«خياط بنما» tailar of panama يعد من الافلام التي تنتمي الى الكوميديا السوداء او بعبارة اكثر وضوحا فيلم يصنع من مآسينا اضحوكة، وان كان الفيلم بالنظرة العادية اليه، يمكن ان يدخل ضمن افلام الجاسوسية، او افلام الحرب الباردة الا انه يقدم تشريحا عميقا لعلاقة القوة الكبرى ومايليها من قوى دولية، بدول العالم الثالث او النامي او الدول التي تحاول ان تصمد امام هجمة التذويب العالمي، اذ يمكننا ان نضم الفيلم الى شريحة الافلام السياسية وان كانت المعالجة امريكية، وبذلك نضحك اكثر لان دساس السم يفصح عن نفسه ويعلن بصوت عال «انتبهوا انا قاتلكم». قصة الفيلم تتميز بحبكة درامية جيدة وتسلسل منطقي للاحداث وان كانت لم تتخلص بعد من «قيمة البطل الخارق الذكاء، مذيب قلوب النساء الذي يأتي بأفعال لا يمكن ان يعارضها احد والذي يصل لهدفه دونما مجهود يذكر وكأنه يمارس احد الالعاب المسلية في وقت فراغه وبالطبع اشير هنا الى دور «اندي اوسنارد» الذي لعبه الممثل الامريكي بيرس بروسنان، فيما عدا ذلك جاء تكوين الشخصيات مناسب جدا للقصة، خاصة دور خياط بنما «هاري بندل» الذي اداه الممثل المتميز جيوفري راسن وهذا الفنان كان من المفترض ان يكتب اسمه اولا في «تترات» الفيلم او أفيشات الدعاية، لانه قدم دورا مركبا وبمنتهى البراعة فكان هو البطل بحق، بينما لم يقدم بيرس بروسنان شيئا يليق به ورغم انه يلعب دور جاسوس بريطاني الا انه كان يؤدي دوره بشكل راعي البقر او «الكابوي» الذي عفى عليه الزمن ولم يعد هناك مبرر لاجبار اي مشاهد سينما ان يرغم نفسه على متابعته. الفيلم يدور حول اندي اوسنارد الذي يعمل لحساب المخابرات البريطانية حيث يتم تكليفه بمهمة في بنما بعد ان سلمت امريكا ادارة قناة بنما للحكومة البنمية وبالتالي تحاول كل دولة كبرى ان تضع قدمها في المنطقة لحماية مصالحها او البحث عن مبرر لعودتها مرة اخرى، ومن هنا تتفق امريكا وبريطانيا على ارسال أوسنارد للقيام بهذه المهمة، وفي بنما يعرف أوسنارد «هاري بندل» المواطن البريطاني الذي يعيش في بنما ويعمل خياطا للبدل حيث يذهب اليه علية القوم وكبار المسئولين في بنما لتفصيل بدلهم، وفي الوقت الذي يدعي فيه بندل انه ينتمي لعائلة عريقة في بريطانيا، يعلم أوسنارد حقيقة امره حيث انه ينتمي لعائلة فقيرة وانه تم سجنه من قبل وتعلم الخياطة في السجن، كما ان بندل على علاقة وثيقة باثنين من معارضي الرئيس الطاغية القديم «نورييجا» واللذين ذاقا مر العذاب في سجونه وهما «مارتا» التي تعمل معه في الاتيليه والتي لعبت دورها ليونافاريلا و «مايكى أبراكساس» الذي لعب دوره بريندان جليسون ومتزوج ايضا من لويزا التي تعمل في ادارة القناة البنمية، والتي تلعب دورها «جايمي لي كورتيز». ومن هنا يبدأ أوسنارد في نسج خيوطه حول بندل المشهور بثرثرته وكذبه الكثير الذي يورطه في العمل مع أوسنارد وامداده بمعلومات عن طريق زوجته دون ان تدري كما يتورط صديقاه معه، وبذلك يلعب أوسنارد لعبته حيث انه من خلال بندل وأبراكساس ومارتا يوحي للمخابرات الامريكية والبريطانية ان هناك معارضة صامتة في بنما وانها تزداد يوما بعد يوم وان على امريكا وبريطانيا امداد هذه المعارضة الصامتة بالمال لتقويتهم حتى يكونوا تحت امرهما عند انقلابهم على الحكم الحالي وجلوسهم على كرسي الحكم في بنما، في الوقت الذي لاتوجد اية معارضة صامتة فمارتا مهزومة مما حدث لها في سجون نورييجا وتشويههم لوجهها وأبراكساس تحول الى سكير ومديون ومحطم وبندل يحاول ان يسدد ديونه وديون اصدقائه من خلال هذه اللعبة دون ان يدري ان هذا سيؤدي الى انتحار ابراكساس خوفا واهتزاز علاقته بزوجته. في النهاية نجد أوسنارد هو الفائز الوحيد فهو الذي فاز بخمسة عشر مليون دولار وهرب بها الى سويسرا، بينما ادت لعبته الى ضرب الطائرات الحربية لبنما معتقدين ان هناك انقلابا ما. وهنا تتجلى اللعبة فمقررات الشعوب اصبحت في ايدي النصابين والمحتالين فتترك الطائرات لضرب دولة دون التأكد من الحقيقة وبناء فرية من نصاب، لتضيء في عقولنا احداث ضرب العراق المتكرر وكذلك ليبيا والسودان دون مبرر، فنضحك على المآساة التي نعيشها مع بنما. لقد كان الفيلم جيدا جدا خاصة في اسلوب اخراج جون بورمان الذي وفق في اختيار اماكن التصوير وان كان يعشق استخدام حركة سريعة للكاميرا من منظر لآخر مما يؤدي الى افقاده المشاهد للتركيز خاصة وانه يستخدم مع هذه الحركة مؤثرات صوتية عالية. وكما ذكرت من قبل لعب الممثل القدير جيوفرى راسن دوره بحرفية عالية ملفته للانتباه مما جعل بيرس بروسنان مطفيا من الصعب الالتفات اليه رغم كل الحركات الاستعراضية الذي يصر عليها وكأنها منهج لا يمكن ان يحيد عنه رغم ان عمره تجاوز مرحلة الجيمس بوند الذي يحطم قلوب العذارى، جاء أداء جايمي لي كورتيز هادئا ومقنعا كذلك بريندان جليسون الذي قدم شخصية السياسي المهزوم الذي افقده السجن والتعذيب انسانيته وقدرته على الحياة. في النهاية يمكن ترشيح الفيلم لمشاهدي الامارات، خاصة وانه يعرض في سينمات الدولة الان ولكن بشرط ان يدخلوه على اساس انه فيلم سياسي.