حتى أولئك الأشخاص الذين يكرهون الهندسة المعمارية الحديثة المتمثلة في كل تلك البنايات أو ناطحات السحاب المتناثرة على طول أماكن تفتقد للجوهر الفني يمكنهم أن يكونوا متساهلين مع لودفيج ميس فان ديروه، أكثر المحدثين اخلاصا من بين جميع المهندسين المعماريين. ففي سنواته الأخيرة، اقترح تصاميم مختلفة للمبنى نفسه ولكل غرض على حدة. فالأبراج والمكاتب والمتاحف، صندوق أسود من الفولاذ والزجاج. وللقاعات الموسيقية ومراكز الاجتماعات، اقترح الشيء نفسه. أما بالنسبة للمنازل السكنية، فقد اقترح شيئا أكثر ألفة وهو صندوق من الفولاذ والزجاج باللون الأبيض. ومع ذلك، فإن أفضل ما صممه لايزال يعتبر جميلا بكل ما في الكلمة من معنى. وحول ردهة مبنى سيجرام في نيويورك، تحدد قطع من الفولاذ حقولا واسعة من الزجاج لكي تجعل الطوابق العلوية تبدو عائمة. وتعتبر أبراجه المزدوجة للشقق السكنية الواقعة في ليك شوردرايف في شيكاغو متميزة بشكل رائع تماما مثل صناديق الصلصال اليابانية. كما ان بناية فارنسويرث هاوس التي صممها في مجملها تقريبا من الزجاج في بلانو بألينوي تعتبر مبنى يمكنك العيش فيه، مع ان ذلك يصبح غير ممكن إذا كان هناك جيران يحملون مناظير مقرّبة. وبالنسبة لأي شخص يعتقد ان الهندسة المعمارية اتخذت مسارا خاطئا بعد تشييد مبنى الامباير ستيت، فإن ميس هو من مهد الطريق. والآن يعود ميس إلى الساحة مجددا ولكن من خلال معرضين يقامان في متحفين بنيويورك حول أعماله التي تحكي سيرة حياته. المعرض الأول يحمل عنوان «ميس في برلين» ويقام في متحف الفن الحديث. ويغطي هذا المعرض الفترة من حياة ميس التي قضاها يبحث في تاريخ الهندسة المعمارية حتى وصل إلى الروائع الأفلاطونية للشكل الهندسي. ويحمل المعرض الثاني اسم «ميس في أمريكا» ويقام في متحف ويتني للفن الأمريكي. يتناول المعرض قصة هروب ميس من النازية واستقراره في شيكاغو وترأسه لما أصبح يعرف باسم معهد إلينوي للتكنولوجيا. ان تنظيم معرضين في آن واحد يعتبر شيئا كثيرا، خاصة بالنسبة لرجل كان يقول: «القليل كثير». لكن لا يمكن أن يكون هناك وقت أفضل من هذا الوقت لإلقاء نظرة شاملة إلى الوراء على ميس بعد 32 عاما على رحيله وبعد مرور عقدين على نهوض حركة ما بعد الحداثة واعلانها أن الشيء الضئيل يسبب الضجر. وآخر معرض كبير لميس تصادف تنظيمه قبل 15 عاما في متحف الفن الحديث مع فترة نزاع حركة ما بعد الحداثة، عندما كان ميس وأتباعه يهتمون بالعداء للتاريخ وللابداع ولما يريده الناس حقا. والآن جاء دور نزعة ما بعد الحداثة لكي توضع في قفص الاتهام، وبدأنا نشهد اليوم عودة للطراز المعماري الذي انتشر في عصر الحداثة. ان هذه العودة تعتبر بمثابة شهادة براعة لميس، خاصة وأن هذا الأسلوب في الفن المعماري تزامن ظهوره مع نهاية الحرب العالمية الثانية التي شهدت دمارا غير مسبوق. كانت متطلبات تلك الفترة تتلخص في أن يكون مظهر المباني متوافقا مع الحقائق الموثوقة التي يمكن للبناء أن يعكسها. وتميزت بنايات تلك الفترة بسقوفها المسطحة وعناصرها الهيكلية المكشوفة ومسطحاتها الزجاجية التي صنعت من مادة محبوبة لارتباطها بالشفافية والبساطة. وكان ميس يصف الزخرفة بقوله انها «شيء متكلف». لقد وصل ميس إلى نيويورك وهو في سن الثانية والخمسين وكانت لغته الانجليزية ضعيفة ولكنه كان يحظى بدعم قوي من متحف الفن الحديث وبالأخص من أمين المتحف فيليب جونسون الذي أقام له معارض عديدة وعرّفه على الأثرياء. ويهدف المعرض الذي أقيم في متحف الفن الحديث إلى التوفيق بين ميس وبعض من نقاده بالقول إنه كان مشغولا أكثر مما يدرك معظم الناس بالتوفيق بين تصاميمه والبنية الطبيعية المحيطة بها. وبالنسبة لجيل أقل سمواً في التفكير من البنائين والمهندسين، فإن بساطة أسلوب ميس الجميلة كانت بمثابة ضوء أخضر لبناء آلاف الصناديق الزجاجية المستعجلة في كل مدينة وضاحية، حتى باتت المباني التي تستحق المشاهدة قليلة جداً. ضرار عمير