بيان الكتب: بيننا وبين الهند أواصر قربى لا تنفصم، صنعتها روحانية الشرق وأديانه وفلسفاته، وزرعتها رؤيته للكون والحياة والإنسان تلك الرؤية التي ترفض أن تكون القيمة الأساسية للإنسان قائمة على التملك والاقتناء وترفض اختصار سعادة الإنسان في منبع وحيد هو الاستهلاك، فروح الإنسان لا يسعدها بشكل حقيقي إلا ما هو روحي. والهند ذات حضارة أصيلة العنصر الجوهري فيها هو العنصر الروحي. وموضوع هذا الكتاب يتناول واحدا من مفكري الهند وفلاسفتها وشعرائها الكبار، مارس كل فنون الكتابة تقريبا وساهم بفكره وعمله في بعث الحضارة الهندية من رقدة التخلف والاستكانة، وأضاف لبنات جديدة في بنيان نهضتها المعاصرة، وزاوج بهدوء ولين بين الأصالة والتحديث،وتحول إلى رمز يشار إليه بالبنان ليس في الثقافة الهندية فقط ولكن أيضا في الثقافة العالمية كواحد من رموز التفاعل الصحي والسلام بين البشر. نحن في رحاب طاغور شاعر الهند وفيلسوفها، أما الكتاب الذي تناول عالمه الثري فقد كتبه الناقد الدكتور شكري عياد قبل رحيله، ليصدر مؤخرا عن المشروع القومي للترجمة، متضمنا نماذج من أعمال طاغور الشعرية والقصصية والمسرحية والروائية بالإضافة إلى السيرة الذاتية والعلمية والعملية. ولد فتى البنجال (ربندرانات طاغور) في كلكتا في 6 من مايو سنة 1861 م وتوفي في السابع من أغسطس سنة 1941. وبين هذين التاريخين استمرت رحلة الحياة 80 عاما تفيض بخيرها العميم: «كان طاغور أصغر أبناء أبيه السبعة وكان أبوه دائم الترحال، أما أمه فكانت مريضة بداء الرئة فلم ينعم في نضارة سنه بما ينعم به الصغار من التدليل، ولعل هذا ما سيطبع شعره فيما بعد بظمأ لا يرتوي وحنين لا يهدأ ولكنه مغلف في معظم الأحيان برقة بالغة». وقبل الولوج إلى عالم طاغور يعود بنا الدكتور شكري عياد إلى الهند في أواسط القرن التاسع عشر لنتعرف إلى المناخ الاجتماعي والثقافي الذي نشأ طاغور في سياقة واثر فيه بفكرة التجديدي ليساهم في دفعه إلى الأمام. كانت الهند (تعيش أفظع كابوس استعماري رآه الشرق) فقد صحت على سيطرة إنجليزية تتمثل في مغامري شركة الهند الشرقية التي قامت بأكبر عملية نهب منظمة مدعومة بقوات عسكرية ترتكب فظائع لا حصر لها، وكانت الهند تعيش في استسلام أقرب إلى النعاس وتفتقد الإيمان بالعقل، حيث تخلف الفكر الديني فيها وطغى عليه سيل من الخرافات والخزعبلات جرف في طريقة الجوهر الأصيل للدين، وتحولت الديانة الهندوسية التي هي من أقدم الديانات في العالم حيث ترجع كتبها المقدسة إلى ألف وخمسمائة سنة قبل الميلاد، تحولت من خلال الركام الزائف الذي طمس جوهرها إلى أداة لاستمرار الهند في تخلفها وسلبيتها واستسلامها. لم تكن الديانة الهندوسية تقتصر على عبادة الأصنام، بل كانت تحتوي على عادات فظيعة مثل حرق الأرامل مع أزواجهن المتوفين كما احتوت هذه الديانة على مبادئ ضارة منها أن الحياة المثلى هي الوصول إلى حالة من الاستغراق تنكر كل حركة في الحياة حتى يتحد المرء بالمطلق الذي لا يتغير، وهذا ما كان يسعى إليه فقراء الهند بعباداتهم المضنية، فهدفهم هو (النرفانا) أي فناء الذات الإنسانية في (براهما) وانقطاعها عن العالم وتجردها من كل العواطف الإنسانية) وقد دخلت على هذه الديانة خزعبلات من شأنها تقسيم الناس إلى اطهار وانجاس وفقا لنظام المنبوذين الذي كان سائدا في الهند. وأمام هذا الوضع العقلي والفكري المتبلد الذي أدخل الشعب في مرحلة الإنحطاط، إتجه المفكرون والمصلحون إلى ضرورة تجديد الفكر الديني والعودة بالديانة الهندوسية إلى ينابيعها الأولى الصافية، وتخليصها مما علق بها من تخلف وكان رافندرانات طاغور والد شاعرنا على رأس هؤلاء المصلحين، فقد كون مع صديقة راموهان راى (1772-1833) أول جمعية إصلاحية هدفها بعث الهند وشحذ قواها للخلاص من ذلك الكابوس الاستعماري الرهيب وراموهان راي هو الأب الأول للإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي في البنجال. ويشبهه شكري عياد بمزيج من علي مبارك ومحمد عبده المصريين، فقد اتقن هذا الرجل علوم الشرق والغرب كما اتقن العديد من لغاته. ورأى أن طريق الخلاص هو في اقتباس أفضل ما جاءت به المدينة الغربية مع المحافظة على التراث الصحيح لحضارة الشرق، ولكن الجهد الأكبر الذي نذر له نفسه كان في تنقية العقيدة الهندوسية من بدع العصور المتأخرة والعودة إلى منابعها الأولى. فالدين في الشرق ولاسيما الهند هو قوام الحياة كلها. وقد كانت الصدمة الشديدة التي لقيها شعب الهند على يد الاستعمار البريطاني داعية إلى أن يتجه المفكرون إلى الإصلاح الديني أول ما يتجهون. لأن إصلاح الدين معناه عندهم إصلاح نظرة الشعب إلى الحياة ومسلكه فيها. ولم يكن ثمة سبيل إلى مناهضة الاستعمار إذا بقيت نظرة الشعب إلى الحياة فاسدة ومسلكة فيها خاطئا. وعندما رحل راموهان خلفه صديقه رافندرانات طاغور ليستمر العمل من أجل تحرير الهند كان رافند من أسرة ذات مكانة وثراء تولى رجالها مناصب هامة،وقد حمل رافندرانات لواء الوحدانية والتنزيه بل ومضى في ذلك إلى أبعد مما ذهب إليه راموهان. في هذا المناخ العاصف القلق المنذر بالتجدد والتغيير ولد وتربى رابندرانات طاغور. وفي سن الثانية عشرة أتيحت له تجربة كانت عظيمة الأثر في حياته فقد صحبه أبوه في رحلة طويلة بدأها بزيارة دار السلام التي أقامها الأب في مكان منعزل قرب مدينة (بوليور) على مسافة 150 كيلو مترا إلى الغرب من كلكتا. ودار السلام مكان يتكون من حديقة وسطها منزل ومعبد يذكر فيه رافندرانات الخالق الفرد الصمد. وكان يأوي إليه من حين إلى حين يقرأ كتب الفلاسفة المحببين إليه ويستغرق في التأمل. في هذا المكان أعد طاغور الأب ابنه لحياة مستقلة خصبة يطلع فيها بأمان. وعندما بلغ السابعة عشرة أرسله أبوه إلى إنجلترا لدراسة القانون. وكانت رأسه مليئة بالشعر والموسيقى ولم يكن لديه ميل خاص لدراسة القانون فأمضى عامه الأول في دراسة عمالقة الأدب الإنجليزي: شكسبير وملتون وبيرون وشلي وغيرهم، وكان طاغور ملحنا شاعرا يلحن أغانيه بنفسه ولم تمض فترة طويلة على إقامته في إنجلترا حتى عاد إلى الهند وكتب سلسلة من المقالات في مجلة (بهارتي) التي كان يصدرها أخوه يعرف فيها الهنود بأعلام الأدب والثقافة الأوروبية كان أول ديوان شعر لطاغور الشاب بعنوان (أغاني المساء) وهو الديوان الذي كان حدثا جديدا في الشعر البنغالي رفعه في نظر النقاد إلى قمة الرومانسية.. وبعد (أغاني المساء) جاءت (أغاني الصباح) والفكرة الجوهرية في هذا الديوان أن الحب الإنساني هو الطريق لعبادة المطلق، وبعد ذلك تأتي مسرحيته الأولى (إنتقام الطبيعة) الإنسان وفي عام 1887 يظهر ديوان جديد لطاغور بعنوان (خطوط ومسطحات) ليعبر عن إحساس الشاعر المباشر وفرحه الجديد بالحياة. ومن نافلة القول ان طاغور تلميذ لشعراء مدرسة (الفياشنافا) الهندية وهي مدرسة مزجت الحب البشري بالحب الإلهي أما مسرحيته (التضحية) فكانت تعبيرا عن الصراع السياسي الذي بدأ يشتد في الهند حيث ساهمت أسرته بنصيب وافر في حركة الاستقلال الاقتصادي وتأسيس صناعات وشركات وطنية هندية، وتوالت بعد ذلك أعمال طاغور الشعرية والقصصية والمسرحية لتؤكد إيمانه العميق بروح الإنسان وبأن البعث الجديد سيأتي من الشرق. ويكشف الكتاب جانبا مهما من فكر طاغور جسده في حياته العملية عندما أنشأ عام 1901 مدرسة لتعليم أبناء الهند بطريقة تزاوج بين الأصالة والمعاصرة، وتجمع بين التربية الوطنية التي تحافظ على مضمون الهوية، وبين العلوم الحديثة الوافدة من الغرب، فالطلاب يقيمون في المدرسة ويتعلمون فيها ويتربون، ولنسمع وصف ابتداء اليوم الدراسي في مدرسة رابندرانات: (في البكور، حوالي الساعة الرابعة والنصف تطوف جوقة من التلاميذ في أرجاء المدرسة يغنون الأغاني وينبهون النائمين لجمال الفجر الطالع وهدوئه، ولا يكاد الأولاد يستيقظون حتى يأخذوا في تنظيف حجراتهم بأنفسهم، فقد تعلموا منذ البدء ألا يحتقروا عملا يدويا مهما يكن، بل أن يستقلوا بأمورهم دون مساعدة من الخدم بقدر ما يستطيعون، وعليهم جميعا بعد ذلك أن يمارسوا بعض التمرينات الرياضية في الهواء الطلق، يعقبها حمام الصباح، ثم ينفرد كل منهم بنفسه في تأمل هادئ مدة ربع ساعة. ولنسمع بقية الوصف من أحد زائري المدرسة كما يقدمه الدكتور شكري عياد: «في الساعة السادسة صباحا سمعنا صوت ناقوس شجن النغمات أغرانا بالتطلع. كان بيت الضيوف الذي نزلنا فيه يتوسط حديقة ريفية، إنتشرت بين أشجارها بضعة منازل مستقلة من أبسط طراز، وكان الأطفال يخرجون منها كل بحصيرته، ليتخذ مجلسا تحت شجرة منعزلة، حيث يقضي الخمس عشرة دقيقة من التأمل، كان ثمة ما يمس النفس مسا عجيبا من منظر هذه الشخوص الصغيرة بلباسهم الأبيض، يرصعون المنظر كله، وكل منهم تحت شجرته المستقلة ثم يدق الناقوس ثانية فيتحركون بخشوع صفوفا إلى معبد المدرسة». وبعد الفطور تقام صلاة قصيرة فيجتمع الأولاد وينشدون هذا الدعاء. «يارب.. كفر عنا خطايانا/ نسجد لمن فيه السعادة/ نسجد لمن فيه الخير/ نسجد لمن يؤتي السعادة/ نسجد لمن يؤتي الخير/ نسجد لمن هو الخير». وتستمر دروس الصباح من الساعة الثامنة حتى الحادية عشرة وعند اعتدال الطقس تقام الدروس في الهواء الطلق. وبعد الظهيرة يتناول التلاميذ غداءهم ولا يبقى عليهم غير استذكار دروسهم وفي المساء يشتركون في الألعاب ويمارسون أعمال الفلاحة، ويذهب كبار التلاميذ إلى القرى المجاورة لتعليم أبناء الفلاحين، وبعد الألعاب يأتي حمام المساء ثم التأمل وإنشاد الدعاء قبل وجبة الطعام الأخيرة، ويعقب تناول الطعام ساعة من القصص والتمثيل والغناء،وبعد انتهاء عمل اليوم يأوون إلى الفراش في الساعة التاسعة والنصف حيث تطوف جولة من الأولاد بالمدرسة مرة ثانية يغنون أغاني المساء. وهكذا يبدأون أيامهم بالأغاني ويختمونها بالأغاني. وفي إدارة المدرسة اقتبس طاغور نظام (القادة) الذي رآه مطبقا في بعض المدارس الأمريكية، فالتلاميذ ينتخبون قائدا للمدرسة كل أسبوع يتولى الإشراف على النظام، ويليه مساعدون منتخبون أيضا، يشرف كل منهم على ستة أو سبعة أولاد، وفي كل ليلة تعقد شبه محكمة تنظر في المخالفات التي تقع من أي عضو، ولا ينظر المدرسون إلا في القضايا الخطيرة نادرة الحدوث، هكذا كانت مدرسة طاغور، وهكذا كان فكره الذي زاوج زواجا صحيا بين الأصالة والتحديث وساهم في استقلال الهند. القاهرة ـ فتحي عامر