بيان الكتب: استطاعت الكاتبة الجنوب افريقية البيضاء نادين جوردمير الحائزة على جائزة نوبل للعام 1991 ان تقدم مثالا حيا للاخوة الانسانية والصوت القوي المعبر عن رفض سياسة التمييز العنصري التي كان يمارسها البيض ضد سكان البلاد الاصليين، من السود، وذلك من خلال عملها الروائي الاول (عالم الغرباء) الذي صدر في عام 1958، ومنع من التداول بسبب تناوله موضوع الصداقة المستحيلة بين شاب انجليزي، وشاب آخر أسود في جنوب افريقيا، وقد تعرضت كتبها التي صدرت بعد ذلك الى المنع ايضا. تبدأ احداث الرواية من النهاية، من لحظة وصول البرقية التي تعلن وفاة هذه الشخصية الغريبة التي تدعى (ماكس) الى زوجته القديمة التي تتولى عملية السرد (الراوي)، متبعة اسلوب الفلاش باك، حيث تأخذ بالعودة الى الماضي، مستعيدة ذكرياتها الاولى معه وتعارفها الى اهله، والى حياتهم التي كانوا يعيشونها، وتلجأ الكاتبة الى التنويع في حركة السرد متنقلة بين ازمنة او امكنة مختلفة الامر الذي اتاح لها حرية الحركة والانتقال بشكل حلزوني وهي تقنية تجعل الراوي يعود الى الخلف الماضي، ثم يتقدم في حركة الزمن، وهكذا. عبر هذه التقنية تسترجع علاقة ماكس بأهله، وعلاقتها بابنهما(بوبو) الذي يقيم في مدرسة داخلية، ثم تتحدث عن علاقتها باصدقائه قبل موته انتحارا، وبعد ذلك كماتتحدث عن شخصيتها واحلامها وعن عملها، بالاضافة الى سياسة التمييز العنصري، ومحاولتها الايحاء بالرغبة في المساعدة على ادخال الاموال من الخارج باسمها لصالح حزب المؤتمر الوطني، دون ان تكون جادة في ذلك،. وتظل في كل علاقتها مشدودة بين طرفين، زوجها السابق، وصديقهاالحالي المحامي جراهام، وصديق زوجها الزنجي الناعم لوقا دون ان نجدها تحسم خياراتها في النهاية. يشكل العنوان اختزالا مكثفا لمعنى العمل من خلال مدلولاته وايحاءاته الذي يجعل منه مدخلا قرائيا مهما، كما ان الراوية تتميز بكونها رواية الشخصية الوحيدة، التي تتحرك الاحداث والوقائع، في الرواية من خلالها او حولها، ولذلك فنحن نرى الاحداث والوقائع من زاوية نظرها، حيث تلعب هذه الشخصية دور الراوي، والبطل في آن معا، مما يضفي نوعا من الحميمية على السرد، لأن العلاقة السردية بين الراوي والقاريء تكون مباشرة. يعبر سلوك الشخصيات، التي يستدعي ظهورها حركة السرد في الرواية، عن التنازع والتناقض بصورة تعبر عن مضمون هذه التجارب الانسانية المختلفة، ولعل ما تقوله بطلة الرواية في الختام هو خير تعبير عن تجربتها الانسانية، وعلاقتها الداخلية بالزمن والتي تستبدل بها العلاقة الخارجية اذ تقول (ظللت مستلقية وأنا مستيقظة لفترة طويلة. لم تكن هناك ساعة في الغرفة منذ ان تعطلت تلك الساعة الحمراء، ساعة السفر التي اعطاني اياها بوبو، ولكن ضربات قلبي البطيئة، المتكررة، كانت مثل ساعة تدق: خائفة، حية، خائفة ، حية .. ص 122 فالتجربة التي مثلها ماكس خاصة نهايته المأساوية، كانت بمثابة الدرس القاسي الذي، يشعرها بالاحباط واللاجدوى في مواجهة ما هو قائم في الواقع والحياة.