد من الغموض والطلسم . ص 272. والخلاصة التي توصلت اليها هذه الدراسة : ان الشعر العماني المعاصر في جانبه الكلاسيكي كان شديد المحافظة والتقليد ، وان هؤلاء الشعراء مازال لشعرهم بعض الامتداد في الشعر المعاصر وقد حاول بعضهم تطوير شكل قصائدهم بحيث تناسب الذوق العام وحاول بعضهم كتابة الشعر الحر كنوع من التجديد في نظم القصيدة. الا ان روح الشكل القديم ومضامينه ظلت مسيطرة على نظمهم الشعري بشكل كبير، وتوصلت الدراسة ايضا الى ان الشعر الحديث لم يكن بمعزل عن نظائره في شعر الدول العربية الاخرى، وعلى الرغم من تأخر حركة التحديث في الشعر العماني فإن الشعراء استطاعوا ان يضيقوا الفارق الزمني بين تجربتهم الحديثة وحركة التجديد الشعرية التي سادت العالم العربي. وأظهرت الدراسة ان شعراء قصيدة النثر في عُمان ينقسمون الى قمسين رئيسيين ، قسم من الشعراء تبنوا كل المفاهيم والرؤى الحداثية العربية والغربية في نصوصهم النثرية، وقسم آخر من الشعراء حاول التركيز على نقل الصور والرموز والدلالات العمانية والعربية والاحتفاظ بمفردات تبرز الرموز والدلالات العمانية في نصوصهم، وبذلك ظلوا على اتصال بعالمهم الابداعي الاول، وامكنة نشأتهم، ومرجعيتهم الفكرية العربية، ص 302.