بيان الكتب: هنري ماتيس هو احد اكبر الرسامين الفرنسيين في كل العصور وهو من مواليد عام 1869 عمل لفترة مع والده قبل ان «يصعد» الى باريس كي يحضر دراسات في القانون، وهكذا اعتقدت اسرته لفترة من الزمن بأن ابنها «الحالم» يمكن ان يصبح محاميا وبالفعل وعلى الرغم من عدم اهتمامه الحقيقي بالدراسات القانونية التي يقول عنها في احد كتاباته بانها كانت «بمثابة اللغة العبرية» بالنسبة له فقد عاد الى بلدته وهو يحمل معه الاجازة الجامعية، كان اهتمامه الحقيقي هو الرسم الذي تعلم مبادئه في احدى المدارس الليلية. بدأت شهرة هنري ماتيس الفنية بلوحة «السيدة ذات القبعة» والتي اثارت فضيحة كبيرة في وقتها، كان ذلك عام 1905 ثم انجز بعدها باربع سنوات احد اشهر لوحاته اي «الرقص» ويرى النقاد الفنيون في ماتيس «اب المدرسة الوحشية» في الرسم. شهدت الاسابيع الاخيرة نشر عدة اعمال عن ماتيس من بينها «مسيرة حياة ماتيس» اثناء فترة 1869 ـ 1905 وتوفي ماتيس عام 1954 في مدينة نيس على «الكوت دازور» بجنوب فرنسا ـ للكاتبة الانجليزية هيلاري سبولنج وهي ناقدة ادبية وفنية. ان هذا الكتاب الذي نقدمه عن «مراسلات» هنري ماتيس مع صديقه الدائم اندريه روفير «هو في الواقع نوع من كتابة السيرة الذاتية بقلم الفنان نفسه انه يتعرض في كتاباته لمدى العزلة الصعبة التي عاشها اثناء مسيرة حياته، وكما ان «بابلو بيكاسو» الذي عاش في الفترة ذاتها قد اضطر بعد ان رسم لوحته الشهيرة «فتيات افينيون» في عام 1909 الى الانزواء بحيث ان اكثر المخلصين له لم يكونوا يكلفون انفسهم عناء الوصول اليه «حيث ان النقاد كانوا قد وصفوه بانه «مخرب» للفن، نرى ان هنري ماتيس يكتب لصديقه «روفير» في رسالة تعود لعام 1947 عندما كان الرسام الشهير في مدينة فانس ما مفاده «لقد اكتشفت هذا الصباح لماذا وجدت نفسي وحيدا عند وصولي الى هذه المدينة» لم يكن الاصدقاء هم الذين هجروه وانما مظاهر فقدان الحياة في المدينة وآثار الخراب والاشجار العارية من اوراقها ان ماتيس، وكما يشير في العديد من رسائله، يعشق رسم الاشجار والاغصان والاوراق. ويعود هنري ماتيس مرارا في رسائله الى الفترات الاولى التي اصبحت فيها الالوان هي كل حياته، يقول في احدى هذه الرسائل: لم اكن اتذوق اي شيء من قبل، وكنت احس بقدر كبير من اللامبالاة حيال كل ما كان يراد مني ان افعله، لكن منذ اللحظة التي امتلكت فيها علبة الالوان بين يدي احسست انني وجدت حياتي» انه وبواسطة «علبة الالوان» تلك احدث، عبر تنبيه اسلوبا خاصا في الرسم اطلق عليه النقاد تسمية «التيار الوحشي» نوعا من الثورة في هذا الميدان الفني، وهنا ايضا يمكن مقاربة مساهماته في «تثوير» الفن بالدور الذي لعبه «بابلو بيكاسو» عبر «التكعيبية». ولعل ماتيس كان من اكثر الفنانين تعلقا بفنهم واخلاصهم له وقد المح في العديد من كتاباته بانه لم يكن لديه اهتمامات اخرى كبيرة وانه لم يكن بارعا في علاقاته العاطفية وحيث كان لمرات عديدة موضع سخرية الاخرين عبر وصفه بـ «ماتيس الاحمق» و «ذي اللحية المنفرة» ولم تلق لوحاته في البداية اي رواج على المستوى التجاري لكنه بالمقابل لم يكن يفصح ابدا عما يعاني منه من «جروح داخلية» بل كان يفضل ان «يطويها» بصمت هذا الى درجة انه عندما التقى بالفتاة «ايميلي بارير» عام 1897 وتعلق بها اعترف لها بعاطفته نحوها قائلا «انني احبك كثيرا ايتها الانسة لكنني سوف احب باستمرار الرسم اكثر» ومع ذلك عندما تزوجا، وحيث اعترفت ايميلي في البداية بانها لم تكن تفهم رسوم زوجها، فإنها لم تبخل ابدا بدعمه بكل قوة واخلاص قل نظيرهما؟ كما يعترف هو نفسه في احدى رسائله ولم تتردد عام 1900 في ان ترهن خاتما يحتوي على زمردة صغيرة كان احد هدايا زواجها، وذلك كي توفر مبلغ 500 فرنك ثمن لوحة «السابحات الثلاث» لسيزان والتي كان زوجها يريد ان يشتريها لانها كانت تمارس عليه «نوعا من السحر» ويقول ماتيس بخصوص هذه اللوحة: ان هذه اللوحة كانت خير عون لي اثناء اللحظات الصعبة التي عرفتها اثناء مغامرتي الفنية، لقد كنت اغرف منها باستمرار ايماني وثباتي وللحكاية فقط تقول بان زوجة ماتيس لم تسترد ابدا خاتمها لان زوجها لم يذهب كي «يفكه» الا بعد ان كانت قد انتهت المدة المحدودة. ان هذا الكتاب يحتوي على 1200 رسالة لم يتم نشرها قبل الان، وهي تلقي بشكل خاص الاضواء على القعدين الاخيرين من حياة هنري ماتيس واللذين كانا من اغنى فترات مسيرته الفنية عطاء، وتجدر الاشارة الى ان هنري ماتيس كانا قد التقى بصديقه «اندريه روفير» عندما كان طلبة في مدرسة الفنون الجميلة بباريس، وكان «روفير» 1879 ـ 1962 رساما وكاتبا وكانا قد افترقا لسنوات طويلة قبل ان يلتقيا من جديد عام 1941 وكانا قد بلغا مرحلة «النضج» المتقدم وعاشا هزيمة عام 1940 ووصول الاحتلال النازي لبلادهما ومن هنا تتضمن هذه الرسائل «سيلا» من الذكريات والاسرار والكثير من الافكار حول الابداع والحياة والمجتمع.