بيان الكتب: جيم مارس هو صحفي أمريكي يكتب في العديد من الصحف والدوريات الأمريكية الكبيرة مثل «نيويورك تايمز» والتي فاز كتابه «النيران المتقاطعة» بجائزتها كأحد أفضل الكتب في عام صدوره. له كتاب آخر نال شهرة كبيرة هو «الأجندة الغربية». يعيش «جيم مارس» حالياً في ولاية تكساس الأمريكية. هذا الكتاب «الحكم من خلال السرية» يخص، كما يدل عنوانه، عالم الأسرار الخفي الذي يتحكم إلى حد كبير بمصائر العالم ويحدد سياساته بل وأحياناً قادته. يبدأ جيم مارس «بتحذير» قارئه ويطلب منه وبـ«الحاح» عدم قراءة هذا الكتاب إذا كان، أي القاريء، ينظر بعين الرضا والحبور إلى البشرية التي يعيش فيها وإلى تاريخها وإلى العالم الذي يحيط به. كما يوجه أيضا «التحذير» نفسه والطلب بعدم قراءة الكتاب إلى أولئك الذين يعتقدون بأن العالم قد بلغ اليوم ذروة التقدم العلمي والروحاني. أما أولئك الذين يتابعون ما يجري في عالمنا من أحداث و«أهوال» بدهشة وانبهار ويطرحون على أنفسهم أسئلة مصيرية تتعلق بالماضي والحاضر والمستقبل، فإن هؤلاء مدعوون وبـ«إلحاح» أيضاً إلى قراءة هذا العمل، بل ان المؤلف يحثهم على ذلك عبر التأكيد لهم أن كتابه يشتمل على العديد من «الأسرار» التي لم تنبش وسائل الاعلام فيها حتى الآن وذلك لأسباب متنوعة لا تعود بالضرورة إلى جهلها فيها. ما يؤكد عليه المؤلف منذ البداية هو أن رجل الشارع الأمريكي، مثلاً، يجهل الكثير من الأمور المهمة التي يعج بها العالم الذي يعيش فيه. وهذا لا يعود، بنظره، إلى نقص في ذكاء الأمريكي وانما إلى عدم حصوله على المعلومات التي تتيح له التعرف. ويرجع ذلك إلى سببين رئيسيين أولهما عدم توفر الوقت الكافي كي يعلّم الإنسان نفسه بنفسه وثانيهما الاعتماد وبصورة شبه كاملة على ما تقدمه وسائل الإعلام لجمهورها. لذلك من الصعب على الإنسان العادي أن يعرف ما إذا كانت المعلومة التي تصله صحيحة أم مزوّرة، كما انه لا يستطيع في الوقت نفسه أن يدرك مدى أهميتها. أمام مثل هذه الحالة يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً هو: هل هناك مؤامرة عالمية وراء مثل هذا الوضع؟ وإذا كان الرد هو بالايجاب فمن هم أولئك الذين يقفون وراء هذه المؤامرة؟ ثم من هم أولئك القلة من الأشخاص أو المنظمات التي يعتقد البعض بأنها تتحكم بشئون العالم وتحافظ في الوقت نفسه على سريتها ولا تكشف عن هويتها؟إ ن كتاب «الحكم من خلال السرية» هو في الواقع محاولة للرد على هذه الأسئلة ويستشهد بأمثلة عديدة وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يتحدث عن صلة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون بثلاث جمعيات سرية أمريكية هي «اللجنة الثلاثية» و«مجلس الشئون الخارجية» والجمعية المسماة «بليدبرجرت». وهذه الجمعيات ـ المنظمات لا تعلن أبدا عن أهدافها بشكل صريح ولا تنشر أيضا قائمة أعضائها، لكن المؤلف يورد أسماء بعض هؤلاء الأعضاء مثل آل جور، نائب الرئيس الأمريكي السابق و«وليم كوهين» وأيضا وزير الخارجية الأمريكية الحالي «كولن باول» و«آلان جرينسبان» رئيس منظومة الاحتياطي الفدرالي الأمريكي والمتحكم في معدل الفائدة الذي تفرضه البنوك الأمريكية وبالتالي لبنوك العالم بأسره. ويعتبر الكثير من خبراء الاقتصاد بأنه أحد أهم أصحاب القرار الاقتصادي والمالي في العالم اليوم. ويؤكد المؤلف ضمن هذا الاطار أن الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وبعد انفجار قضية مونيكا لوينسكي ومواجهة خطر العزل من منصبه، لجأ إلى أعضاء مجلس الشئون الخارجية الذين قاموا عمليا بحمايته وابقائه في البيت الأبيض. أما جورج بوش (الأب)، الرئيس الأمريكي الأسبق فقد كان عضوا في «اللجنة الثلاثية» وفي مجلس الشئون الخارجية وفي جمعية غامضة أخرى تسمى جمعية «الجمجمة». ويؤكد المؤلف أن اللجنة الثلاثية تضم أعضاء من غير الأمريكيين الذين منهم رئيس وزراء فرنسا الأسبق «ريمون بار»، ذي الخبرة الكبيرة في الاقتصاد، حيث انه كان قد عمل لسنوات استاذاً لهذه المادة في الجامعات الفرنسية، وللجنة الثلاثية فروع أيضا في باريس وموسكو. أما الهدف الرسمي الذي قد يتم الإعلان عنه فإنه يتمثل حسب «القانون» المستخدم لدى مثل هذه الجمعيات السرية بـ«دعم علاقات التعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان بكل القضايا ذات الاهتمام المشترك». لكن هذا الهدف «المعلن» ليس سوى غطاء لهدف آخر ذي طابع استراتيجي وقد حدده عدد من المتخصصين الذين تابعوا عن قرب أنشطة الجمعيات والمؤسسات المعنية بأن «السيطرة السياسية والاقتصادية والمالية على مصائر العالم ودوله».. وهذا ما يفسر وجود أعضاء فيها من الحزبين اللذين يتعاقبان على رأس السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، أي الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري فإلى جانب «زبيجنيو برزنسكي» الديمقراطي والمستشار السابق للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر نجد «هنري كيسنجر» الجمهوري، ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق. أما الجمعية المعروفة باسم «بيلد برجرز» فإنها تضم مجموعة من الرجال والنساء ذوي النفوذ ومن بينهم أفراد من الأسر الملكية الحاكمة في أوروبا.. ويلتقي أعضاء هذه المجموعة مرّة كل عام كي يتدارسوا حول قضايا الساعة وللإعداد، كما يظن الكثيرون، لمواجهة أحداث الفترة المقبلة،. وهذه الجمعية تبقى من أكثر الجمعيات المذكورة غموضاً وسرية، لكن من المعروف أن العديد من أعضائها هم أيضا أعضاء في جمعيات سرية أخرى. إذا كان «جيم مارس»، مؤلف هذا الكتاب، يستفيض في شروحاته حول الجمعيات السرية الأمريكية، فإنه يتناول بالبحث موضوعات أخرى ويطرح تساؤلاته حولها ولاسيما انها لاتزال تثير التساؤلات والعديد من علامات الاستفهام. وفي مقدمة هذه المسائل حرب الخليج الأخيرة التي يؤكد المؤلف أن الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى نشوبها لاتزال حتى الآن طي الكتمان.. ما يمكن ملاحظته هو ان هذه الحرب قد قادها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب) وهو عضو في الجمعيات السرية الثلاث سابقة الذكر. ولاشك أن هذه الحرب أيضا، كما يؤكد المؤلف، كانت ذات صلة كبيرة بمسألة البترول.. والرئيس جورج بوش ووزير خارجيته آنذاك جيمس بيكر لهما أيضا صلة كبيرة بالبترول. وارتفاع ثمن البترول يعني بالضرورة زيادة أرباح شركات بوش البترولية وشركات مؤيديه. ثم ان أي نزاع تتواجد فيه بلدان عربية ويزيد من حدة الانقسام القائمة بينها انما هو تقوية للولايات المتحدة الأمريكية ولبريطانيا ولاسرائيل. ثم ان واقع وجود ائتلاف عسكري «التحالف الدولي ضد العراق» يضم عددا كبيرا من البلدان التي تحارب تحت راية الأمم المتحدة وباسمها انما يشكل تعزيزا لفكرة قيام قوة عسكرية واحدة في العالم.. وهي من أهم الأفكار التي قامت عبر الجمعيات السرية أصلا. ويشير المؤلف في هذا الاطار إلى ما كتبه العديد من المؤلفين والباحثين في سائر عوالم الأسرار والتآمر الدولي والتأكيد أن العالم تحكمه أياد خفية تخطط في الغرف المغلقة ما نشهده من أحداث. وتتقاطع هذه الأبحاث كلها حول نقطة تقول أن فكرة النظام الدولي الجديد تمثل نوعا من الأزمة المفتعلة التي تخبيء وراءها خططا زمنية ـ أجندة ـ سرية. بل ويذهب المؤلف في هذا السياق إلى القول أن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش كان يحدد اتجاه سير العمليات العسكرية أثناء حرب الخليج الأخيرة وفق استراتيجية دقيقة تتركز حول ضرورة حماية آبار البترول التي تنتفع منها الشركات الأمريكية الكبرى، ومن بين هذه الشركات تلك التي كان يعمل فيها آنذاك ابنه والرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية. ان الحديث عن الجمعيات السرية العالمية ومدى تحكمها بمصائر العالم وسياساته يبقى ناقصاً دون التعرض لأحد أكثر هذه الجمعيات سرية في العالم، وهي المعروفة باسم «المحفل الماسوني» وإذا كان الجميع يتفقون اليوم على السلطة الكبيرة التي تمتلكها هذه «المحافل الماسونية» كل في بلاده مع درجة التنسيق العالية بينها على مستوى «المحفل» العام، فإن المؤلف يعتبرها بمثابة ظاهرة جديدة نسبيا بالقياس إلى الجمعيات السرية الأخرى العديدة التي يضرب نمطها جذوره في التاريخ القديم وخاصة في روما وبيزنطة سابقا. ان دور الماسونية في التدخل بشئون العديد من دول العالم يعيده المؤلف إلى الثورتين الأمريكية والفرنسية، وحيث كان عدد كبير من الرؤساء الأمريكيين السابقين أعضاء في المحافل الماسونية مثل جورج واشنطن ومونرو وترومان وفورد وروزفلت... الخ. كما ضمت المحافل الماسونية شخصيات كان لها دورها الحاسم على المستويات السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية في بلدانها. وهكذا تتردد على قلم «جيم مارس» أسماء تشرشل وسيمون بوليفار وجوزيف هايدن وموزارت وفولتير.. وغيرهم. ان مثل هذا التنوع الكبير في هوية واهتمامات الشخصيات التي تنتمي إلى المحافل الماسونية دفع إلى التشكيك بمدى توحيدها وانطوائها في اتجاه سياسي واحد. لكن مثل هذا الرأي يواجهه طرح آخر يقول أن هؤلاء الأعضاء في المحفل الماسوني والذين تتباين وتتنوع إلى حد كبير انتماءاتهم واهتماماتهم انما كانوا، وكل في ميدانه، يستغلون كل فرصة تتاح لهم من أجل دفع القضايا التي تهم محفلهم إلى الأمام.. أي ان التنوع الكبير في هذه المحافل كان أحد مصادر قوتها ولكن ضمن اطار توحيدها. لكن اذا كان مؤلف هذا الكتاب يعترف أنه من الصعب التوصل إلى براهين ثابتة وقاطعة تؤكد على أساليب المحافل الماسونية في التآمر، فإنه بالمقابل يؤكد على وجود دليل واضح على مثل هذا العقل التآمري من خلال الخطط التي حيكت في عهد الرئيس الأمريكي الاسبق رونالد ريجان والتي كانت تستهدف آنذاك الاطاحة بالحكومة الايطالية.. ولايزال العالم يتذكر قصة المحفل الماسوني «ب ـ 2» الذي تم الكشف عنه وتبين انه كان يضم أعضاء من مختلف القوة السياسية الايطالية، وخاصة الديمقراطيين المسيحيين والاشتراكيين.. ولكن مع استثناء الشيوعيين الذين لم يكن المحفل يقبلهم أصلاً أعضاء فيه. ويحلل المؤلف باسهاب أيضا دور الماسونية في الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789، والمعروفة باسم «الثورة البورجوانية»، ويؤكد أنه، وعلى الرغم مما هو معروف من أن الأسباب الحقيقية لهذه الثورة تعود إلى سياق اقتصادي واجتماعي معين، من الواضح ان شبكات الماسونية كان لها دور مؤثر في تلك الثورة،. بل ويشير المؤلف إلى آراء بعض المؤرخين الذين يعيدون قيام هذه الثورة إلى الحركة الماسونية حصرا. وذلك بالاعتماد على تحليل الدور المركزي الذي لعبه فيها «دوق أورليان» الذي كان على رأس الحركة الماسونية آنذاك. ولعله من الطريف أن يتطرق «جيم مارس» ضمن اطار الحديث عن الجمعيات والمنظمات السرية صاحبة «اليد الطولى» في اتخاذ القرارات الحاسمة ـ على حد قوله ـ إلى النظام الدولي الجديد وإلى العولمة وذلك من خلال الحديث عن «المنظمة العالمية للتجارة» والتي ورثت عمليا الاتفاقية الدولية للتعرفة الجمركية والتجارة منذ عام 1995، وإذا كان المؤلف يبتعد في هذا المجال عن إصدار أحكام «يقينية» ثابتة، فإنه يشير بنوع من التأكيد الضمني، إلى أن هناك اعتقادا شائعا يقول أن المنظمة العالمية للتجارة تسير نحو تحقيق الأهداف التي تتبناها أصلا الجمعية السرية المعروفة باسم «بيلد برجرز»، أي تحقيق ازالة التعرفات الجمركية لتأمين الحرية الكاملة للتجارة على الصعيد الدولي. وهو ما طالب به، حسب رأي جيم مارس دائما، كارل ماركس عام 1848 من منظور آخر وبهدف آخر إذ كان يعتبر أن تحرير التجارة لابد وأن يؤدي إلى القضاء على الجنسيات ويعجّل بقيام الثورة الاجتماعية.