لا الامطار الباردة الشديدة ولا غابات الصنوبر، ماكنت اتوقعه في جنوب خط الاستواء مباشرة. لكن ماجالي، التي كانت تضع نبات الخبازي الاحمر خلف احدى اذنيها وتضغط بقدمها الحافية على دواسة الوقود لسيارتها ذات الدفع الرباعي، ضحكت بينما انزلقت سيارتنا فوق طرق اخدودية قائلة: «سنكون فوق مناطق جبلية قريباً جداً». كنت اثناء وجودي على اطراف جزر بولينيزيا الفرنسية بعيداً عن أي مكان آخر في العالم كما لم اكن من قبل. اذ ليست جزيرة «نوكو هيفا»، وهي الاكبر من بين مجموعة جزر ماركيز، سوى تجمع من القمم البركانية من المحيط الهاديء، في منتصف المسافة ما بين نيوزلندا وأمريكا الجنوبية. كنت اتطلع بعد رحلة طويلة من لندن عبر لوس انجلوس إلى تاهيتي للاستلقاء في سريري على بعد سبعة اميال من خط مستقيم على الجانب الاخر من الجزيرة. ومع ذلك فإن العاصمة تايوهيه، تقع على بعد ضعفي هذه المسافة، فوق قمم تمتد حتى ارتفاع 2500 متر. تقبع تايوهيه التي يبلغ عدد سكانها 1500 شخص خلف خليج يتخذ شكل نضوة الحصان ويزخر بنبات الخبازي وهناك انزلتني ماجالي عند فندق «بيرل لودج» حيث استقبلوني بقلادة الجاردينيا واقتادوني إلى شاليه يطل على الخليج. وسرعان ما غرقت في نوم عميق على أصوات أمواج المياه التي كانت تغسل الشاطيء من تحتي. اكتشف الاسبان جزر ماركيز عام 1595. غير ان المحاربين الاشداء الذي سكنوا المنحدرات العالية والجبال المغطاة بسحب الغيوم والوديان الشديدة الانحدار والذين عرفوا بذبح وأكل أسراهم قد اضفوا على الجزر سمعة مسؤومة بين اوائل البحارة المستكشفين. ومع هذا تبين لي ان دليلي هناك ويدعى جان بيير بيروايته يختلف تماماً عن اسلافه من آكلي لحوم البشر. كان يعرف كل نبتة وشجرة، ويسمى كل زهرة اوركيد برية ويشير إلى الاشجار ذات عناقيد الفاكهة. الحياة والحب توجهنا صوب قريته المعروفة باسم «تايبيغاي» التي اطلقت شهرتها رواية «تايبي» للكاتب «هيرمان ملفيل». لقد عاش هناك ملفيل لفترة وجيزة عام 1842 وحقق كتابه عن الحياة والحب بين سكان آكلي لحوم البشر أفضل المبيعات في عهده. أما اليوم فالقرية عبارة عن تشكيلة هادئة من منازل قليلة ذات جداول نهرية جافة لتصنيع لب جوز الهند المجفف الذي يشكل الصادر الرئيسي لجزر ماركيز وعند النهر جلست مجموعة من النسوة يتخيرن الروبيان عبر المياه الصافية. وفي الوادي الآخر، والذي كانت تتعالى منه ألحان طيور شجية، تمشينا عبر غابة إلى منطقة تتألف من أرصفة عالية مصنوعة من صخور عملاقة. وقد عرفت تلك المنطقة هناك باسم «توبوا» وهو موقع قديم مقدس استوطنته قبيلة قوية. فالتاريخ يروي ان الشعب البولينيزي كان أول من سكن جزر ماركيز حوالي سنة 150 قبل الميلاد. وبوصول الأوروبيين اليهم كان عددهم يقارب 20 ألفاً مقسمين إلى قبائل كانت دوماً في حالة حرب. وإلى الخلف من شجرة البنغالي العملاقة الموجودة عند تلك الصخور العملاقة، ثمة حفرة ضيقة كان يحتفظ فيها بضحايا «طقوس الاضاحي» التي تجري على أحد الأرصفة. لكن الحملات الأوروبية قضت أخيراً على سلوك آكلي لحوم البشر خلال أربعينيات القرن التاسع عشر بعد ان جلبت معها الحصبة والجدري والانفلونزا. ومات سكان الجزر كما يموت الذباب وانخفض عدد السكان من 50 ألفاً عام 1800 إلى مجرد ألفين عام 1962. ومع هذا لم تتلاش التقاليد القبلية تماماً. في صباح اليوم الثاني، استقليت طائرة الجزيرة عائداً إلى المطار للحاق برحلة جوية تستغرق 45 دقيقة إلى «هيفا أو» التي تقع في المجموعة الجنوبية من جزر ماركيز، وعاصمتها «أتوانا» التي تقع تحت جروف وعرة. عند الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي، قطعت أجواء المنطقة زمجرة أصوات المحركات البحرية، ومن شرفتي هناك رأيت «أرانوي» وهي سفينة الشحن البالغ طولها 100 متر. والتي ستكون منزلاً لي خلال الأيام القليلة المقبلة. الراحة والسلام بالقرب من سطح أحد الجبال العالية المعروفة باسم جبل «تيميتو»، وجدت المنزل الذي اتخذه لنفسه الرحالة والرسام الأوروبي بول جوجين الذي وصل هناك عام 1901 بحثا عن الراحة والسلام وقد زينته لوحات خشبية نقشت عليها عبارة «إذا أحببت ستكون سعيدا». عاش الرسام جوجين في ذلك المنزل ذي الطابقين ثمانية عشر شهرا ريثما توفي هناك عام 1903 وأنتج فيه أفضل انتاجه وتسبب بإصابة رجال الدين الفرنسيين المحليين بالسكتة الدماغية عندما اتخذ فتاة من سكان الجزيرة يبلغ عمرها 14 عاما عشيقة له. أما الآن فقد حان الوقت لي لأصعد إلى ظهر سفينة أرانوي وكان علي أن أشق طريقي بين فوضى أنواع الحمولات. إنها سفينة شحن، لكن الحياة فيها لما يقارب 60 مسافراً كانت قضية متعة وقضاء وقت. إنها وسيلة مريحة للوصول إلى الجزر الخارجية، عند العشاء وجدت نفسي أجلس إلى جانب المدير الجديد لجزر ماركيز ويدعى مارك هنري. كان متحمسا لاستمرار الوجود الفرنسي في بولينيزيا قائلا: «إنهم بحاجة إلينا في أقل تقدير لمراقبة البحر الذي تبلغ مساحته أربعة ملايين كيلومتر مربع لاسيما وأن مخزون السمك مازال يسرق في كل مكان.