تشكل الاراضي العامة الامريكية جزءاً من امريكا لا يكاد يعرفه احد، اذ يصوره من يعتقدون انهم يعرفونه على انه افق من الأراضي الطبيعية مفتوح على عظام جافة ومتعفنة بأغصان نبات المريمية المصنوعة وبأكوام الاعشاب الضارة. لكن هذا الوصف لا يجسد شيئاً من معالم الصورة الحقيقية، فهناك الجبال ذات القمم الثلجية والشواطئ المعزولة عند حافة البحر والغابات المطيرة الخضراء والمروج المفعمة بازهارها كأنها باقة ازهار موضوعة عن رأس عروس. انه ذلك الجزء المشاع من املاك «العم سام» اي الارض التي تحتضن وقفاً تصل مساحته الى حوالي واحد الى ثمانية من مساحة الولايات المتحدة بأكملها، وهو عبارة عن 250 مليون فدان فيدرالي لا يخضع لسلطة دائرة خدمات المتنزهات الوطنية او خدمات الحياة البرية والثروة السمكية الامريكية او خدمات، الغابات الامريكية، بل يدار تحت اشراف وكالة محدودة في الموظفين والميزانية لا تحظى بتقدير الكثيرين، وتعرف اختصاراً بالحروف الأولى «بي إل إم». «بي إل، ماذا؟» هذا هو السؤال الذي طرحته سائحة في احد مطاعم كولورادو، ورد عليها زميلها انه «مكتب ادارة الاراضي التابع لوزارة الداخلية، وبعض الاشخاص يطلقون عليه اسم مكتب الماشية والتنجيم». ولماذا هذه التسمية؟ انطوى عمل المكتب في السنوات الماضية على منح الرخص التجارية المتعلقة بمبيعات الاخشاب او السماح بالرعي او عقود ايجار مناجم المعادن. غير ان قيم المكتب واولوياته اخذت منحى اخر خلال السنوات الاخيرة فهو يضع نصب عينيه الان ثلاث اولويات، هي اعادة احياء الارض واستعادة المراعي والمحافظة على المصادر. ولكن ما الذي يريده هذا المكتب «او الوكالة» بالاضافة الى شئون الاخشاب والرعي والمعادن على ثمن المساحة الامريكية؟ الواقع ان مهامه الاساسية تشكل جزءاً من ادارة مصادر مائية وبرية وبينها: خمس عشرة منطقة جبلية قومية تم تصنيفها جميعاً باستثناء واحدة فقط خلال الفترة الرئاسية الثانية للرئيس السابق بيل كلنتون. اربع عشرة محمية قومية كما خول بذلك الكونجرس الامريكي. مئة وثماني واربعون وحدة من نظام حماية البرية القومية و 600 منطقة أخرى لاتزال قيد الدراسة لاغراض التصنيف. تشكو الوكالة وأراضيها على الرغم من تتالي سمعتها كأحد حماة المناطق الخاصة من «ازمة الهوية». اذ يقول رون فلوز، المدير الميداني لمنطقة باكرزفيلد في كاليفورنيا: «لا يعرف الناس من نحن ولا ماذا نفعل. والمصادفة هنا هي ان مكتب ادارة الاراضي هي اكبر مدير اراضي في امريكا وذلك في ضوء المساحة التي يديرها». واذا قدرت للمرء زيارة بعض هذه المناظر الطبيعية القومية، ليطل على بعض الاماكن البرية في شمال كاليفورنيا، فإنه سيجد نفسه واقفاً على حافة المحيط الهادئ حيث يشاهد الامواج المتكسرة تضرب بعنف هلالاً جارفاً طويلاً من شاطئ رملي اسود. ويطلق الناس هناك على هذا الساحل اسم «الساحل المفقود» بسبب بعده وعزلته عن الطريق الساحلي العام رقم 1. والى الخلف من هذا الشاطئ تلوج للعيان المخدرات الدغلية التي تتصاعد صوب حمم تتوجها «كينجة بيك» التي يبلغ ارتفاعها 4000 قدم، ومن وراء تلك القمم تشمخ غابة مطيرة من اشجار تنوب دوجلاس القديمة، وهي صنف من الاشجار الصنوبرية، وهنا ايضاً يجسد ممر الساحل المفقود، الطريق المار عبر الجبال الى وادي هيدين او الوادي الخفي. يعتبر مفهوم الوقف العام مفهوماً يتزاحف في عمره مع الولايات المتحدة نفسها، فجذوره التاريخية ترجع الى وقت تخلت فيه المستعمرات الاصلية عن حوالي 240 مليون فدان للحكومة الفيدرالية تقع ما بين جبال الابالاشيان ونهر الميسيسبي. وكانت تلك مساحة ذات شأن، ولم تتوان الحكومة لحظة عن وضع خطة للتصرف بها. وبعد ان توسعت الاراضي الامريكية غرباً، اصبحت الحكومة الفيدرالية الامريكية مالكة لما يربو على 1.8 مليار فدان، عندئذ وقع الرئيس ابراهام لنكولن عام 1862 «قانون هومستيد» ليحقق بعضاً من حلمه الملازم له بأن تلجأ الجمهورية الى تقسيم «الاراضي البرية الى قطع اراض ليستطيع كل رجل فقير الحصول على بيت له». وبحلول عام 1900، استحق اصحاب المنازل حوالي 80 مليون فدان، كما ذهب اغلب الوقف العام الى طرق السكك الحديدية. وفي منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين، صادق الكونجرس على «قانون تايلور للرعي» بغلق معظم الاراضي العامة المتبقية امام الاستيطان وبتشييد مناطق رعي تشرف عليها الحكومة الفيدرالية، غير ان الاشراف الحكومي تراجع خلال الحرب العالمية الثانية طالما ان لحم العجل كان ضرورياً للجهد الحربي. واخيراً وتحديداً في عام 1946، اندمجت الوكالتان المسئولتان عن الاراضي العامة، وهما مكتب الاراضي العامة ومكتب خدمات الرعي لتشكيل وكالة واحدة، هي مكتب ادارة الاراضي (بي. إل. إم). مالك فاضل