بيان الكتب: يعمل فريدريك بيجبيدر ناقداً ادبياً في عدة مؤسسات اعلامية فرنسية، بعد ان كان قد عمل لسنوات في احدى المؤسسات الكبرى للاعلان والدعاية وكتب عن هذا العالم ـ الدعاية والاعلان ـ رواية تحت عنوان «99 فرنك» لاتزال منذ نشرها عام 2000 وحتى الان في قائمة الكتب الاوسع انتشاراً في فرنسا ـ كان «بيان الكتب» قد قدّم هذا العمل في احد اعداده السابقة ـ وللمؤلف عدة روايات اخرى منها «مذكرات شاب يعاني من السأم» و«عطلة في حضن الغيبوبة ـ الكوما». و«الحب يدوم ثلاث سنوات» و«99 فرنك»... الخ. في الوقت الذي لم تخمد فيه بعد الضجة التي اثارها نشر رواية «99 فرنك» في العام الماضي يخرج المؤلف «فريدريك بيجبيدر» بكتاب جديد يثير هو الاخر الكثير من التعليقات. ان المؤلف، وخبير الدعاية والاعلان السابق. يعيد قراءة الكتب الخمسين الاكثر شهرة، حسب تصنيفه اعتماداً على معطيات احصائية وغيرها، ثم يقوم بعد اعادة قراءتها بـ «توزيع الجوائز» على هواه وحسب قراراته «الجماعية». وبالاعتماد ايضا على التجربة التي عاشها المؤلف عبر الانتقال من عالم الدعاية والاعلان الى عالم الادب. هذان العالمان اللذان تبدو الهوة بينهما احياناً سحيقة وعميقة الى درجة استحالة «العبور» من احدهما الى الاخر.. ولكن يبدو في احيان اخرى ان الفاصل بينهما لا يتعدى سمك ورقة لفافة تبغ. واذا كان فريدريك بيجبيدر ـ قد خاض تجربة العبور «المستحيل» تلك في رواية «99 فرنك» فإنه في هذا الكتاب يحاول الاجابة عن سؤال قد يمكن صياغته بالشكل التالي: كم يساوي الادب؟ نقطة الانطلاق في هذا العمل الجديد تتمثل في احصائية قامت بها مكتبة «فناك» الباريسية الشهيرة ـ التي يضاهي صف الذين يقفون لدفع ثمن الكتب التي اشتروها ما تعرفه «السوبرماركت» في بلدان اخرى ـ بالاشتراك مع صحيفة «لوموند» الباريسية. وتكمن فكرة هذه الاحصائية في الطلب من ستة الاف فرنسي يؤمّون المكتبة لشراء ما يقرأونه تحديد «كتب القرن» الخمسين. وكان الاول في القائمة هو رواية «الغريب» لالبير كامو يليه «في البحث عن الزمن الضائع» لمارسيل بروست وحيث يحتل كتاب «ناجا» المرتبة الخمسين، اي الاخيرة، لمؤلفه اندريه بروتون، مؤسس المدرسة السريالية في الادب. وما بين هاتين المرتبتين هناك عناوين شهيرة مثل «المغنية الصلعاء» لاوجين يونسكو و«اسم الوردة» لامبرتو ايكو و«ارخبيل الفولاق» لالكسندر سوليجنستين. هذا التصنيف لا يهم كثيرا فريدريك بيجبيدر ـ الذي يبدأ بـ «قراءة» الكتب الفائزة انطلاقا من «ناجا» لاندريه بروتون صاحب الرقم «50» في الخمسين كتابا الاكثر قيمة بنظر الذين شاركوا في عملية استطلاع الرأي حول هذا الموضوع. هذا التصنيف لا يهمه لكنه يقدّم بالوقت نفسه قراءته الخاصة بكثير من «الاحساس بالعظمة» وبالتواضع بالوقت نفسه. انه لا يتردد في القول بأن رواية «فرانسواز ساجان» صاحبة الترتيب 21 في القائمة والتي تحمل عنوان «اسعدت صباحا ايها الحزن» انما تجسد في المقطع الاول منها فقط كل شخصية هذه الروائية ذات الشهرة الكبيرة. ويرى بأن «اندريه بروتون» صاحب رواية «ناجا» المنشورة للمرة الاولى عام 1928 ثم اعيد النظر فيها وتنقيحها عام 1963، قد تعمد نشر صور لباريس كي يتجنب وصفها.. فأين تكمن السريالية في هذا؟ ثم يضيف بصيغة حكم عام على «الكتب العظيمة» قوله: «ان الكتب العظيمة مثل الحب تجعلنا نرى العالم بشكل اخر، ويرى بأن قراءة «ناجا» لاندريه بروتون تخلق فينا الشعور نفسه، هذا لا سيما وانه، اي بروتون، قد فهم بـ «أن الواقع مكان لا يكفي للمبدعين من الكتاب». اما عبقرية «اجاثا كريستي» فإن فريدريك بيجبيدر يجدها عبر قراءته لروايتها مقتل روجيه اكرويد في انها اكتشفت، مثل مؤسس السريالية اندريه بروتون، ذلك الجنون المخفي والعنف المنقّب وراء المظهر المؤدب والحضاري للمجتمع. هكذا تغدو هذه الكاتبة هي ايضا «سريالية» من وجهة نظر المؤلف، وحيث تبدو «سرياليتها» هذه في الروائع عبر اختيارها مخبرا سرياً قزما وبلجيكيا ومدعياً.. كم هي فكرة غريبة. لكن بيجبيدر يتساءل بالوقت نفسه ما الذي دعا اولئك الذين شاركوا في الاستطلاع لاعتماد هذه الرواية من بين جميع اعمال اجاثا كريستي التي قدمت 66 رواية، وهي الكاتبة المقروءة اكثر في العالم بين جميع المبدعين بعد وليم شكسبير. اذ يرى بأن روايات اخرى لها مثل «موت على النيل» و«جريمة في القطار السريع»، و«العبيد العشرة الصغار» قد تكون اكثر اهمية من الكتاب أو الرواية الذي تم اختيارها. ويقارن المؤلف بصدد روايته «الاحتقار» لالبرتو مورافيا بين اعمال هذا الكاتب الايطالي الشهير وبين رواية «اوريليان» للويس اراجون، واذا كان مورافيا يبدأ رواية الاحتقار بجملة تقول على لسان البطل الراوي ريكاردو: «طيلة العامين الاولين لزواجنا كانت علاقتنا، زوجتي وانا رائعة، هذا ما استطيع ان اؤكده اليوم» فإن اراجون يقول، وفي الجملة الاولى ايضا في المرة الاولى التي رأى فيها اوريليان بيرينيس وجدها قبيحة بالفعل. «مورافيا» ينطلق من ملاحظة «متفائلة» لكنها تترك الاحساس بأن هناك «كارثة» قادمة، اما «اراجون» فقد ابدى «تشاؤمه» لاعلان وجود افق مفتوح. ومن خلال هذين الموقفين المتناقضين يتوصل فريدريك بيجبيدرر الى اصدار حكم يقول فيه بأنه «في الروايات الجيدة ينبغي ان ينفصل الثنائي ـ الزوجان، الرائع بينما يقع اللذين يرى كل منهما القباحة في وجه الاخر بشباك الحب. والا فلن يكون هناك ما يروى». واذا كان «ميلان كونديرا» قد احس بالفرح لأنه وجد اسمه في قائمة اصحاب اهم 50 كتابا في القرن، فإن هذا يجد مبرره بنظر فريدريك بيجبيدر الذي يشير بأنه قد احتفل بهذا «الحدث» مع «كونديرا» ذلك لان هذا الاخير هو احد الكتّاب السبعة الذين لايزالون على قيد الحياة في القائمة وهم امبرتو ايكو وجابرييل جارسيا ماركيز وكلود ليفي ستروس وفرانسواز ساجان والكسندر سولجنتسين، والبيراوديرترو، وميلان كونديرا. ويشير بيجبيدر الى ان رواية «الدعابة» لكونديرا تحتوي بالفعل بـ «شكل جنيني» كل اعمال الروائي الأخرى، وهي مثلها مثل الاعمال الكبرى يمكنها ان تحتفظ بشبابها لفترة طويلة ايضا ذلك ان «الروايات العظيمة لا تشيخ ابدا على عكس الافكار» وحسب المقاييس نفسها تمثل رواية «جاتسبي الرائع» لفرنسيس سكوت فيتزجيرالد الذي كتبها عندما كان عمره 29 عاماً فقط «قمة فنه» اذ انه كان قد «فهم كل شيء في امريكا والدليل انها ركعت عند قدميه». كما ان الرواية «جاتسبي الرائع» قد جمعت بين بعدين اساسيين في كل عمل روائي اذ انها كانت من جهة «نقدا للمجتمع الامريكي» ومن جهة اخرى «قصة حب رائع». ولا يتردد المؤلف في ان يعترف بأنه لم يكن قد قرأ ابدا رواية «تحت شمس الشيطان» لجورج برنانوس الموجودة في عداد كتب القائمة. لكنه يعترف ايضا بأن قراءتها لم تخيب امله. لكن اعجابه الشديد، وربما الأكثر حماساً يذهب باتجاه رواية «وليام فولكنر» التي تحمل عنوان «الضجة والسخط» وفولكنر حائز على جائزة نوبل للاداب عام 1949. وكان قد بنى روايته «الفائزة» على فكرة «فريدة من نوعها» مما يفسر حسب رأي مؤلف هذا الكتاب، نجاحها الكبير، ان هذه الفكرة تنطلق من جملة شهيرة لوليام شكسبير قال فيها: «الحياة هي قصة مليئة بالضجة والسخط يرويها احمق، ولا دلالة لها». وماذا عن رواية «مئة عام من العزلة» لجابرييل جارسيا ماركيز؟ ان بيجبيدر يؤكد قوله: «يمكن القول بأنه يوجد ما هو قبل وما هو بعد هذا الكتاب في التاريخ الادبي لهذا القرن. اذ انطلاقا من هذا العمل تم تعلم كيفية تذوق الروايات اللاتينية ـ الملحمية الغنية بالالوان وبالشخصيات غريبة الاطوار». ويشير المؤلف في هذا الصدد بأن النقاد الادبيين قد تعودوا مقارنة رواية مئة عام من العزلة برواية «دونكيشوت» للكاتب الاسباني «سرفانتس»، ولكنه كان يرى بأنه كان من الاجدر مقارنتها بما تحدثت به التوراة عن الطوفان. ولا يتردد في القول ايضا بأن الكثير من الروائيين اليوم قد تتلمذوا على يد جابرييل جارسيا ماركيز. وفي قفزة الى الروايتين الفائزتين بالمرتبة الاولى والمرتبة الثانية اي «الغريب» لالبير كامو وفي البحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست. وهنا لا يتردد المؤلف في القول بأنه كان من الاحقية اكثر ان يكون «مارسيل بروست العملاق» هو صاحب المرتبة الاولى.. لكنه يجد تفسيراً لهذا الاختلاط و«الخطأ الفادح» وهو ان بروست على رأس الألف كتاب الاكثر قيمة خلال الالف سنة الاخيرة، وبالتالي لا يمكنه بالنسبة للقرن العشرين المتواضع الا ان يعتبر نفسه خارج المنافسة، ويلخص المؤلف البحث عن الزمن الضائع بالقول انها رواية بالوقت نفسه انطباعية وتكعيبية وذاتية وخيالية «..» وهي ايضا قصة حب تجعل الغيرة «جنوناً» «..». وهي بالطبع قصة مارسيل بروست ذاته. لكن «بيجبيدر» يرى بالمقابل ان «بروست يكتب في اغلب الاحيان جملا طويلة ويصعب على كثير من الناس ولوجها. مع هذا لا ينبغي تجريمه فهذا ايقاع ينبغي التأقلم معه». اما الكتاب الذي احتل المرتبة الاولى بين خيارات الفرنسيين الذين شاركوا في عملية استطلاع الرأي حول افضل 50 كتاباً في القرن العشرين، اي رواية «الغريب» لالبير كامو، فإن المؤلف يعتبر اهم ميزاتها بأنها «قصيرة»، ومما يعني بأنه «يمكن كتابة رائعة ادبية دون تسويد الاف الصفحات كما فعل مارسيل بروست في البحث عن الزمن الضائع. ثم يرى ميزة اخرى لهذه الرواية «الفائزة» وهي انها الرواية الاولى لمؤلفها البيركامو. لكن رواية «الغريب» تمثل بشكل ممتاز فلسفة «العبث» التي قال بها البير كامو. «العبث» بمعنى ان الحياة لا قيمة لها بحد ذاتها، ولكن ينبغي وعي انها لا قيمة لها. هذا «الوعي» هو بحد ذاته قيمة اساسية. في المقطع الاخير من هذا الكتاب يقول «فريدريك بيجبيدر» ما يلي: في اللحظة التي يتم فيها اختتام هذا الجرد الاخير قبل التصفية النهائية، وحيث ان نهاية العالم تقترب بهدوء والانسان يقوم بتنظيم نهايته وهو يبتسم اليس هناك نوع من السخرية الطفيفة برؤية كامو يحتل المركز الاول وهو الذي كان قد فسر لنا بأن سر السعادة يكمن في التأقلم مع كل الكوارث. يقول ارنست همنجواي في جملة له: «الرائعة الادبية هي كتاب يتحدث عنه الجميع ولا يقرأه احد».