بيان الكتب: حياة شمسي هي روائية مغربية اختارت الكتابة باللغة الفرنسية، وهذا يمثل بحد ذاته نوعا من الرغبة المعلنة الى هذه الدرجة او تلك، في احداث نوع من القطيعة مع «شيء ما» في الثقافة الاصلية، ثقافة «البلاد» هذا اذا لم تكن القطيعة معها كلها، كما فعل عدد من الكتاب المغاربة اي من بلدان المغرب العربي الثلاثة، المغرب والجزائر وتونس، الذين اختاروا عن وعي مسبق وسابق اصرار وتصميم «الكتابة باللغة الفرنسية» وليس الطاهر بن جليون سوى احد هؤلاء. هذا العمل لـ «حياة شمسي» يمثل ايضا بنفس الوقت، ومثل الاغلبية الساحقة من اعمال الادباء والمفكرين المغاربة الذين اختاروا نفس النهج، نتاجا فكريا يعبر عن حالة من التمزق الحقيقي بين «رفض» التقاليد ولكن ايضا «الحنين» لها ولعله من المفيد التذكير بحكاية «الجرة المكسورة» انها وبشكل مختصر جدا قصة تلك الفتاة التي ذهبت كي تجلب الماء من ينبوع الماء القريب بجرتها الفخارية التي ملأتها ثم عادت بها كي تسرح وهي في طريق العودة بخيالاتها واحلامها في حسابات الفوائد التي سوف تجنيها من بيع الزبدة والبيض في سوق القرية صباح اليوم التالي مما جعلها تنسى الجرة لتسقط على الارض وتعود وحدها دون «الجرة المكسورة» هناك روايات اخرى لنفس الحكاية ولكن بكل الحالات تبقى هذه الجرة تعبيرا عن «خيبة الأمل» والفرق الشاسع بين الاحلام «الوردية» وواقع الحياة «المرير» في احيان كثيرة خاصة اذا كان المعني بهذه الاحلام هو امرأة «انتشلتها» ظروفها من الحاضنة الثقافية التي تربت فيها لفترة طويلة من حياتها. لا شك بأن الموضوع الذي تطرحه المؤلفة في هذا العمل الروائي ليس جديدا وهو في الواقع ليس موضوعا بين موضوعات اخرى يطرحها جيل من الكتاب المغاربة الذين يعيشون في اوروبا بل هو «الموضوع» الذي يتعرض له الجميع ولكن كل من زاويته الخاصة وبأسلوبه، انه الموضوع الذي يعاني منه كل اولئك الذين قادهم قدرهم الى البحث عن «حياتهم» بعيدا عن محتمعاتهم الاصلية وحيث يبقى السؤال دائما قائما: هل كانت المغامرة ربحا ام خسارة؟ مهما كانت الاجابة عن مثل هذا السؤال يبقى هناك صراع عنيف في اعماق النفس، خاصة بالنسبة لاولئك الذين خرجوا بعد ان كانت شخصيتهم قد اكتملت، الى هذا الحد او ذاك، في مجتمعاتهم الاصلية، ان الصراع مع الذات وما ينتج عنه من تمزق وتناقض فهذه هي بطلة هذه الرواية «الجرة المكسورة» وهي التي تأتي الاحداث على لسانها، في طريقها للمشاركة في جنازة جدتها التي كانت قد توفيت منذ ساعات، انها تذهب باتجاه المكان الذي يتواجد فيه المشيعون وهي وراء «مقود سيارتها» هذه الاشارة الاخيرة ليست تفصيلا صغيرا في سياق النص ولكنها مؤشر له قيمته الدلالية الكبيرة من حيث انه يخص سيدة في مجتمع تقليدي تقود سيارة مما يشكل مخالفة كبيرة اذ كانت وجهتها هي حضور جنازة احد المقربين منها جدتها في الرواية. وعندما اقتربت من المكان وجدت نفسها تتوقف على مسافة تقول: لقد انحنيت صوب المقعد كي البس الثوب التقليدي ـ الجلابة ـ فوق سروالي «الجيب» وقميص الـ «تي شيرت» من هنا تبدأ الرواية.. وهذا يذكرنا هل ذكر المؤلفة ايضا ؟ برواية الغريب لالبيركامو حيث نجد «انطوان مارسو» امام نعش امه في غرفة المستشفى قبل نقلها الى قبرها، وهو ينفث لفافة تبغ ولا تبدو عليه اية آثار للحزن، «انطوان مارسو» حوكم، حاكمة المجتمع، وحكم عليه بالاعدام لانه تجرأ وتحدى التقاليد السائدة في السلوك امام الموتى عندما يكونون من المقربين، فكيف بالام، «انطوان مارسو» اعلن قطيعته ودفع الثمن، ان بطلة «الجرة المكسورة» فإنها وضعت الثوب التقليدي فوق ثيابها «المستوردة» بالمعنى الرمزي ان لم يكن بالمعنى الدقيق والواقعي لقد ارتدت «الزيين» معا وقالت «حياة شمسي» المؤلفة الكثير الكثير في هذا المشهد، او ربما انها قالت «كل شيء». وتلتقي البطلة ـ الراوية ـ المؤلفة مع الاخرين مع الاهل مع ابناء العم وبنات العم ومع الخالات والعمات وابناء الأخ وابناء الاخت، وهذه التفاصيل ايضا ليست دون قيمة بل انها ذات قيمة دلالية هي الاخرى عن نمط حياة اخر، ولكن «اخر» بالنسبة لمن؟ انها اخذت تراقبهم وتتفحص كل التعبيرات التي رأتها على وجوههم، او تتفحص وجوههم الخالية من التعابير لقد اعادت الصلة مع عالم كانت قد نسيته «كلا انها لم تنسه » انما ابتعدت عنه «وحملته» معها، وعادت تقدم للضيوف المعزين الخدمات المألوفة التي تقوم بها النساء في مثل هذه الحالات وهي التي تعيش منذ سنوات طويلة في العاصمة الفرنسية باريس، مستقلة، ولاتجد لحظة فراغ. وعادت ايضا الذكريات البعيدة وذكريات الطفولة لقد عاشت في داخلها تلك الطفلة التي كانتها في نفس هذه الامكنة التي تراها اليوم، الطفلة التي كانت تراقب جدتها، عندما كان عمرها احدى عشرة او اثنتي عشرة سنة حيث كان رأسها زاخرا بالاحكام العقلانية التي تعلمتها من المدرسة والتي تخالف آراء جدتها التقليدية. هنا تأخذ هذه الرواية بعدها «الفلسفي» اذ صح التعبير، اذ ان قبر الجدة هو نوع من التأكيد على دفن الماضي، الذي كان يفرض قوانينه، ولكن ماذا بعد هذا الدفن؟ انه الجري في كل الاتجاهات مثل انسان فقد بوصلته امامه المستقبل واحلامه ولكن وراءه الماضي ونقاط ارتكازه القوية في اعماق النفس، انهى عالمان يتحاوران ويتداخلان ولكن قل ما يتصالحان «انهما متباعدان مثل تباعد «قفطان» الجدة بألوانه الصارخة عن ثوب معلمة المدرسة الذي تصوره «تصور نموذجي» مصمم ازياء «مجنون ليلى» في مواجهة ديكارت. رواية جديدة لصوت نسائي جديد يكتب باللغة الفرنسية ومن اصول مغربية، وتأكيد لظاهرة وجود سلسلة من الشهادات النسائية «المغاربية» الصادرة في فرنسا؟