بيان الكتب: يعتبر الدكتور عبدالرزاق عيد ان أبا حيّان شخصية اشكالية ويعرف جولدمان البطل الاشكالي روائياً بأنه الشخصية التي تبحث عن «القيم» في وسط منحل منحط، وهو بذلك يطمح إلى بناء كليات نوعية جديدة على انقاض بنى تقليدية متداعية. وقد وجد د. عبدالرزاق عيد ان طه حسين هو البطل الروائي الاشكالي لنص الحياة العربية في القرن العشرين، وفي كتابه الجديد يرى في التوحيدي البطل الاشكالي للقرن الرابع الهجري، وما يجمعهما معاً، هو السباحة ضد التيار دون ان يخرجا سالمين على مستوى السلطة والمجتمع والمآل التهمة الجاهزة عبر التاريخ الإسلامي، فمن هو التوحيدي؟ هذا الذي يوضع في مصاف طه حسين. أبو حيان التوحيدي: علي بن محمد بن العباس، أديب، وفيلسوف من اعيان القرن الرابع الهجري، وهناك عدة روايات عن مكان وتاريخ ولادته الذي يقدر ما بين 310 ـ 320 هـ. وقد درس النحو والفقه على شيوخ عصره وكان يحضر مجالس الصوفية ويحترف مهنة النسخ ويتكسب منها. له من الكتب: الصداقة والصديق، مثالب الوزيرين، البصائر والذخائر، الهوامل والشامل، الاشارات الالهية، المقابسات والامتاع والمؤانسة، وهذان الاخيران كنزاه من كنوز المعرفة عن الحياة العقلية المعاصرة لأبي حيّان التوحيدي. وفي آخر ايام ابي حيان كان فيما يظهر يعيش في فاقة ثم عمد إلى كتبه فأحرقها مبرراً ذلك بالاهمال الذي كتب عليه ان يعيش رازحاً تحت سقفه عشرين سنة، «وكيف اتركها لأناس حاورتهم عشرين سنة فما صح لي من أحدهم وداد» وقد حددت وفاته في 414 هـ. هذه الاصالة الذاتية المتمثلة بفرادته وسبقه لزمانه هي التي جعلته غريباً بين اهل عصره، يعاني وحشة من يرتفع عن اهل زمانه ويتقدم عليهم، ولا يتردد آدم متيز بأن يعتبره «ربما كان اعظم كتاب النثر العربي على الاطلاق». ان التوحيدي مقتدياً بأستاذه الجاحظ يسعى لأن يجعل من اللغة اداة فعالة في الفكر، وليست اداة سلبية ناقلة له، بوصفها اداة منتجة، وهي الاشكالية الشاقة التي كان على طه حسين ان يضطلع بحملها، بعد ان اخفقت حداثة التوحيدي والجاحظ امام عتاة البلاغة، منذ ابن عباد، مروراً بعهد الانحطاط وصولاً إلى الرافعي، الذي ورث كل عتاد الاسلاف ليوجهه ضد عقل الاخلاف الذين ارادوا اعادة انتاج حداثة القرن الرابع. وجاحظيته النثرية الاسلوبية ليست إلا وجهاً آخر لجاحظيته الاعتزالية، فهو عقلاني متسائل في الفلسفة، اعتزالي في العقيدة، مع اهل السنة في نظام الحكم المدني ذي المرجعية البشرية التعاقدية والانتماء إلى العروبة، كوني في اسئلته الانسية، متآله في مدارات الروح وهي تحمل ظمأها إلى المطلق الذي تراه في كل حيزات الوجود. ابو حيان نموذج للمثقف العضوي في زمانه، فقد كان منخرطاً في هموم ومشكلات عصره، ولعل المصائر التي انتهى إليها تجعله مؤسساً لصورة المثقف العربي، منذ القرن الرابع الهجري حتى اليوم، حيث التناقض بين النهوض العقلي والفكري والثقافي من جهة والانحطاط السياسي من جهة اخرى الذي لا يزال يمارس شرخه في عقل وضمير المثقف في علاقته بالسلطة. يناقش الدكتور عيد رسالة السقيفة والآراء المتضاربة حولها، ليصل إلى نتيجة تتلخص في ان التوحيدي كان يعبر عن إرهاصات مشكلية وعي مدني، هو ثمرة النضج العقلي الثقافي والحضاري للقرن الرابع الهجري من جهة وانحطاط سياسي يؤسس لحالة من التقهقر والتردي التي راح المسلمون والعرب يدخلون متاهاتها ونسقها الانحداري حتى يومنا هذا... فقد تأسس الشقاق بين المعرفة والسلطة، بين الثقافي الذي يوحد ويجمع ويدمج على المستوى الروحي للأمة والسياسي الذي يمزق ويبعثر على المستوى الجسدي للأمة، بين القلم والسيف، بين مقام الروح ومقام العرش. تبدو «لحظة» «السقيفة» وكأنها في تأسيسها لشرعية العقد الاجتماعي ومرجعيته حق البشر في تقرير شئونهم الأرضية، بعيداً عن التدخل السماوي بدعة ضلالية، تستحق التفكير والحسية وحكم الردة، لأنها عندما تؤسس للمدني التعاقدي، فإنها تؤسس لعلماني، فصل الدين عن الدولة والديمقراطي الذي يسحب من الفقيه والأمير الجهادي حق وراثة السماء وحق الكلام باسمها وحق الاستئثار بفهم النص وتفسيره، من خلال تنصيب نفسه كمدير للمقدس، حيث يباح لأمراء الجهاد وفقهاء الظلام ان يتحدثوا عن الديمقراطية بوصفها «مستنقع الوثنية الآسن». في الفصل الثاني يعتبر د. عيد ان كتاب «المقابسات» هو النواة الاشكالية التي اطرت صورة أبي حيان ووجهت اختلاف الآراء وتنوعها تجاهه. لذلك ظل كتاب المقابسات بمنأى عن الاختراق التحليلي النصي للكشف عن باطن بنيته التكوينية. وبعد ان يناقش د. عيد آراء بلا ضفاف ولا قيود ونموذجاً للمثقف الكوني الذي تختصر فيه ثقافات عصره وتنتهي إليه كل ثمار الحكمة والمعرفة التي تشعل في داخله القبس الرسولي الذي يشعره بالمسئولية العظمى امام بني قومه ووطنه و«الخلق/ الحق». ولهذا فإن المقابسات تحضر فيها كل الثقافات والمذاهب والتيارات والخبرات البشرية، حيث تتمازج وتتداخل وتنصهر في بوتقة العبقرية «التوحيدية»، وهو يتماهى بالتواءاته وتعرجاته واشواقه واحلامه واحباطاته ومغامراته، بعد ان شارف على عمر يناهز القرن، وقد ساهم في صنع مأدبته الفلسفية وشارك في صياغة ألوانها وفنونها: المجوسي والصابئي واليعقوبي والنسطوري والملحد والمعتزلي والشافعي والشيعي واليهودي والمانوي، تجمع بينهم كلمتا العلم والحكمة. فهو ليس فيلسوفاً بالمعنى التقني بل هو صاحب مشروع فكري ثقافي سياسي، قادر على استيعاب شتى ضروب المعرفة ثم يعيد صوغها وقد اصطبغت بأصالة نبوغه وعبقريته. وينقض على كل علم بشري ويتوسل الما وراء ليلعب بالغيب مع الغيب، ويقدم قراءة عقلانية ارسطية لعلاقة عالم السفليات بالعلويات والذهاب باتجاه الأرضي/ البشري ليكون اكتشاف السعادة في جوهر الإنسان. والكتابة التوحيدية تشن حربها على علم الكلام وعلماء الكلام، انطلاقاً من ان الجدل البرهاني يتناقض مع الدين ومتطلبات الخشوع والاذعان والتسليم للخالق. ومن هنا فإنه يضع الجواب الفلسفي كمناظر للجواب الديني لا يداخله، بل يحاوره ويفاصله. وأبو حيّان اذ ينعي على المتكلمين استخدامهم الفلسفة مساندة للشريعة وتأييداً لها لخوفه على الفلسفة كيلا يلحقها العنت من قبل سلطة الشريعة وشروطها، فمحال على الفلسفة ان تشرع اسئلتها في الوجود والعالم: ظاهره وباطنه، إلا في فضاء مفتوح لا تحده شروطها العقيدة الدينية ووعي العامة المتشكل بها، والذي يعيد تشكيلها تحت كل سقف تاريخي يستدعيه قراءتها وتأويلها، فالتوحيدي يريد للفلسفة ان تستقل عن الدين، لتكون معادلاً لاستقلالية المجتمع المدني وقضايا العقل، بوصفها شئونا بشرية، لذلك فهو عندما يورد النادرة فإنه يندد بالمتكلمين ادانة وتعنيفاً، لكن ليس تفنيداً ودحضاً لدعاواهم الفلسفية في ذاتها، بل لالحاقهم الفلسفة في الشريعة. بعد جولته في عالم التوحيدي، يقول د. عيد: «ان ثقافة أبي حيان مؤسسة على منظومة عقلانية مدنية تقوم على المنظومة الارسطية في رؤية العالم، حتى عندما تمازجها الافلاطونية المحدثة وما يتمخض عن ذلك في القول بوحدة الوجود ولاسيما في الجوانب الصوفية من تجربته التي ترأرأت بعض تجلياتها في المقابسات وستبدى هذه الصوفية عن اعمق تجربة شعورية فلسفية في الاشارات الالهية». ويتفق مع د. عبدالرحمن بدوي في «ان التوحيدي كان يؤمن بسلطة عليا فوق الكون». لقد تأطرت الدراسة حول مشكلة فصل الدين عن العلم وفصله عن الفلسفة بالتناظر مع دعوة التوحيدي للفصل بين الدين والسياسة، للتأسيس لمفهوم النظام المدني الذي يتعارض مع كل ادعاء ثيوقراطي. في الفصل الثالث يقدم الباحث مختارات من المقابسات مع تنسيقها والتعليق عليها وتأويلها. لقد تناولت هذه الدراسة سيرة المفكر وعصره وأهم مؤلفاته والافكار الرئيسية التي شكلت ينبوع فلسفته، كما أشارت إلى حواراته مع المفكرين الآخرين والافكار والبحث... كما عرضت مختارات من أهم أعماله كانت كافية لاعطاء فكرة عنه وعن مساهماته الثقافية في اطار دراسة نقدية ومنهج علمي. فيصل خرتش