بيان الكتب: التأثيرات الإسلامية في العبادة اليهودية كتاب يتخذ اتجاها مضادا لما درج عليه الباحثون من اليهود خاصة والمستشرقون عامة في عرض العلاقة بين اليهودية والإسلامية، في أبحاثهم التي تؤكد تأثير اليهودية على الإسلام اعتمادا منهم على أنه مادام ظهور اليهودية على مسرح التاريخ أقدم من ظهور الإسلام فإنه لا مفر من أن يؤثر السابق في اللاحق.. أما هذا الكتاب فإنه يتعرض للاتجاه المقابل فيوضح كيف تأثرت مظاهر العبادة في الديانة اليهودية بالنظم الإسلامية ومن ثم تأتي أهمية هذا الكتاب من الناحية العلمية من جهة وأهميته بالنسبة لنا كمسلمين من الجهة الأخرى خاصة وأن مؤلف هذا الكتاب هو الباحث اليهودي نفتالي فيدر صحيح أن هذا البحث يتناول جزيئات قد لا تعبر عن تأثير جذري للإسلام على اليهودية ولذلك يركز الباحث خلال بحثه على أن ظهور التأثير في هذه الجزيئات لم يكن إلا عرضا مظهريا لتأثر قادة اليهود وزعمائهم في الدراسة الإسلامية بروح الإسلام وفلسفته وإتجاهات مبادئه إلى النظافة والنظام في المظهر وإلى الزهد والإخلاص في النفس بل أنه كثيرا ما يسمى التاثير الذي أدخله قادة اليهود إصلاحا. ويؤكد المؤلف أن الديانة اليهودية تأثرت تأثرا عظيما بالبيئة الإسلامية حيث أدت التيارات الروحية التي غمرت هذه البيئة طوال مئات السنين إلى ثورة في الحياة الروحية لليهود المقيمين في الاصقاع العربية إذا أن المسائل الدينية التي قتلتها المدارس الإسلامية عرفت طريقها إلى مدارس أحياء اليهود وقد عظم هذا التأثير أولا وقبل كل شيء في ميدان الفكر الديني والنظر الفلسفي حيث شعرت المراكز الثقافية اليهودية بالحاجة إلى حل المشكلات الدينية الفلسفية التي صارت موضع نقاش وبحث بسبب ما وقع فيها من تضارب في الآراء بين الفرق الإسلامية ومن الناحية الشكلية اتخذ اليهود لأنفسهم مناهج العرب العملية في فروع الدين والاخلاقيات والنحو وتفسير الكتاب المقدس بل حتى في ميدان الشرعية وأن ظاهرة التأثير تغلغلت أيضا إلى قلب العمل الديني والعبادة الدينية كما ظهر في شعائر الصلاة في الكنيس وهذه الظاهرة تنطوي على تجديد زائد لأن اليهودية منذ القدم ارادت من حول حدود العمل الديني سورا عاليا كي تمنع تسلل التيارات الخارجية تطبيقا لوصايا التوراة (لا تقلدوا عادات الأمم). ويشير الباحث إلى تأثير الإسلام على العبادة اليهودية ظهر أساسا بطريقتين الأولى استيعاب عادات تختص بالعبادة لا أساس لها في التقاليد الإسرائيلية والثانية إحياء عادات قديمة اندثرت عند اليهود تحت تأثير أسباب معينة مثل بعض العادات التي هجرها اليهود بدافع العزلة والابتعاد عن النصرانية تم عودتها مرة أخرى إلى اليهودية بتأثير من الدين الإسلامي. وقد ساق المؤلف العديد من الأمثلة لتأثير الإسلام على العبادة اليهودية منها. غسل الرجلين للصلاة كان التشريع الوارد في تثنية التوراة والذي يقضي بغسل القدمين قبل صلاة الصبح في نظر أحبار اليهود لغزا محيرا لم يجدوا له حلا مثل الحبر إبراهيم بن داود والذي عبر عن دهشته بقوله من أين جاء بمثل هذا العرض وما أصله وما مصدره ونشأت هذه الحيرة بسبب الحقيقة القائلة إن هذه العادة التي نحن بصددها ليس لها أساس في الشريعة التلمودية لذلك يؤكد الباحث أن عادة غسل الرجلين قبل الصلاة مأخوذة من العبادة الإسلامية فعندما تتمثل أمام اعيننا الأهمية البالغة التي انفرد بها الوضوء في الإسلام تتكشف حقيقة قبول هذه السنة وانتشارها العظيم بين اليهود في الشرق وكان لأهمية الوضوء البالغة أن أطلق عليه هذا الوضوء كما هية الوضوء اليهودي فيتحتم في الوضوء الإسلامي بالإضافة إلى غسل اليدين إلى المرفقين غسل الرجلين إلى الكعبين مع الرأس وغسل الوجه ومسح الأذنين وما خلفهما والمضمضة والاستنشاق وإزاء هذا الفارق الكبير لم يتمكن اليهود أن يدفعوا الشعور بالاستياء الذي لحقهم من جراء وضوء المسلمين البالغ العناية بل كانوا يشعرون بالصنعة لأنهم يتسرعون في عبادة الله إذا قيسوا بجيرانهم المسلمين وتعجب اليهود من سبق العرب لهم في هذا المضمار وهم في رأيهم أدنى منهم مرتبة، ونحن نجد تعبيرا عن هذا الشعور لدى الشاعر الصوفي مناحيم دي لونزانو الذي حض على العناية بغسل الرجلين يقول: لم يكن العرب أكثر منك طهارة. الذين يغسلون أيديهم وأرجلهم بالماء في الفجر والظهرا أو عشية وحتى في الليل بينما يشتد البرد ويسقط الصقيع. من أكثر الأمثلة على تأثير الإسلام على العادات اليهودية عادة اغتسال المجانب ومن الممكن أن نستخدم هذا المثل نموذجا لسائر الأمثلة التي يتناولها البحث فهذه العادة ليس لها ما يثبتها في حكم التلمود البابلي وإنها في الواقع لم تكن مألوفة في بابل ولا في العصر التلمودي، ولا في عصر الجاءونيم الأوائل، بيد أنه ابتداء من العصر الوسيط للجاءونيم نرى أن هذه العادة قد ضربت جذورها في بابل أيضا فما الذي دعا إلى هذا التحول ؟ إننا نجد الإجابة على هذا السؤال لدى الحبر كوهين صيداق جاءون فوميدتيا الذي طالب بالتدقيق في اغتسال المجانب لأجل النظافة وتقديس الله أمام الشعوب فهذه الكلمات لا تحتاج إلى إيضاح وهي تطلعنا بجلاء تام على العوامل الخارجية لهذا التحول المشار إليه وغني عن البيان أن العبادة الإسلامية تدقق تدقيقا شديدا في هذا الاغتسال لذلك فإن ما أمامنا تأثير من البيئة الأجنبية وهو ما يتضح من رسالة الحبر فنحاس بن مشرلم قاضي اليهود في مدينة الاسكندرية إلى رامبام التي يحمل إليه فيها خبر المعارضة القوية التي تعرض لها رأية المتهاون في هذا الاغتسال بين جمهور يهود الاسكندرية، وقد أثارت تلك الرسالة غضب رامبام الذي أبدى استياءه، ثم أضاف إن الأمر ليس سوى عادة اتبعها اليهود في صنعاء والمغرب فقط أما في إيطاليا وفرنسا وسائر الأقاليم الأخرى فإن هذه العادة لم تتبع وكثيرا ما يذهب شيوخ عظام وأحبار كبار إلى اسبانيا وعندما يرون الناس يغتسلون من الجنابة يضحكون منهم ويقولون تعلمتم نظافة العرب، كل بني إسرائيل الذين بين العرب اعتادوا الاغتسال وأما الذين بين الوثنيين فلم يعتادوه. ويدخل الحبر موسى بن ميمون تعديلا بالغ الأهمية على نظام الصلاة التقليدية بسبب تأثير البيئة الإسلامية ويتلخص هذا الإصلاح في الغاء صلاة الهمس وان يصلي الجمهور والإمام صلاة واحدة سويا بدلا منها، ومن المؤكد أن هذا التعديل ذو طابع إصلاحي جاد ليستأصل عادة عتيقة اكتسبت قداسة بمرور الأجيال ورسمت كذلك خطا مميزا للصلاة الإسرائيلية فإن به نقضا صريحا لشريعة التلمود والذي دعا إلى هذا النظام هو عدم الانتباه إلى الامام ساعة الصلاة وتحدث كل منهم إلى جاره أو يخرجوا بينما هو يبارك تقريبا دون جدوى إذ ليس هناك من يسمع وعندما يرى الأحداث من المتعلمين غيرهم يتجاذبون أطراف الحديث ويبصقون بلغمهم ويسلكون أثناء الصلاة سلوك من لا يصلي يفعلون أيضا مثلهم ويثبت في قلوبهم أن الصلاة لا تكون إلا في وقت الهمس ولما كان الميمون قد نظر إلى الحالة في الكيس من خلال مرآة المسلمين وقاس الأمور بمقياسهم، ولما كان خائفا مما ستقوله الشعوب فقد رأي نفسه يوصي ويعمل بنفسه من أجل القضاء على هذه الحالة بأية طريقة حتى ولو كان القضاء عليها يتصل بنقض الشريعة . الإصلاح النسكي وقد شملت عملية الإصلاح النسكي التي أدخلها الحبر إبراهيم الميموني كافة أوضاع الصلاة حيث يقر المؤلف أن الأنظمة الحديثة التي أسسها الحبر إبراهيم الميمون قد نقلت من المسجد إلى الكنيسة وأن فيها ما يعد تطاولا جوهريا على نظم الصلاة التقليدية وملاءمتها شعائر العبادة الإسلامية وهذه الأنظمة هي السدود والجلوس على هيئة البارك استقبال القبلة وقت الجلوس أيضا وقوف المصلين في صفوف بسط اليدين. مشيرا إلى تكاتف عوامل شتى لتنتهي إلى اتجاه واحد ورد فعل الأراء الإسلامية في العبادة والخوف على وقار بني إسرائيل ودينهم وهذان الاعتباران هما اللذان دفعا موسى الميمون إلى الإصلاح وكانا رافعين هامين بالنسبة لأبية وليس هذا فقط بل في مقدورنا أن نقول إن تأثير رد الفعل القوي هذا كان أعنف في قوة التأثير عليه من أبيه لأنه كانت تربطه بالنساك المسلمين قرابة روحية، فلاشك أنه أفضل اجتماعيا وأعظم وأكد لهم ولعاداتهم السلوكية كل الاحترام وقد أدى به تبجيله لهم إلى إمعان النظر في أرائهم. القاهرة ـ فيصل حماد