بيان الكتب: اصبح مصطلح ما بعد الحداثية من المصطلحات الشائعة في الكتابات الأدبية والفنية، لكنه برغم شيوعه فهو من أكثر المصطلحات غموضا لا بالنسبة للقارئ غير المتخصص فحسب، بل حتى بين الكُتاب والنقاد الذين يستخدمونه، فهو مثار جدل وخلاف في مدلوله وفي تفسيره، ويسعى الكتاب إلى محاولة استجلاء مفهوم ما بعد الحداثية بكل ظلاله الكثيفة والمتضاربة وتتبع تاريخه والجدل الذي أثاره ومازال يثيره، ويمضي نحو كشف المتناقضات والمفارقات الفكرية التي ينطوي عليها في علاقته بالنقد من ناحية وبالممارسة الفنية من ناحية أخرى، ويركز الكتاب على تجليات تلك الظاهرة في مجالات الرسم والنحت والأدب والتصوير والرقص والمسرح، ويقدم وصفا تفصيليا لكثير من التجارب المهمة في هذه الفنون، ويرصد ملامحها المشتركة التي تشكل فيما بينها ما أصبح يعرف بأسلوب ما بعد الحداثية متجاوزا في ذلك عن السمات الشكلية وصولا إلى الخصائص العميقة والتوجه الفكري والحساسية الفنية ورؤية العالم التي تولد هذه الخصائص. كما يسعى الكتاب لإبراز البعد السياسي المتأصل في ظاهرة ما بعد الحداثة والذي يتمثل في خلخلة وتفكيك الخطاب السائد في كافة المجالات دونما ارتباط بأيديولوجية معينة، وهذا ما دعى البعض إلى اتهام ما بعد الحداثية بأنها دعوة إلى الفوضى وتقويض القيم وهدم التراث دون التفات إلى أهميتها كسلاح لمناهضة الهيمنة والتسلط والتعنت والأحادية. وإذا سلمنا بأن الحداثية Modernity هي حالة وتوجه فكري فحواها أن تاريخ تطور الفكر الإنساني يمثل عملية استنارة مطردة، تتنامى وتسعى قدما نحو الامتلاك الكامل والمتجدد (عبر التفسير وإعادة التفسير) لأسس الفكر وقواعده، والحداثية بهذا المعنى تتميز بخاصية الوعي بضرورة تجاوز تفاسير الماضي ومفاهيمه والسعي الدائب نحو استمرار هذا التجاوز في المستقبل وذلك لتحقيق الادراك المطرد عمقا بالأسس الحقيقية المتجددة التي تبطن الممارسات الإنسانية في مجالات العلوم والفنون والأخلاق كافة. لكن تفسير مصطلح ما بعد الحداثية في هذا السياق يضعنا بإزاء مفارقة محيرة تعني «تجاوز التجاوز» وتعني في التحليل الأخير ترسيخ مفهوم الحداثية الذي يسعى المصطلح الجديد إلى نفيه وتجاوزه، ويطعن في حقيقة الأمر في مصداقية التوجه الحداثي نحو المستقبل وفي سعيه الدائب المتجدد لإعادة اكتشاف أسس الفكر والممارسة الإنسانية. وهكذا يمكننا إدراك عناصر التوتر والقلق التي تكتنف المضمون وتغلفه بالغموض. ومن ثم يمكننا اعتبار خطاب ما بعد الحداثة وابداعها الفني محاولة لتفكيك وكشف ادعاءات الشرعية التي تطرحها الحداثية، وعليه فإن تيار ما بعد الحداثية لا يتحرر تماما من تيار الحداثة، بل ان الحداثية هي الأرض التي تقف عليها ما بعد الحداثية، وتشتبك معها في الحوار والجدل. ولقد شهد تاريخ الفن الحديث عددا من التحولات والانقلابات على ضوء الصراعات الفكرية التي يمكن قراءتها باعتبارها كفاحا يسعى عبر تصادم الآراء والمزاعم إلى الكشف عن شروط الفن الجذرية وقيمه الأساسية. لكن هذا النشاط ذاته على ضوء المسعى ما بعد الحداثي يصبح بالضرورة معارضا ومناهضا لكل محاولات التعريف والتصنيف التي لا غنى عنها في أي رصد عام أو شرح توجيهي لملامح فن ما بعد الحداثية بأشكاله المنوعة ودلالاته المتعددة، وهكذا نقع من جديد في مفارقة ساخرة أمام مطلب تحديد وتعريف خصائص فن يقوم على رفض كل التصنيفات! وهكذا يمضي الكتاب عبر سلسلة من المراوغات القلقة المتقلبة على التعريفات والقواعد والتي تتسم بطابع مسرحي واضح. ويضطر الكتاب عوضا عن الاستجابة لتحدي التعريف والتصنيف إلى التزام أسلوب عمل يلخص فيه ويعرض القراءات النقدية المختلفة لفن ما بعد الحداثة ولتجلياته المختلفة في المجالات المتعددة. فاروق خلف