بيان الكتب: في دراسة ابداعية جديدة يحاول فيها المؤلف ابو يعرب المرزوقي تحديد العلاقة بين الفكر الديني والفكر الفلسفي تاريخيا من خلال المبدأ المؤسس لتحقيق الوحدة بين الفكرين الفلسفي والديني فيتساءل عن طبيعة الفكر الفلسفي، ولماذا يغلب عليه الانطلاق من العلوم الطبيعية، الى العلوم الشرعية ولماذا يغلب على الفكر الديني الانطلاق من العلوم الشرعية الى العلوم الطبيعية ثم لماذا اهملت النخب الفكرية الاسلامية والعربية وخاصة المتبنين للمذهب العلماني الدور الذي لعبه الفكر الاسلامي في الفكر الفلسفي؟. هل كان هذا مصادفة او انه اتى نتيجة تأثر هذه النخب بالوصف والنتائج التي طرحها المستشرقون عن هذا الفكر او ان الوضع المهين الذي صارت اليه الحضارة العربية الاسلامية على مستوى الفكرين الديني والفلسفي جعلهم يتصورون ان هذا الفكر ما هو الا مصب يتجمع فيه تأثير الحضارات السابقة دون مبدأ ذاتي موحد او هو وعاء يتحدر من تلفيق لتأثير الحضارات المتأخرة عنها دون مشروع ذاتي موحد ايضا. حيث يرى الباحث في دراسته هنا ان اهم العوائق الاساسية التي تحول دون فهم العلاقة بين الفكر الديني والفكرالفلسفي هي تنكر كلا الفكرين احدهما في الآخر باطنيا والعداء الغالب بينهما ظاهريا وخاصة بين المتكلمين باسمهما وهذا ما جعل عدم دراسة التجربة العربية الاسلامية في علاج هذه الاشكالية واهمال الدور الذي اداه الفكر العربي الاسلامي للتغلب على هذا التنكر الباطن والمعاداة الظاهرة من خلال استناده الى التوحيد القصدي بين غاية الدين المنزل وغاية الدين الطبيعي. لذلك فإن مهمة هذه المحاولة هي بيان المنطق الداخلي الذي يحكم الفكر العربي الاسلامي وفضله على الفكر الفلسفي وذلك من خلال تحديد مبدئه المؤسس انطلاقا من مسعاه نحو تحقيق الوحدة بين الفكرين الفلسفي والديني ذلك ان منطق الفلسفة العربية الاسلامية يثبت انهما متحدان في الجوهر كما تبين من تحليل تاريخهما في حقبتها فهي قد اعتبرتهما امرا واحدا في الجوهر وردت تقابلهما الى غلو من يأخذهما من احد طرفي المعرفة الانسانية عامة. فالفكر الفلسفي يغلب عليه الانطلاق من علوم الطبيعة الى علوم الشريعة مع ميل فعال الى رد الثانية الى الاولى والفكر الديني يغلب عليه الانطلاق من علوم الشريعة الى علوم الطبيعة مع ميل فعال الى رد الثانية الى الاولى لذلك فإنه يمكن ان نترجم المقابلة بلغة عصرنا الى مقابلة بين فلسفة عامة تغلب وجهة استمولوجية العلوم الطبيعية وفلسفة عامة تغلب وجهة نظر استمولوجيه العلوم الانسانية والمعلوم ان كلا الطرفين غال ومجانب للصواب ذلك انه حتى لو صح ان الظاهرة الطبيعية غير الظاهرة الشريعية من حيث الطبيعة فان علم الاولى ليس ظاهرة طبيعية وموضوع الثانية غير علمه فيكون علم الطبيعة من طبيعة علوم الشريعة نفسها كلاهما شبكة تصورية يضعها الانسان بحسب امكانات عصره وتقدم وسائله المعرفية اجتهادا لوصف ظاهرة هي غيره بالطرق نفسها التي لا يمكن ان تحيط بالموضوع او ان تصل الى رده اليها. ويرى الباحث التونسي في كتابه الجديد «وحدة الفكرين الديني والفلسفي» ان مسعى التوحيد بين الفكرين لم تخل منه حقبة من حقب تاريخ الفكر الانساني وكذلك مراوحته بين الشهود والجحود حيث لم يبلغ مسعى التوحيد الشهودي الذروة الا في الحضارة العربية الاسلامية وخاصة فيما تقدم عند الغزالي على محاولات ترميم الميتافيزيقا عند اعلام الفكرين في القرن السادس / القرن الثاني عشر او في النقد الجذري الذي تلا هذا الترميم عند ابن تيمية وابن خلدون. فتلك المحاولات التي تحكمها هي كذلك هذه الاشكالية اشكالية الصلة بين الدينين الطبيعي والمنزل رغم ما اصاب هذه المحاولات من اعراض حالت دونها وادراك طبيعية التوحيد الذي امدنا النقد المحمدي للتجارب السابقة بأفضل نماذجه كترميم الفكر الفلسفي الافلاطوني الصوفي عند السهروردى وترميم الفكر الديني الافلاطوني الكلامي عند الرازي وترميم الفكر الفلسفي الارسطي الكلامي عند ابن رشد وترميم الفكر الديني الارسطي الصوفي عند ابن عربي فكل هذه الترميمات تجمع رغم اختلاف التسميات بين الفكرين جمعا هدفه الاول والاخير تجاوز التقابل بينهما واعتباره مجرد مظهر خارجي لا مساس له بالجوهر. ويؤكد الباحث ابو يعرب المرزوقي في كتابه الجديد ولكي يستجيب علاجه لشروط البحث الفلسفي لابد من تحديد العناصر المفهومية التي تمكن من فهم الصلة بين الفكرين والدور الذي اداه فكر المسمين ببعديه الكلامي والفلسفي في تحقيق الشروط التي جعلت تجاوز الفكر القديم ببعديه الديني بحسب «التقليد العبراني» والفلسفي بحسب «التقليد اليوناني» وتحقيق شروط التحرر من ثمراته المنافية للاستخلاف في سنتي الفكر الحديث والمعاصر امرا ممكنا حيث ينبغي حصر الاشكاليات الفلسفية والدينية التي احدث الفكر العربي الاسلامي فيها تغييرا ثوريا حقق هذا التجاوز والتخلص اللذين ننسبهما اليه حيث يقتضي طلب الجواب امرين اثنين: الامر الاول: هو صياغة مناط التوحيد الممكن بين الاشكالية الفلسفية والاشكالية الدينية حيث يقبل هذا المطلب الصياغة اذا كان جوهر اشكاليات الفلسفة القديمة راجعا الى مباديء العقل التي يدور حولها الفكر الفلسفي لفهم ما طرأ في تاريخ النظريات الفلسفية الوسيطية والحديثة. اما الامر الثاني فهو اختيار منهجية البحث والاستدلال التي تمكن من فهم الصلة بين دور الفكر النقدي وما طرأ على الاشكاليتين من تغير بمقتضى ما حصل فيهما من الحقب اللاحقة. وعن تعليل الخيار المنهجي تاريخيا ومفهوميا يرى الباحث ابو يعرب المرزوقي انه لا يمكن الفصل بين هذين الفكرين في دلالات وقائعهما العميقة خاصة وقد اصبحت هذه المقابلة امرا لا يصدقه احد ممن يعلم اسس الفكرالحديث المعاصر في الفلسفة وفي تاريخ الفكر الديني سواء اقتصر الامر على الاديان الطبيعية او ضم اليها الاديان المنزلة منذ سيطرة تأويلاتها في المثالية الالمانية. فسعي الفكرالفلسفي الى التعالي على الممارسات النظرية والعملية والجمالية في مستواها الاول ومعها التقويم الجهوي والشهودي بحثا وراءها في وحدة مبادئها الاخيرة يحول دونه والطابع الفلسفي الخالص المنافي لما يمكن ان يعتبر ذا مصدر ديني لكونه لا يمكن ان يبقى منتسبا الى الفكر العلمي الخارجي حيث ينقلب في الحقيقة الى فكر ديني طبيعي متردد بين الجحود والشهود. وهكذا فان علاج اشكالية العلاقة بين الفكر الديني والفكر الفلسفي اشكاليتهما التي تدور حول هذه القيم اما من منطلق الشريعة في تحريف الدين المنزل او توظيفه الجحودي او من منطلق الطبيعة في تحريف الدين الطبيعي او توظيفه الجحودي او من الوحدة التجاوزية للمنطلقين في الفكر الشهودي المستدعي الى التحرر من التوظيف والجحود جمعا بين الدينيين الاسميين في دين الفطرة الاسلامية جمعا قبليا متقدما على التحريف الجحدي (الحنيفية الاصلية) وجمعا بعديا متأخرا عن التحريف لكونه يشترط حصوله لاصلاحه (الحنيفية المحدثة) حيث يقتضي هذا العلاج الاجابة على السؤالين التاليين: ما الدور الذي اداه فكر الاسلام ببعديه هذين في تحقيق التوحيد الشهودي من خلال صياغة مباديء العقل النظري وقيم العقل العلمي صياغة تتبدى فيها وحدتها الاصلية؟ ما مقومات الفكر الاسلامي التي جعلته يكون بالذات دين التوحيد بين الفكرين الفلسفي (العقل بحسب تطوره الطبيعي) والديني (العقل الموحى اليه) مما جعله يكون دين الوسطية اي دين المعيار الذي يحدد الشاهد على جميع الاديان الاخرى لكون كتابه مهيمنا على كتبها. ويخصص الباحث التونسي ابو يعرب المرزوقي للجواب على هذين السؤالين مقالتين كلتاهما تتضمن ثلاثة فصول. المقالة الاولى عن مباديء العقل والنظر ومباديء الشرع والعمل بين الدين والفلسفة حيث يجيب في هذه المقالة على السؤال الاول فيخصصها لدراسة ثمرات التوحيد الاستخلافي بين الفكرين الديني والفلسفي توحيدا مكن من تجاوز السنتين القديمتين فأعد للتحرر من ايحائها المجحودي في الفكرالحديث والمعاصر سواء تعلق الامر بمجال مباديء العقل النظري او بمجال قيم العقل العملي حيث تتضمن هذه المقالة ثلاثة فصول: الاول عن مناطق التخاطب الحضاري بين الجحود والشهود، والثاني منطق المباديء والقيم ومراحل اكتشافهما، والثالث منبع المباديء والقيم وتوازنهما في الافعال الانسانية، فيما خصص الباحث المرزوقي المقالة الثانية لمنزلة الفكر العربي الاسلامي ودلالة وضعه الراهن حيث يجيب في هذه المقالة عن السؤال الثاني ويخصصها لدراسة منزلة الفكر العربي الاسلامي ووضعه الراهن او العلة التي لأجلها كان الاسلام نقدا للتحريف بحكم كونه الدين الفطري الخاتم او الدين الموحد بين الدين الطبيعي الارقى والدين المنزل الاسمى. ويشير الباحث الى انه كان يمكن الاستغناء عن هذه المقالة الثانية لولا بلوغ الجهل بجوهر الثورة الاسلامية حدا لا يطاق وخاصة عند المنتسبين الى حركات الصحوة والمتكلمين باسمها لعدم فهم مدلول دور الاستخلاف ودلالة الوسطية اما الاستهانة بهذه الثورة عند اعداء الاسلام فهي معلومة للجميع. وفي المقالة ثلاثة فصول الاول عن مقومات الاستخلاف ومراحل توحيد الفكرين الديني والفلسفي والثاني عن منطق توحيد الفكرين الفلسفي والديني والثالث عن طبيعة الوساطة والوسطية الاسلاميتين حيث يبين هذا البحث ان مثل هذه المسائل لا يمكن ان يكون البحث فيها مثمرا الا اذا تخلص من اصوليتي توظيف الدين والفلسفة في مرحلتهما القديمة الوسطية والحديثة المعاصرة. فهذه الاصولية المضاعفة قد حالت دون فهم الفلسفة والدين وطبيعة العلاقة السوية بينهما كما تغينت في تكون الفكرين وتفاعلهما وذلك سواء في العصر الوسيط او في العصر الحالي خاصة. فالموقف الاصولي في مدلوليه الفلسفي والديني يرد الفكر الى بعده المباشر في الحياة السياسية مقصورا عليها لكونه في الحقيقة ينفي ما يتعالى على الوجود الدينوي و من ثم فهو في جوهره دهرية خالصة فهو في المرحلة الحالية يقصر الفلسفة على معتقدات النخب الائكية بضربيها (الوضعي النظري والوضعي العملي) والحكم باسمها فأغلب هذه النخب من ادعياء الشعر في الممارسة الابداعية وادعياء الفلسفة في الممارسة السياسية كما يحصر الدين في معتقدات النخب الدينية بضربيهاوالحكم باسمها واغلبهم من ادعياء العلم في الممارسة الابداعية وادعياء الدين في الممارسة السياسية وقد كان الامر مماثلا في المرحلة الوسطية فالمقصود بالدين كان عندئذ معتقدات الفقهاء والمتكلمين وذلك ما كان يغلب على الاسلام السني والمغالي منه على وجه الخصوص وقد كان يغلب على الاسلام الشيعي والمغالي منه على وجه الخصوص. هاجر احمد