بيان الكتب: انطلاقا من اهتمامه بالشأن السوداني يحاول الكاتب والصحفي فؤاد مطر أن يقدم لنا رؤية شاملة متكاملة لكافة التطورات على الساحة السودانية في مرحلة ما بعد الاستقلال تمكننا، من فهم واستيعاب ما جرى ويجري وفك طلاسم وألغاز الكثير من الأحداث التي تبدو غير مفهومة اذا لم ننظر لها في اطارها العام من تطورات الوضع في السودان. وتحت سلسلة أسماها الأعمال الشاملة يخصص مطر جزءا منها للسودان تحت عنوان «حلو مر السودان.. تاريخ ما لن يهمله التاريخ عن السودانيين.. العسكر والأحزاب».. وهو الكتاب الثاني في موضوعه والذي جاء اوله تحت عنوان المصالحة الوطنية الاولى في السودان انتكسوها ام انتكست؟ ورغم أهمية المادة التي اوردها الكاتب فؤاد مطر في كتابه الثاني الذي نعرض له «وهو سنوات نميري.. بحلوها ومرها..» الا ان القراءة الموضوعية تشير الى انه من المتعذر عليها وحدها ان تقوم بمادة كتاب وأنه كان من المفترض ان يزيد المؤلف مادته ثراء بمواد اخرى تتجاوز اطار الحوار مع الرئيس السابق جعفر نميري والذي شغل كل صفحات الكتاب. فإذا كان الحوار هو دور الصحفي في شخصية فؤاد مطر فإن تحليل مادة هذا الحوار ونقدها والتعقيب عليها والاستعانة بشهادات اخرى تؤيدها او تعارضها هو دور الكاتب في شخصية فؤاد مطر وهو الدور الذي كان من المنتظر منه في ضوء تميزه في مجال الكتابة في الشأن السوداني ولا نود ان نرجع الكتاب على حاله هذا الى الاستسهال الصحفي ولكن تبقى هذه النقطة اضعف الامور في الكتاب وتعطي الانطباع بالرغبة في زيادة الانتاج من المؤلفات بغض النظر عن المضمون. بعيدا عن هذه النقطة والتي نراها اساسية في تناول الكتاب بالعرض نشير الى انه يأتي فيما يمكن اعتباره سبعة فصول تسبقها مقدمة للكاتب وتقديم طابعه العام المجاملة من ربيع حسنين «من خيرة المثقفين السودانيين حسب هامش الكتاب». وبشكل عام فإن الكتاب من خلال الحوار مع نميري يتناول ثلاثة موضوعات اساسية هي النشأة والبدايات العسكرية لنميري، الصراع مع الشيوعيين، العلاقة مع مصر «ناصر والسادات». في تقديمه للكتاب يشير فؤاد مطر الى ما يسميه ظاهرة نميري وان هذه الظاهرة استهوته وانه من هنا كان سعيه الى تقديمها للقاريء ليحيط بكل جوانبها. ومع التقدير الكامل للنميري كرئيس عربي سابق الا انه من الواضح ان المبالغة اخذت مداها في وصفه بالظاهرة او ان مفهوم الظاهرة لدى الكاتب يحتاج الى مراجعة وهو ما يشير اليه ادراج شخصيات اخرى عديدة لها كل الاحترام والتقدير كظواهر منها مثلا الدكتور جورج حبش واخرون يذكرها بالكتاب. وبعد المقدمة يبدأ مطر في متن كتابه بالحوار مع نميري مستعرضا شريط الذكريات عن الاب والام والكلية الحربية ومن هذه الذكريات نعرف ان نميري نشأ كغيره من عدد من الرؤساء العرب في اسرة بسيطة فقيرة عاشت حياة قاسية حيث كان مرتب الوالد ضئيلا مما أدى به الى ان يطلب من الاخ الاكبر لنميري ان يتوقف عن الدراسة ويبدأ العمل، كما اتجه نميري نفسه الى القوات المسلحة بدلا من الجامعة ليؤمن دخلا يساعد به اسرته وكان نميري محبوبا لدى أهل الحي الذي نشأ فيه وكان لا يتردد في تقديم خدماته للعاجزين ووصل الامر انه كان يقود حمير اهل الحي وينظفها في النيل، كما كان نميري يعشق الرياضة ومن البارزين فيها. اما بداياته الوطنية فقد جاءت من موقف تعرض فيه جده للمهانة على يد مفتش بريطاني فكان كرهه لبريطانيا والبريطانيين والاستعمار.. ثم يعرض نميري لذكريات البدايات العسكرية وتعيينه للمرة الاولى في المحافظة الغربية وكيف ان قائد المنطقة الغربية وهو بريطاني تنبأ له بأنه سيكون قائدا للجيش وشهد على قوله هذا ضابطان سودانيان. وبشكل عام فإن النشأة العسكرية لنميري اتسمت بالتنوع والثراء وكثرة التنقل بحكم ان ذلك كان في بدايات التكوين للجيش السوداني مما وسع من خبرات نميري وزاد من ذلك سفره للخارج.. الى مصر والولايات المتحدة للتدريب. ويبرز اسم نميري مع توجيه تهمة له بالتحضير لانقلاب في 1955 وهي تهمة يتضح انها ليست اكثر من وشاية ومع تردي الاوضاع في البلاد واشتداد الصراع بين الحكم العسكري وقيادات الاحزاب يتدخل تنظيم الضباط الاحرار بأوامر من نميري الذي عاد من الولايات المتحدة لضبط الاوضاع وتندلع ثورة اكتوبر 64 لينتهي حكم الفريق ابراهيم عبود وتبدأ جهود تشكيل حكومة وطنية غير ان المفاجأة اصدار الحكومة الجديدة قرار اعتقال نميري ورفاقه فكان التحرك الجماهيري للافراج عنهم. وكأي تحرك عسكري او انقلاب يشير نميري الى ان الوضع البالغ السوء الذي وصلت اليه البلاد سياسيا وعسكريا وفي الجنوب كان السبب في التفكير في الاستيلاء على السلطة غير ان بروز الشيوعيين بدا كعقبة أمام تحرك الجيش خاصة ازاء اختراقهم لصفوفه ومعرفتهم بخطط تحرك الجيش فكان تقديم ساعة الصفر 24 ساعة وعلى اثر ذلك تم تشكيل الحكومة الاولى لثورة 25 مايو برئاسة بابكر عوض الله. هنا يبدأ فصل جديد من الصراع مع الحزب الشيوعي يلقي بتأثيراته على مجريات الامور في البلاد فبابكر عوض الله وثيق الصلة بالحزب الشيوعي وأدى به هذا الى تعيينه لعدد من الوزراء الشيوعيين وبدأت مداولات مجلس قيادة الثورة تتسرب الى الشارع من قبل الشيوعيين الذين زادوا تحركهم وبدأوا يظهرون في اللقاءات السياسية حاملين للاعلام الحمراء ومرددين الشعارات الماركسية. الغريب ان نميري حينما طلب من وزير الداخلية انذاك فاروق حمد الله منع الظاهرة راح يبررها. وبدأ الحزب الشيوعي يهاجم كل قرارات ثورة مايو 1969 الى ان وصل نميري مؤخرا الى انه لابد من مواجهة التحرك الشيوعي الذي يعد الطرف السوداني الذي يعلو صوته ضد الثورة، فضلا عن مواجهة انطباع ساد بأن النظام في السودان انما هو نظام شيوعي. ويروي نميري عن ظروف هذا الصراع الكثير من الجوانب التي تثير الدهشة.. فمثلا رئيس الوزراء بابكر عوض الله يصرح في المانيا الشرقية بأن التحالف مع الشيوعيين زواج كاثوليكي.. وتبث الاذاعة التصريح مرة كل عشر دقائق ويسعى مجلس قيادة الثورة لنفي التصريح في الاذاعة ولكن ثلاثة من أعضائه يرفضون. وعندما يتخذ نميري خطوات نحو التقارب مع مصر وليبيا يتهمه الشيوعيون في مظاهرات ومنشورات بأنه باع السودان للدولتين... وترفض الاذاعة اذاعة تصريح للرئيس نميري يوضح فيه الموقف من التجربة الوحدوية مع مصر وليبيا.. وزير الداخلية يوزع منشورا على المواطنين يلوم فيه نميري على الدخول في وحدة مع مصر وليبيا وسوريا. وازاء عدم جدوى هذه الاساليب بدأ الحزب الشيوعي بتجاوز المعارضة السياسية الى الاساءة الشخصية لنميري وبدأ عبدالخالق محجوب يندد بمسلكية قيادات النظام ويعمل على استفزاز السلطة من اجل الدخول في صراع علني مع الجماهير فكان اتخاذ قرار بإبعاده الى الخارج فاختار السفر الى مصر ثم كان اعفاء ثلاثة من أعضاء مجلس قيادة الثورة هم هاشم العطا وباكبر النور وفاروق حمد الله. وازدادت ازمة النظام بما بدا من تحالف بين جماعة الهادي المهدي والشيوعيين وهو ما انتهى الى احداث جزيرة ابا. وبدأ الشيوعيون يفكرون في انقلاب عسكري على النظام فكانت المحاولة الانقلابية في 19 يوليو 1971 والتي تم خلالها اعتقال نميري لمدة اربعة ايام والتي فشلت بسبب التحرك الجماهيري ضد المحاولة وهنا يدافع نميري عن المحاكمات التي تمت لقادة المحاولة. ويعرض فؤاد مطر من خلال الحوار مع نميري سريعا لبعض ألغاز الدور السوفييتي مما كان يجري في السودان والدور المغاير الذي لعبته الصين ثم ينتقل بعد ذلك الى الحديث عن العلاقة مع مصر. من خلال تناول هذا الجانب يبدو ان هناك مشكلة ما في ادراك بعض الفئات السودانية للدور المصري او السياسة المصرية بشكل عام تجاه السودان وان طبيعة علاقة النظام الحاكم في الخرطوم مع مصر قد تكون مصدر قوة او مصدر ضعف لهذا النظام بمعنى اخر ان هناك حساسية او شبهة برغبة الجانب المصري في احتواء او فرض التبعية على السودان. وبغض النظر عن صحة هذا التصور من عدمه فإنه يتم توظيفه في الصراع السياسي الداخلي في السودان بما يحقق اهداف الطرف الذي يستخدمه وقد يكون زاد من هذه الحساسية في الفترة موضوع الحديث او الشخص محور الكتاب وهو الرئيس النميري ارتباط تطوره السياسي بواقع الزعامة الكاريزمية للرئيس عبدالناصر.. فقد قامت ثورة يوليو المصرية عندما كان نميري ضابطا صغيرا وتشاء الظروف ان يكون نميري ضمن افراد الحرس الخاص لناصر لدى زيارته للسودان.. وحسبما يذكر نميري كان يتمنى ان يكلمه ولكن المسئولين الكبار حالوا دون ذلك.. طبيعي ان يفرض ذلك هالة من الاعجاب بناصر من المؤكد انها انعكست في سياسات نميري ما جعل البعض يستغلها ضده واصفا اياه بأنه يبيع السودان لمصر. ولا تخفي تعبيرات نميري في الحوار مع مطر حالة الانبهار بزعامة ناصر وهو ما انعكس في مجموعة سياسات منها اقدام نميري على اتخاذ مجموعة اجراءات من شأنها انغماس السودان في الصراع مع اسرائيل وتحوله الى دولة مواجهة وقد ساعد ناصر بسياسته توجهات نميري فنجح الى حد ما في ازالة التصورات العالقة في ذهن البعض عن نوايا مصر تجاه السودان من خلال قوله ان مصر شقيقة السودان اي انها ليست وصية او مستعمرة له.. غير ان حالة التوحد مع النظام المصري لم تحول دون رفض نميري للوحدة مع مصر وليبيا باعتبار ان الوقت لم يحن بعد وهو ما كان يلقي تفهما مصريا. ويشير الى مدى تقدير نميري لناصر قوله: انه لم يبك احدا باستثناء خاله كما بكى عبدالناصر. على العكس تماما.. تبدو علاقة نميري مع السادات فحديثه عن هذه العلاقة يشوبها بعض المرارة وهو ما يرجعه الى عدم وضوح السادات في سياساته ويعرض هنا للاجتماع الرباعي في القاهرة بين قادة مصر وسوريا وليبيا والسودان لبحث الوحدة وما ساده من عدم وضوح للرؤية ثم اختتامه بشكل بدا للنميري ملتويا. ويعزز النميري رؤيته فيشير مثلا الى انه في اعقاب ما سمي بالقضاء على مراكز القوى في مصر طلب من السادات عدم اعتقال الفريق محمد فوزي فوعده بذلك غير ان السادات اعتقله وامر بمحاكمته فور سفر النميري. وتشير رواية النميري الى انه صبر على السادات كثيرا لأنه رئيس مصر التي تحتل مكانة كبيرة في قلبه وعقله وحتى بعد مبادرة الذهاب الى القدس لم يتخذ موقفا متشددا غير ان سياسات السادات اجبرته على الفراق. ومن الحديث عن العلاقات مع مصر يعرج النميري الى الحديث عن علاقاته مع عدد من الزعماء العرب فيذكر بالتقدير عددا منهم ويبدي ألمه لمواقف اخرى. وبشكل عام فإن تجربة نميري في الحكم كجزء من تطور الاوضاع في السودان تستحق التوقف عندها بنظرة تتجاوز الرصد الى التحليل وهو ما نتمنى ان يقدمه لنا مطر في كتبه الاخرى المقبلة عن السودان وهي كثيرة نتمنى ان يطيل الله في عمره ليقدمها لنا. مصطفى عبدالرازق