دعاني الكاتب الراحل عاصم توفيق ذات مرة على أكلة (كشري) فاعتذرت لأنني لا أحب (الكشري).. وحملق في وقال: هذا هو السبب! ثم قال إنه لاحظ أنني لا أتابع كرة القدم وها أنا أعترف بأنني لا أحب (الكشري)، أي أنني لا أستسيغ مظهرين هامين في الحياة الشعبية، وأخالف اجماع الناس. ولذلك ـ قال عاصم ـ لن تستطيع أبدا أن تكتب أفضل دراما اجتماعية شعبية. ودافعت عن نفسي آنئذ، وقلت انني اذا كنت أكره الكشري فأنا أحب (الفول) وهو الطعام الشعبي الأشهر. واذا كنت لا أتابع كرة القدم فأنا أسمع أم كلثوم. وتجنبت آنئذ أن أعترف له بأنني لا أحب الرقص البلدي أو كما يسمونه الرقص الشرقي، وهو تعبير قد يحدث التباسا في بعض البلاد. أذكر أننا كنا مدعوين في دار صديق مغربي في الرباط. وكان جل المدعوين من أهل المغرب. وكعادة أهلنا في شمال افريقيا كانت الأغاني القديمة هي أفضل الأطباق التي قدمت في العشاء. واستحسن صديق معنا هذه الأغاني فتحدث عن روعة وجمال الموسيقى الشرقية. وهنا هب أحد المغاربة وصحح لصديقي أن هذه ليست موسيقى شرقية، بل هي موسيقى عربية أصيلة. وقامت مناقشة حادة طويلة، كان سببها الاختلاف في فهم المصطلح. فلقد اعتبر الاخوة المغاربة أن وصف الموسيقى بأنها شرقية يعني أنها آتية من المشرق العربي، في حين كان يقصد صديقي أنها موسيقى عربية أصيلة. ولم يدرك المختلفون أنه لا قضية هناك إلا عندما تدخلنا وشرحنا بصعوبة أن الاختلاف على المصطلح. على أية حال كلمة الشرقي كادت تختفي الآن من قاموس التعامل اليومي، في حين أنها كانت كلمة يومية في كتابات وصحف ومجلات الثلاثينيات والأربعينيات كما لاحظت وقد تعدى الاصطلاح ما نعرفه من أشياء مثل موسيقى شرقية وبلاد شرقية وملابس شرقية الى دواء شرقي مثلا! طبعا اصطلاح الرقص البلدي أسوأ. وأفضل عليه اصطلاح (رقص هز البطن) وإن كانت معظم الراقصات يبرعن في هز الوسط والأرداف والأكتاف والرأس وكل شئ. والرقص الذي أعنيه وتعرفه يا عزيزي القارئ أيا كان المصطلح ليس لدي مثل (الكشري) فأمر (الكشري) سهل. تستطيع أن تطلب طعاما آخر ولن يلاحظ أحد أنك تكرهه. أما الرقص فهذا شيء آخر. في حياتي ما فهمت الرقص البلدي هذا ولا استمتعت به ولا عرفت الفرق بين رقص تحية كاريوكا وبين رقص المصابات بالمغص كما كانت تصفهن تحية. وبالطبع لم أكن أذهب لأشاهد الرقص عامدا متعمدا مثل غيري من متذوقي الفنون، بل كنت في غالب الأمر أصطحب أحد. وكنت بجهد (علمي) كبير أحاول فهم هذا السر المغلق عليّ ويبدو أنني بالغت في (الأكاديمية)، فذات مرة توقفت الراقصة وتوجهت اليّ بالخطاب ولسوء حظي كنت في الصف الأول. وقال لي: ـ اذا كنت كارها الحياة الى هذا الحد، فلماذا أتيت الى هنا؟ وبالطبع كنت محط أنظار الناس كلهم، وموضع همساتهم التي لم تبق همسات عند الانصراف. والعجيب أن هذا الموقف تكرر من أخريات، مما أكد لي أن التعبير على وجهي ليس علميا أكاديميا، وإنما هو شيء مستفز. ولذلك كلما اضطررت لمشاهدة هذا الرقص رسمت على وجهي ابتسامة الرضا والسعادة ولا أظن ذلك أفلح كثيرا. وهكذا ـ على حد ملاحظة الصديق عاصم توفيق ـ فقدت ثلاثة عناصر شعبية هي الرقص البلدي وكرة القدم والكشري.. ولذلك سلمت الى كتابة الأعمال التاريخية على حد قوله. وفي الاسبوع الماضي ذهبت لمشاهدة حفلة عنصرها الأساسي الرقص البلدي. وكان ذلك في سهرة (ثقافية) في أحد دور الليل في اسطنبول. وعندما اعترضت على وصف السهرة بأنها (ثقافية) قال مرافقي انها تحت اشراف وزارة الثقافة، حتى الساعة الثانية عشرة ليلا، ولما تساءلت بدهشة: وبعد ذلك.. قال باسما: يخرج أمثالك من محبي الثقافة وينظفون المكان ويعدون لبقية السهرة، ولا علاقة لوزارة الثقافة بها. وأظن أنها تحت رعاية الشيطان! المهم شاهدنا ثلاث راقصات تفننت كل منهن في دخولها الى المسرح. فإحداهن دخلت ملفوفة في سجادة وكأنها كليوباترا عندما أرادت أن تلقي قيصر أثناء حربه في الاسكندرية. أما الثانية فلقد دخلت في صندوق من صناديق الملابس القديمة. وأذكر أنني كنت في طفولتي أراه في بعض البيوت. أما الآن فنحن نسميه (صندوق محمد المنصور) ومحمد المنصور بالطبع هو الممثل الكويتي الكبير. ذلك أننا كنا في بغداد في أوائل الثمانينيات، وكما يحدث عادة أخذ كل منا يشتري ما يريد، أما محمد المنصور فلقد وقع في غرام صندوق ملابس قديم، قال ان عمره يعود الى مئة وخمسين عاما. ودفع مقابله مبلغا كبيرا. وصار مركز اهتمامه حتى أنه ذهب به الى المطار ونسى حقائبه. ولولا أنه تركها في غرفتي في الفندق فأدركته في الطريق لسافر بدونها ومن يومها نسمي هذا الصندوق (صندوق محمد المنصور)! خرجت الراقصة من الصندوق وسط تصفيق الحاضرين وغالبيتهم العظمى من الأجانب. أليست سهرة ثقافية؟! وتساءلت كيف تحملت الراقصة المكان الضيق المظلم! وقدرت الجهد الكبير الذي تقوم به الراقصات. وتذكرت قصة قصيرة كنت أقرأها محكما في إحدى المسابقات الأدبية. وكانت عن فلاح غاص في أنبوب تحت الماء في الترعة لاصلاح شيء ما، لكنه ضل الطريق. والكاتب يصف هذه اللحظات. وطويت القصة واعتذرت عن التحكيم. وتساءلوا عن السبب فقلت لهم انني لم استطع اتمام قراءة القصة واعتبر بعضهم هذا نجاحا للكاتب. ولكنهم في النهاية استثنوا رأيي في هذه القصة. ونظرت الى السقف، فإذا كانت الراقصة الأولى قد دخلت ملفوفة في سجادة تركية جميلة، والثانية مختبئة في صندوق (محمد المنصور)، فالثالثة لابد أن تنزل من السماء. لكنها خيبت ظني فدخلت محمولة على هودج. وبدأت رقصها بتحريك يدها بمنديل كبير. وبدا فورا أنها تستخدم المنديل كعنصر أساسي في الرقصة تحركه يمينا ويسارا وفي كل الاتجاهات. وعندما ترى منديلا على المسرح لابد أن تتذكر منديل أم كلثوم التي كانت تظهر به على المسرح وكانت تختار الوانه لتناسب ألوان فساتينها، بل قيل انها كانت تختار مناديلها مناسبة لأغانيها! واختلف الناس في تفسير ظاهرة منديل أم كلثوم. وقال البعض انها (لازمة) للتميز، وأن الفكرة كانت سائدة في ذلك الوقت، فهناك توفيق الحكيم الذي يرتدي (البيريه) وعباس العقاد الذي يرتدي (الكوفية). ولكن الحقيقة ـ كما أعتقد ـ أن أم كلثوم كانت تهاب الغناء أمام الناس، ونتيجة خوفها كانت تعرق وبالذات في يديها. ولجأت في البداية الى منديل لتجفف عرقها ثم صار جزءا منها. وليس هذا فقط المنديل الذي تذكرته، فهناك منديل عالمي هو منديل ديزدمونة في مسرحية عطيل. وكان المنديل أيامها - وحتى بعدها بقرون - رسالة غرام. وآه من أيامنا والمناديل فيها ورقية! وكان دليل ياجو على خيانة ديزدمونة هو وجود المنديل عند عشيقها. وهكذا قتل عطيل زوجته، وأنهى مجده العسكري. ولا أظن أن الراقصة تعرف شيئا عن منديل أم كلثوم ولا عن منديل ديزدمونة. ولا أظن أن المشاهدين كانوا يعرفون أن الشارع التركي ثائر على زيارة شارون، وأنه خرج في مظاهرات صاخبة. وأظن أن مشاهدي السهرة الثقافية لم يلحظوا حتى فيما بعد أن الشرطة التركية تعاملت مع المتظاهرين وخاصة النسوة كما كانت الانكشارية تتعامل مع مواطني العالم العربي عندما كنا جزءا من الدولة العثمانية. وسبحان من له الدوام.