بيان الكتب: يبني بول شاوول في مجموعته «كشهر طويل من العشق» عالماً بكل تفاصيله، الصغيرة والكبيرة، عالما يجتاحه المدّ الغامر، ويعلوه موج هادر في بحر من الرغبة والشبق، فترتعش الأيدي والرغبات والأعشاب.، ويجتاح شعره أرضا بكل نباتها وثمارها وبراريها، «جسداً يستوريه هشيماً على حواسه المبهمة»، يستنطق منمنماته: الشفة والعنق والنهد وبقية التضاريس، وما يفصل بين جسدين «في ضيق ما يتكدس من صمت الغرفة»، وما يجمع جسدين في أسرتهما الضيقة، وبلا حل ولا أطلال تتكشف سهول ووديان، جوعى في انسيابية البدن «وما يفلح من نفس حار على وبر مشوق، يمهد شعابا مستلذة بحجارتها المستلذة، يتعتع فروعا هلكى بفجاءاتها وغرائزها، وشميمها العجول». لكن بعد أن تعتدل ظهيرتان «ما الذي يخيف الشاعر، ما الذي يتهتكه الجسد في تماساته وانفصالاته، أو يستمليه آن شلواً نابضاً، وغياباً مسلولاً من حضور كثيف؟» وبعد تطاول «كيف يستنهض الجسد ركاماته»؟ كي يكمل مشهديته. نحن أمام نص مشهدي، يستنفر تفاصيل كثيرة تقترب من اليومي المعاش وترتفع به شعراً يحاكي ما فوق اليومي، ليبرز إحساس بمفهوم عن الجسد، يباري به الشاعر بول شاوول سنوات من الاشتهاء ويحفر في السديم مكانا خاصا يتميز به، ويمايزه عن غيره. وتصطف الحشود في المشهد: الشهوة والفاكهة، الحي والميت، الحاضر والغائب، وتتراكب الأحاسيس/ المفاهيم عن البدن، عن الأنثى، عن التلاقي، والانكسار، والعدم، والموتى، وما يخلفه جسدين بعد التوحد، وما يخلفه عاشقين بعد لقاء، وما يتركه السديم «بلا ذهب ولا كتب ولا ألواح». هكذا، ينسج الشاعر/ العاشق قصيدته/ حبيبته ويقبل عليها «كشهر طويل من العشق» ليبني مفهوما للعشق، ينهدم عليه «كسنوات طويلة من الأسرار، كوكباً انتثر بلا تاريخه، على ما استسلم له، على ما حضر كغبش حي»، ينهش سديم الشعر لغة ونصاً ويتناثر بين تفاصيل الجسد، فيحضر: «الوله، والولع، والخبل، والشبق، والألوهة، والقداسة، والجحيم، والرماد، والقهر، والاستنفار، والحقد والحنان، والقسوة، والذل»، والجسم والمنقار والخلاء والشم واللمس والرغبة والمطر والعتمة والهواء والرعشة، حتى تتفتح في الجسد رعشة من الرعشات، وتتفرغ شحنات الصاعقة والطعنة الخالصة، فيسري الوقت دافئا، وينتصب الجسد نسرا يحاكي السديم ويخترق المسافات. تحتفي قصائد هذا الديوان الشعري بالجسد وحضوره ومثولاته المتعددة، وكأنها تعيد الاعتبار لما للجسد من تمثيلات وأحوال، بوصفه يميز الكائن البشري الحي، ويؤكد كينونته، لأن الجسد يعبر عن أحوال الكينونة، مركزها إن شئنا، إذ لا وجود للذات بلا جسد، فهو يتمتع بوجود، ويحضر بوصفه يميز حضور الإنسان ومثولاته، وكانت الميتافيزيقا، عبر تاريخها الطويل، قد أحطت من شأن الجسد أمام أفضلية الروح وطهرانيتها، حيث احتلت الروح الطرف الأول في ثنائية الروح/ الجسد، وعنى هذا تقابلاً يكشف انحيازاً سافراً، يقوم على الأفضلية والتراتبية المفتعلة، وقد نشأ في إثره، على مر العصور، تقسيمات واحالات تمركزية عديدة، وسمت مجمل مذهبيات الميتافيزيقا ومنهجياتها الفلسفية منذ أفلاطون مرورا بهيجل وصولا إلى هابرماز وليوتار وبورديار، حيث يحاول الأخيرين تسويغ ميتافيزيقا (ما بعد الحداثى) وتعينات (ما فوق الواقعي) في عالم اليوم. وكان تغييب الجسد لصالح انفصالية الروح يجري بلا انقطاع في مختلف مفاصل العلوم والمعارف، رغم محاولات عديدة للخروج من ذلك، حتى غدا اللاشعور استغياباً للجسد، رغم كون الجسد سابق، قبلي، لكل فعل يصدر عن الإنسان، كلاميا كان أو حركيا أو كتابيا، وقد حاول الفن (خصوصا النحت) إعادة الاعتبار للجسد، فاحتفل به أيما احتفال، وشيدت المنحوتات الجسد بمختلف تضاريسه وتفاصيله في بقاع كثيرة من العالم. كما كان للشعر شأن في التعبير عن مكانة الجسد والتغني به، بل ونقله إلى مرتبة سامية تصل إلى درجة العشق، أو قليله. «فيا جسداً أمحلت آياته طويلاً قبله» قل لي كيف تحمل كل هذا البناء الكلي: الحس أو مركز الشهوات والأسرار والألغاز..؟ الجسد/ البدن لغوياً فإن الجسد هو البدن، بمعنى البادي، لهذا تقول اللغة العربية عن الامتداد الواسع من الأرض البادية، وعليه يعبر البدن عن الجسد في تمثيله كما هو، عارياً من كل شيء، لا يمثل غير نفسه، ولا يحضر فيه سواه، وعليه يهتم عمل شاوول الشعري بحصر «ما يحدث البدن من صريف عري»، و«ما يتفتح على جلد ذلك البدن من نجوم خافتة»، وما يحدث عن تلامس بدنين متجاورين، ثم كيف «يمتثل البدن لفرائسه الكامنة وينزاح عن أحجام وأثقال وطأة ما يحيل على الموتى والغياب». إن كل شاعر يكتب عن الجسد يتمنى أن ينطق الجسد الذي يكتبه، ويتكلم، ويحضر، لذلك تراه يستنطقه، يسأله، ويقول جوابه في وصل دلالي وحسي وحتى معنوي، وفي أسمى حالات العشق يساكنه ويصف بدقة حركته ويصف أدق تفاصيله وتفاصيل ما حوله. هكذا، يكتب بول شاوول: «لم تعد الشمس عالية كثيراً عندما رحت تقيس بعينيك ذلكالبدن الملتم على خباياه ومأثوراته، وتنيك اليدين الصامتتين المضمومتين على بذرة العدم الخلاب». إذن، لم يعد الشعر يمتثل لنظرية المحاكاة، ولا هو صورة لأصل أو صورة لصورة، أيا كانت، ولم يعد يدعو لفكرة أو حكاية أو سردية، كبيرة كانت أم صغيرة، كما لم يعد يعكس سوى نفسه وما يجسده، وحيث دخل الشعر أقاليم الجسد، بوصف الجسد، كما يقول جيل دولوز، الكاشف الذي يختفي فيما يكتشفه. إنه مركب الأحاسيس، حياً حاضراً ممتلئاً بما ينجزه، وما يفتحه من أقاليم جديدة، وما يؤقلمه من أحاسيس. عمر كوش