بيان الكتب: «التسامح والعنف في الإسلام» كتاب يضم آراء وأفكار وزير الثقافة والارشاد الإسلامي الايراني السابق سيد عطاء الله مهاجراني، الذي قبلت حكومة محمد خاتمي استقالته عام 2000 تحت وطأة الضغوط اليمينية، لكن بصمات مهاجراني التي تركها قوية وتأثيره على الشارع الايراني لا يمكن ان يختفي بسهولة. الكتاب يضم مساجلات حدثت في ايران على مدار أربعة اعوام في اطار ما بات يعرف بمساجلات الاصلاحيين والمحافظين.. كان بطلها سيد عطاء الله مهاجراني الذي يقول في مقدمة الكتاب انه بفضل انتصار الثورة الاسلامية في ايران وحضور الجماهير تم طرح موضوعات حول الدين في حياة الفرد والجماعة وعلاقة ذلك بالحكم وبالحرية وبحقوق الشعب ويضرب مثلاً بالشيخ مصباح يزدي كواحد من علماء الدين والمنظرين المنتشرين في كل مكان بايران والذين يدعون إلى استخدام القوة مع اي انسان يحاول التساؤل بشأن الدين رغم ان ناتج القوة هو القهر والقمع وناتج العقلانية الالفة والمداراة. بعد ذلك يعرض الكتاب نص الاستقالة التي قدمها مهاجراني إلى محمد خاتمي ونص قبولها من قبل الرئيس. تأتي بعد ذلك مقدمة المترجم سالم كريم والتي يذكر فيها ان كتاب «التسامح والعنف في الإسلام» هو منافسة موضوعية لآراء الشيخ مصباح يزدي أحد أبرز منظري اليمين المحافظ في ايران بشأن موقف الدين والشريعة الإسلامية من مقولة التسامح الثقافي والحريات الفكرية في المجتمع الإسلامي من قبل وزير الثقافة والارشاد الإسلامي في حكومة محمد خاتمي كانت قد نشرت في صحيفة «اطلاعات» الايرانية على مدى تسع عشرة حلقة، كما يذكر ان ما دفعه إلى ترجمة هذا الكتاب هو شعوره بأن اشكالية العنف والتسامح مشكلة قائمة في الوطن العربي أيضاً وان القاريء العربي احوج ما يكون للاطلاع على هذه المناقشات الفكرية. ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول، يحمل الفصل الأول عنوان «التساهل والتسامح والحمية الدينية» فرد مهاجراني على يزدي الذي يقول في كتابه «الاسئلة والاجوبة» الجزء الثالث عن التسامح انه اذا كان يعني التهاون في تطبيق الاحكام الدينية وتجاوز الاحكام الاسلامية فهو ليس من الدين في شيء، كما قال في احد الحفلات «ان من الأساليب التخريبية تقديم خلطة التسامح والتساهل للناس» وفي الفصل العاشر من كتابه «المجتمع والتاريخ» أورد تحت عنوان «القيادة» 26 صفة للقائد ومنها التسامح وسعة الصدر في القضايا الفرعية.. ويرد مهاجراني على ذلك بأن مصباح يتناقض في المفاهيم التي يطرحها فهو «مهاجراني» يؤمن بالتسامح والتساهل كأسلوب ليس كمنهج فهو لا يتسامح مع من لا يؤتي الصلاة مثلاً لكن الإسلام تساهل وسمح للمريض ان يصلي حتى ولو بالايماء ويستطرد في نقاش الامر مؤكداً لمصباح ان نظرية الغيرة الدينية التي يطرحها تنتج عنفاً تقوض اركان الفكر والثقافة والحضارة بينما نظرية التسامح تشيدها وتبنيها.. ثم يسوق العديد من الامثلة على تسامح وتساهل الإسلام، كما يصف الشيخ مصباح بأنه يظهر كلام المعارض له بنحو مغاير للحقيقة ومن ثم الرد عليه وتخطيئه وهذه صفة مذمومة وفيها اشكال شرعي وعقلي واخلاقي وعرفي في آن واحد فلا يوجد من يقول ان التساهل يعني التسبب واللامبالاة في تطبيق الاحكام او تجاوز حرمة القيم الإسلامية. وينطلق مهاجراني في سرد الآيات والاحاديث والقصص المأخوذة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وما ورد على لسان الائمة بما يدلل ويؤكد على سماحة الدين الإسلامي. يأتي بعد ذلك الفصل الثاني «منهج تأسيس واقامة الحكومة الدينية» الذي يبدأه مهاجراني بهذه التساؤلات «ما هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الحكم والتبليغ؟ وكيف كان يعامل المعارضين؟ هل كان ينبذ اصحاب الفكر والرأي الاخر ويزج بهم في السجون؟ وبعبارة واحدة كم ينسجم او يتعارض أو يتنافر الاسلوب المتبع اليوم من على المنابر في التبليغ والترويج الديني مع المنهج الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟ ومن هنا ندرك محتوى هذا الفصل حيث يتناول قضية حرية الصحافة من وجهة نظر الشيخ مصباح ويرد عليها ثم يتناول القرآن وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في المرحلتين المكية والمدنية ومن خلال المرحلتين يدلل ويدعم أيضاً نظرية التسامح التي يطرحها ويعارضها الشيخ مصباح. وفي الفصل الثالث المعنون بـ «المنهج النبوي في الخطاب والسلوك» يؤكد على منهج التسامح والتساهل من خلال محطتين مهمتين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم توضحان بجلاء ان تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس كان قائماً على أساس المودة والرحمة. الأولى تعامله مع المسلمين بعد الهزيمة في معركة احد، والثانية تعامله مع المشركين في فتح مكة، فهو كما كان مكلفاً بأداء الفرائض كان مكلفاً بالتسامح مع الناس والتعامل معهم برفق أيضاً. في الفصل الرابع «الاحكام» يورد جزءا من خطاب للشيخ مصباح يقول فيه «يجب ان نحذر من الوقوع في مثل هذه الحبائل «بعثت بالشريعة السهلة» تعني الشريعة سهلة، لا ان تتساهلوا انتم، لابد من تطبيق الشريعة السهلة بجد واجتهاد، التساهل يعني تسيبوا، كونوا عديمي الغيرة، اما الشريعة السهلة فتقول حافظوا على هذه الشريعة السهلة بمنتهى الغيرة، حافظوا عليها بدمائكم، فما علاقة الشريعة بروحية التساهل والتسامح؟ أي مغالطة غريبة هذه؟ الشريعة الإسلامية سهلة، لكن التساهل غير جائز بأي حال من الاحوال، يجب الحفاظ على ماهو موجود، ولا يجوز المساس به قيد انملة. وبالطبع انها «الشريعة» سهلة في ذاتها. ومن هذا الخطاب ينطلق مهاجراني في الرد على مصباح بادئاً بعدد من التساؤلات مثل «لِمَ لم يقتص النبي صلى الله عليه وسلم في طريقة تعامله من الاعداء السابقين طبقاً لاحكام الشريعة؟ لماذا صفح عن ابي سفيان وهند ووحشي؟ وعلام تدل سجالات الرأي المحتدمة بين فقهائنا على مدى تاريخ الفقه وبين الذين كانوا يعيشون منهم في عصر واحد؟ وما رأي الشيخ مصباح الذي يقول انه لا يجوز المساس بالشريعة قيد انملة بالاحكام الحكومية وبمجلس تشخيص مصلحة النظام؟.. ويبدأ بعد ذلك مهاجراني في الاجابة عن تساؤلاته هو شخصياً وتضحيض آراء الشيخ مصباح. بعد ذلك يتضمن الكتاب تفاصيل استجواب أعضاء البرلمان الايراني الخامس ذي الاغلبية المحافظة للوزير مهاجراني على المؤاخذات التي أخذوها عليه بشأن سياسة التساهل والانفتاح الثقافي في ايران وردود عطاء الله مهاجراني عليهم. في النهاية يقدم الكتاب عرضاً لحالة ثقافية إسلامية بين تزمت الاصوليين ومحاولة المجددين التمتع بروح الإسلام السمحة المشجعة على العطاء الثقافي والعلمي والفني في بلد يعتمد النظام الإسلامي في الحياة السياسية، كما يأخذ الكتاب شكل المناظرة الثقافية مما يكسبه بعداً حيوياً أثناء القراءة. أمنية طلعت