بيان الكتب: توم كلانسي ـ المؤلف الاساسي لهذا الكتاب متخصص في العلوم العسكرية والقضايا المتعلقة بالقوات المسلحة. له العديد من المؤلفات الادبية منها «كاردينال الكرملين» و«الخطر الساطع والحاضر» و«الالعاب الوطنية» او ذات الطابع العسكري البحت مثل: «الغواصات: زيارة مبرمجة لسلاح نووي» و«البحرية: زيارة مبرمجة الى وحدة بحرية للتدخل الخارجي».. الخ. هناك مقولة يتفق الجميع عليها وهي انه وراء كل كتاب دافع.. خاص او عام.. واقعي او خيالي.. وليس هناك اي عمل في هذا الاطار يأتي من «العدم». الحدث الذي يشير مؤلف هذا الكتاب «القوات الخاصة» الى انه كان وراء فكرة انجاز عمله يتمثل في فيلم سينمائى كان قد شاهده ذات يوم عن الحرب الفيتنامية ويتحدث عن دور القوات الخاصة الامريكية في تلك الحرب. لم تكن الرؤية الهوليوودية قريبة من الواقع ولكنها كانت مجرد تخيلات حاولت ان تؤكد بانه كان يوجد «رامبو» صغير في جلد كل جندي من الجنود الامريكيين الذين خاضوا تلك الحرب هذه الصورة «المشوهة» المنقولة عن القوات المسلحة الامريكية بشكل عام والقوات الخاصة بشكل اكثر تحديدا، تنأى في احيان كثيرة ايضا عن الواقع في الاتجاه الآخر حيث يتم تقديم افراد القوات المسلحة الامريكية، وخاصة القوات الخاصة منها على أنهم بشر يتمتعون بقدر كبير من الوحشية والهمجية ولا يتورعون عن ارتكاب افظع الجرائم. إن هذا «التطرف» في رسم صورة هؤلاء الجنود وقواتهم الخاصة اثار موجة من الحذر لدى المعنيين بل ومن عدم الثقة بوسائل الاعلام. من هنا نشأت «نزعة انعزالية» لديهم تمت ترجمتها بالرغبة في العيش بهدوء بعيدا عن أية وسيلة اعلام. ان هذا الكتاب يعكس في جانب اساسي منه تجربة المؤلفة وهو الخبير بالشئون العسكرية، مع اعداد هذا الكتاب، حيث اراد في البداية و«توخيا» للموضوعية كما يقول ان يمضي بعض الوقت ولو لفترة قصيرة جدا، بين افراد القوات الخاصة ومشاهدة نمط حياتهم على ارض الواقع. لكن طلبه قوبل بالرفض القاطع على خلفية وجود حساسية تجاه ما يكتبه الصحفيون وما تنشره وسائل الاعلام التي لا يمكنها ضمن هذا الاطار ان تنسى اتهام شبكة «سي. ان. ان» المعروفة ومجلة التايم» للقوات الخاصة الامريكية بانها استخدمت الاسلحة الكيماوية ضد الجنود الامريكيين الذين هربوا من الحرب في كمبوديا خلال مطلع عقد السبعينيات. وقد تبين فيما بعد، كما يشير المؤلف، بطلان تلك الاتهامات وعدم مطابقتها للواقع. على العكس يعيد المؤلف طرح مقولة تكررها عادة القيادات السياسية الأمريكية، ومفادها ان المهمة الاساسية للقوات الخاصة ـ المارينز على رأسها ـ والمكلفة عمليا بالتدخل في مختلف مناطق العالم بحيث تبقى دائما في حالة تأهب واستعداد وجاهزية لتنفيذ الاوامر، انما هي ـ اي المهمة ـ بالتحديد تقديم العون والدعم من اجل رفع شعارات الحرية والعمل من اجل نجدة اولئك الذين يواجهون خطرا يهددهم في وجودهم وبالتالي يصبح من المطلوب، انسانيا، المحافظة على حياتهم ولو بثمن التدخل العسكري.. وكانت هذه هي الحجة التي تم رفعها اخيرا في حرب كوسوفو التي تمت عملياتها العسكرية ـ الجديدة هذه المرة ـ تحت غطاء الحلف الاطلسي. وبعد الحديث عن العلاقة بين القوات الخاصة ووسائل الاعلام يحلل المؤلف السباق التاريخي الذي تم فيه تأسيس القوات الخاصة الامريكية حيث يعيد تشكيل النواة الاولى الى عام 1952 بشكل رسمي. هذا على الرغم من ان طلائعها الأولى كانت قد بدأت بالظهور والعمل خلال الحرب العالمية الأولى. ويقدر المؤلف عدد المنخرطين في القوات الخاصة الأمريكية بحوالي عشرة آلاف جندي يتم اختيارهم من بين العسكريين العاديين على اساس توفر شروط ومواصفات بحيث يكونوا ذوي تكوين جسماني في سليم وصحة خالية من الامراض وذكاء يفوق المعدل المتوسط. وهناك بعض المعايير الاضافية مثل امتلاك بعض المهارة في مواجهة الاوضاع الصعبة واجادة لغة ثانية بخلاف اللغة الانجليزية «اللغة الام». لكن افراد القوات الخاصة الأمريكية لا يتميزون باي مظهر عام يسمح بالتعرف عليهم.. وبالتالي هم يبتعدون كثيرا عن الصورة التي يجري رسمها لشخصية العسكري «المنقذ».. وليس بينهم اي «رامبو 2» كما يؤكد المؤلف الذي يحلل ضمن هذا السياق الاسباب العميقة التي دعت الى انشاء هذه القوات الخاصة في قول «لقد علمنا التاريخ ان مجموعات صغيرة من المحاربين كانت تستخدم اسلحة غير تقليدية لمحاربة قوات اكبر منها عددا وعدة. وحيث ان احد الامثلة الشهيرة التي يعرفها العالم كله على مثل هذه الحالة يكمن في الحرب الفيتنامية التي انتصر فيها بنهاية المطاف شعب متواضع القوة والتجهيز في مواجهة الآلة العسكرية الأمريكية الأكثر قوة في العالم.. وحيث كان مفهوم القوات الخاصة ليس بعيدا عن آليات المقاومة التي تبناها. وكانت القاعدة السائدة سابقا بالنسبة لتلك المجموعات الصغيرة هي ان ألا تحترم القوانين الدولية وعدم التميز في تحديد اهدافها بين مدني وعسكري. فالمهم هو اصابة الهدف وتنفيذ الاوامر. اما القوات الخاصة التي يتحدث عنها المؤلف فإنها على العكس تحاول الالتزام بقدر الامكان بالمباديء العسكرية وسلوك الجندي على أرض المعركة هذا على الرغم من الصعوبة الكبيرة في التقيد بمثل هذا الالتزام. ولهذا السبب تحديدا يتم انتقاء عناصر هذه القوات بأكبر قدر ممكن من الدقة كما ان تدريبها وتسليحها يتميزان بخصوصية شديدة نظرا لطبيعة وظروف المهمات التي قد يقومون بها. وبالنظر الى هذه العوامل كلها يتم اعتبار القوات بمثابة وحدات متميزة قادرة على ان تقوم بمهمات لا تستطيع القوات النظامية التقليدية الاخرى القيام بها. ويرى المؤلف في هذا التميز مصدرا لولادة نوع من الشعور «العدائى» حيالها من بقية وحدات القوات المسلحة التي تعتبرها بمثابة «الولد المدلل» الذي يمكنه ان يحصل على كل انواع الدعم المادي والمعنوي على حساب القوات «التقليدية». ومن الميزات الاساسية التي يؤكدها المؤلف في بنية القوات الخاصة ان هناك تماسكا لافرادها وتلاحمهم فيما بينهم. اذ وعلى عكس ما تقتضيه القوانين العسكرية الصارمة وتسلسل الرتب فإن افراد القوات الخاصة لا يعيرون مبدأ «التراتبية» هذا اهتماما كبيرا ولاسيما بالنسبة للجانب الانساني وليس «المهني» العسكري. إذ من المألوف رؤية الضابط والجندي يجلسان معا وهما يتسامران كاي صديقين حميمين.. اما المهمات الملقاة على عاتق القوات الخاصة التي يتحدث عنها المؤلف على مدى صفحات عديدة فإنها تتلخص في اهم ما جاء فيها بـ: ـ المشاركة في مكافحة استخدام اسلحة الدمار الشامل من قبل الدول التي تطلق عليها الولايات المتحدة الامريكية صفة الدول «المارقة» او «المشاغبة» والتي كان العراق وليبيا في رأس قائمتها. وتتمثل مهمة القوات الخاصة حيال هذا الموضوع بالقيام بعمليات ذات طابع تجسسي من مراقبة وتجميع معلومات هذا بالاضافة الى المشاركة في حراسة شخصيات معينة من رجال سياسة ودبلوماسيين وعلماء في ميادين «حساسة». ـ محاربة الارهاب والتصدي لعمليات الاختطاف واحتجاز الرهائن.. ثم المساهمة في اعداد الخطط والعمليات المكرسة من اجل تحريرهم. ـ المشاركة في تدريب قوات الشرطة والاجهزة الامنية التابعة للقوات المسلحة او المصالح الخاصة في الولايات المتحدة الامريكية او في الدول الصديقة لها في الخارج. ـ المشاركة بشكل سري في جميع الاجراءات الرامية الى تعزيز الدفاع الوطني الامريكي والمساهمة في جميع النشاطات الرامية الى الحفاظ على الأمن الداخلي ـ القومي ـ للولايات المتحدة الأمريكية. هذه المهمات الكبيرة تتطلب تدريبا شاقا من قبل اولئك الذين سوف يقومون بها: وهذا ما يصفه المؤلف في احد فصول هذا الكتاب حين يتحدث عن بعض المهات التي «شاركهم» فيها خارج الولايات المتحدة الامريكية، وتحديدا في البوسنة والهرسك حيث يعمل عدد من عناصر هذه القوات الخاصة داخل اطار القوات الدولية لحفظ السلام التي تم انشاؤها تنفيذا لاتفاقيات «دايتون». ويصف المؤلف التجربة التي عاشها بانها كانت شديدة الصعوبة بسبب الشعور العام المعادي الذي يصل الى حد التعرض لعمليات انتقامية واعمال عنف. ومع ذلك لابد لقوات السلام من احتفاظها بمظهر من يدعو للسلام كي تتمكن من حفظه، وإلا فإن الاطراف المتنازعة قد تستأنف القتال فيما بينها. ان المؤلف يسرد في هذا الاطار التفاصيل الدقيقة لظروف معيشة جنود القوات الخاصة في منطقة البلقان والمصاعب التي يواجهونها كل يوم تقريبا. ويصف المؤلف ضمن هذا السياق ايضا تجربة اخرى عاشها في منطقة الخليج والتي وصفها بانها كانت اكثر نجاحا عرفته في البلقان كما خرج من زيارته للعديد من مواقع القوات الامريكية في عدة بلدان خليجية حيث شهد تدريبات للقوات الخاصة الأمريكية او لقوات مشتركة امريكية ـ خليجية وخاصة كويتية. ويقدم بهذا الصدد توصيفا لزيارة قام بها الى الحدود الكويتية العراقية. ان المؤلف يشير في المحصلة النهائية الى أنه قد تعلم الكثير خلال فترة اعداده لهذا العمل والتي استمرت عامين كاملين وتحمل المشاق في جولاته الى حيث تتواجد القوات الخاصة الأمريكية. لقد تعلم الكثير رغم درايته الواسعة بتفاصيل الحياة العسكرية للقوات المسلحة الامريكية على مدى خمسين عاما من حياته. ان ما شاهده خلال جولاته الاخيرة حمله، كما يقول الى تغيير العديد من الافكار السابقة التي كان يؤمن بها، واخطر لاعتناق افكار جديدة والوثوق بحقائق عايشها بنفسه وكان من الصعب عليه ان يصدقها مالم يكن قد رآها بأم عينيه. ولذلك يعتبر هذا الكتاب هو الافضل في سلسلة ضمن ستة كتب سابقة في نفس الميدان. وفي النهاية يرى بان السمعة التي تتمتع القوات الخاصة بها لا تعود الى الاسلحة والتكنولوجيات التي تستخدمها وانما الى نوعية الرجال الذين يعملون فيها والذين «يحاولون استخدام ما حباهم الخالق من ذكاء وفطرة لتأدية مهام خطرة».. وهاهم يتأهبون لمتابعة مهامهم في القرن الحادي والعشرين كما يشرح المؤلف في الفصل الاخير من هذا الكتاب. والقوات الخاصة الأمريكية.. في خدمة الانسانية؟!.