بيان الكتب: نسمع كثيرا عن عمليات اقتراع يشهدها العالم في هذا البلد أو ذاك.. ومنذ أشهر فقط عاش ملايين عدة في العالم و«مباشرة على الهواء» مسلسل الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة بين الرئيس الحالي جورج بوش ومنافسه الديمقراطي في الانتخابات نفسها آل جور. كان الفرق بين الاثنين لا يتجاوز آلاف عدة من الأصوات.. كانت هذه الأصوات القليلة التي تمّ الخلاف على عددها.. أو طريقة عدها ستقرر من سيكون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. ولاشك أيضا بأن صناديق الاقتراع قد أصبحت بمثابة المعايير الأساسية في الديمقراطيات الحديثة التي تعتبر أن مثل هذه الممارسة تشكل احدى نقاط التمايز بينها وبين المنظومات السياسية الأخرى. ولكن عمليات الاقتراع لا تقتصر فقط على ميدان السياسة، إذ هناك ميادين أخرى كثيرة تتم ممارستها فيها ويجهل الناس الآليات التي يتم اتباعها فيها. إذ مثلا كم من البشر يعرفون كيف تتم عملية انتخاب بابا الفاتيكان؟ أو أعضاء الأكاديمية الفرنسية؟ أو الفائزين بجائزة نوبل؟ أو مجالس الإدارة في الشركات الكبرى؟ لقد خضعت عملية الاقتراع نفسها لآلية تطور تاريخي انطلاقا من أشكال سابقة مثل قبول الأطراف المتنازعة بـ«حكم» لحل قضايا الخلاف بينها، وكان هذا القبول بمثابة انتخاب ضمني.. كما حل الاقتراع بدلا من ممارسات أخرى كان يتم فيها اتخاذ القرارات على مستويات مختلفة بطريقة تعسفية، ويرى دومينيك رينييه، المشرف على انجاز هذ القاموس، أن اللجوء إلى الاقتراع يمثل بحد ذاته نوعا من احترام الفرد، ومهما كانت درجة الاستلاب والتلاعب التي يتعرض لها. ولكن إذا كان الجميع يتفقون على أهمية الاقتراع كـ«ممارسة» فإنهم يختلفون كثيرا في تحديد أفضل السبل لتطبيقه.. وهكذا نجد ان بلدا مثل فرنسا يعرف «صيغا» عدة لممارسة العمليات الانتخابية؟ إذ ان الانتخابات الرئاسية تتم حسب مبدأ الأغلبية المطلقة وعلى دورتين، يتنافس في الثانية بينهما المرشحان اللذان يحصلان على أعلى نسبة في عدد الأصوات خلال الدورة الأولى. ويتم خوض الانتخابات التشريعية على أساس القوائم والأغلبية المطلقة، أيضا على دورتين، بينما يتم بالنسبة للانتخابات البلدية اعتماد مبدأ التمثيل النسبي إذ يفوز الذين يحصلون على أعلى نسبة من عدد الأصوات في كل القوائم. إن هذا الكتاب يقدم شرحا مستفيضا لمختلف الآليات والصيغ الانتخابية السائدة في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية خاصة.. إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبعض البلدان الأجنبية الأخرى. وتقدم اليزابيث «دوبوارييه» مديرة الأبحاث في «مركز دراسات الحياة السياسية بفرنسا» تعريفا لعملية الاقتراع بأنها «تأكيد لحق المواطن» وبأنها تمثل اليوم «ممارسة حضارية» تسمح للمعنيين بها تعيين أولئك الذين سوف يمثلونهم على مختلف المستويات، ومما يشكل في الوقت نفسه «وسيلة لضبط الخيارات الجماعية» وخاصة على مستوى العلاقة بين الدوائر العليا وعامة الناس، لكن هذه الممارسة تعاني من كثير من الاشكاليات وعمليات التضليل التي يرى واضع هذا القاموس ضرورة التعرض لها وعدم الركون إلى الاكتفاء بالقول بأن مثل هذا الخيار يتضمن الكثير من الايجابيات قياسا بالمنظومات الأخرى، من وجهة النظر الغربية على الأقل. وتشير أكثر من مساهمة في هذا الكتاب إلى واقع «الأزمة» الحقيقية التي تعاني منها العمليات الانتخابية في الغرب اليوم.. حيث ان أحد المظاهر الأساسية لهذه الأزمة تتمثل في النسبة الكبيرة والمتزايدة بتسارع كبير منذ سنوات، لأولئك الذين لا يدلون بأصواتهم في أية عملية انتخابية. ويبلغ عدد المستنكفين في بعض الأحيان أكثر من 50% من مجموع المسجلين على القوائم الانتخابية وهذا يعني أن الذي يفوز بأغلبية الباقي انما يحظى في واقع الأمر بنسبة قد لا تتجاوز في بعض الأحيان ربع المعنيين بالعملية الانتخابية كلها. ومن الأزمات الأخرى التي تعاني منها الانتخابات في البلدان الغربية، ويتم التأكيد عليها في هذا الكتاب هناك طبيعة الحملات الانتخابية التي تسبق عملية الاقتراع نفسها وحيث يتم «اللعب» على مختلف الانفعالات والأجواء الشعبية.. الأمر الذي تعبر عنه مقولة طريفة سائدة في الغرب اليوم مفادها ان «الوعود الانتخابية لا تلازم سوى أولئك الذين يسمعونها».. أضف إلى هذا بعض القوى السياسية أحيانا للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد، بحيث انها تركز برامجها الانتخابية على بعض الجوانب بعيدا عن النظر إلى الصالح العام، ومن الأمثلة على ذلك تركيز حزب الجبهة الوطنية الفرنسية اليميني المتطرف برامج حملاته الانتخابية طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات على مسألة المهاجرين واعتبارهم مسئولين عن أزمة البطالة التي تعاني منها فرنسا وبقية البلدان الأوروبية. وفي هذا السياق «المأزوم» عامة فيما يتعلق بجوهر العمليات الانتخابية يتم وضع هذا «القاموس» ويؤكد واضعوه بأن طموحهم هو تقديم «محصلة» نقدية لهذه الممارسة والتي تعود بداياتها إلى قرون طويلة وكذلك دراسة المصاعب المختلفة التي تواجهها في شتى الميادين. ويحتوي هذا القاموس على نحو أربعمئة «عنوان» ساهم في بحثها مئة وستون باحثا لهم أعمالهم في الميادين التي كتبوا فيها. كذلك يحتوي هذا الكتاب ـ القاموس على فهرس مفصل بحيث يكون من السهل استخدامه. وقد اختار واضعو هذا الكتاب أيضا تضمينه «سيرة حياة موجزة لعدد من الشخصيات السياسية التي كان لها فضلها على الساحة الدولية وتأثيرها في توجيه القرارات الأساسية الخاصة بمصير العالم». هكذا يتم تكريس صفحات عدة لأهم رجال السياسة الفرنسيين المعاصرين من أمثال الجنرال ديجول وجورج بومبيدو وفاليري جسكار ديستان وفرانسوا ميتران وجاك شيراك، أي رؤساء الجمهورية الخامسة كلهم والتي كان الجنرال ديجول قد أسها عام 1958 وتبنّت نظاما جديدا في ميدان «الاقتراع.. كذلك يتم تقديم مسيرة حياة موجزة دائما لعدد الشخصيات العالمية» من بينها الرؤساء الأمريكيون، وخاصة بيل كلينتون ورينالد ريجان، والمستشار الألماني السابق هيلموت كول، ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة أيضا مرجريت تاتشر.. الخ. وبالاضافة إلى رجال السياسة يستعرض واضعو هذا الكتاب، القاموس عددا من النظريات لأهم المفكرين السياسيين وعلماء الاجتماع الذين اهتموا بمسألة «الاقتراع» من أمثال «ماكس ويبر» و«ماكيافيللي» و«جاك روسو» و«شومبتر»، وغيرهم.. وتتم أيضا دراسة المنظومات الانتخابية النافذة في بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع دراسة ضوابط ممارستها وطبيعة المؤسسات القائمة عليها ودور الاعلام بشتى وسائله، وخاصة التلفزة في المرحلة الراهنة والتي أصبحت وسيلة «صناعة» الرأي العام بامتياز. تجدر الاشارة هنا إلى أن مفهوم «الرأي العام» يحظى بالاهتمام في هذا الكتاب وذلك على أساس انه هو «صاحب المصلحة» بالعمليات الانتخابية. وفي المحصلة النهائية، وإذا كان المساهمون في هذا الكتاب يؤكدون بطرق مختلفة بأن الممارسات الانتخابية «الاقتراع» ليست في خطر، فإنهم يؤكدون في الوقت نفسه بأن لها أيضا حدودها التي لا يمكن أن تتجاوزها. هكذا ينبه البعض إلى أن «الاقتراع» ليس مرادفا بالضرورة للديمقراطية، ويشرح «جي هيرميه» مدير «مركز الدراسات والأبحاث الدولية» في هذا السياق كيف أن بعض أشكال الانتقال ـ الشكلي ـ إلى الديمقراطية انما كانت في الواقع خطوات تراجعية نحو دكتاتورية مقنعة إلى هذا الحد أو ذاك. وقد حذّر في هذا السياق من «أوهام النزعات الانتخابية» والتي لا ترى أي حل آخر سوى «الاقتراع» إذ أن مثل هذه الأيام تدفع إلى الاعتقاد بأن «ممارسة الاقتراع تعني الديمقراطية» وتخفي في الوقت نفسه حقائق ووقائع تدل عليها أمثلة كثيرة في مناطق عديدة من العالم وهو انه «يمكن للطغاة أيضا أن يعيدوا بقاءهم في السلطة عبر نتائج صناديق الاقتراع». ويذهب «ارنوميرسييه»، الأستاذ في جامعة نيس بجنوب فرنسا، أكثر من «جي هيرميه» في هذا الاتجاه، إذ لا يوجه أصابع الاتهام إلى «الدكتاتوريات المقنّعة بلباس ديمقراطي» وانما يؤكد انه، وحتى في الديمقراطيات المتقدمة، توجد سلطات لا تمتلك شرعية الاقتراع وذلك حيث ان وسائل الاعلام قد أصبحت بمثابة «أداة لاضفاء الشرعية السياسية على رجال السياسة» كما ان «فيليب رينو» الأستاذ في جامعة السوربون الثانية يثير مسألة واقع ان السلطات المنتخبة نفسها انما هي موضوعة تحت رقابة القضاة الدستوريين الذين وان كانوا قد تعينوا من قبل الهيئات السياسية، فإنهم مع ذلك ليسوا مسئولين أمامها». ويثير عدد من المساهمين في هذا الكتاب ـ القاموس القضية المطروحة على النقاش في عدد من المجتمعات الأوروبية اليوم وهي مشاركة جميع السكان المقيمين بالانتخابات المحلية أي غير التشريعية والرئاسية، وكذلك مسألة حق الاقتراع الذي اكتسبته النساء مؤخرا لكنهن مازلن في أغلبية الحالات مجرد «ناخبات» ولسن «نائبات». كتاب ـ قاموس.. يصف ويحلل ويلقي في الوقت نفسه الأضواء النقدية على الحياة السياسية في الغرب اليوم.