بيان الكتب: ربما من الغرابة ان تجرى، في عالم اليوم، مقاربة بين نظام سياسي شمولي وايديولوجي ونظام فلسفي يعود الى ما قبل الميلاد، الا ان المقاربة تبقى ذات هاجس معرفي تحتمها لذّة التأمل تارة وارادة التأجيل، تارة اخرى. وفي وجهتي هذا التصور يأخذنا الباحث العراقي (نبيل محمد علي) الى المقاربة بين مثالية افلاطون وجماهيرية معمر القذافي، بين الفلسفي المثالي والسياسي الواقعي، وهي مقاربة تفترض وشائج عدّة تسوغ امكان قيامها على المستوى المعرفي، لكنها تفترق عندما توضع على محك الواقع والسلوك البشري. ان المتتبع ـ هكذا يقول المؤلف في المقدمة ـ لتطور الفكر الانساني بامكانه ان يلاحظ وجود اربعة تيارات فكرية سياسية بارزة اغنت التراث الانساني لهذه الحضارات، هي: الفكر اليوناني القديم، والفكر العربي الاسلامي، والفكر الاوروبي الغربي، ومن ثم: الفكر الجماهيري الاممي، ما يعني ان المؤلف يضع فكر القذافي في سياق التاريخ ويعدّه اتجاهاً فكرياً سياسياً له مكانته في التحقيب. ويعتقد ان ما قدمه الفلاسفة والسياسيون ظهر نتيجة للأوضاع العامة السائدة في محاولة منهم لتقديم الحلول العلاجية للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فما كتاب «الجمهورية» لافلاطون و«السياسة» لارسطو، و«آراء اهل المدينة الفاضلة» للفارابي، و«الامير» لميكيافيللي، و«العقد الاجتماعي» لروسو، و«الكتاب الأخضر» لمعمر القذافي الا محاولات جادة من قبل هؤلاء الفلاسفة والمفكرين الذين ينشغلون برصد الاوضاع والمعضلات السياسية وغيرها تعصرهم من اجل طرح ارائهم الفكرية وتصورات العلاجية تجاهها، لاسيما القضايا المتعلقة بالعدالة والمساواة، الحرية والديمقراطية، وسيادة القوانين ونوع العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحجم المشاركة السياسية المتاحة للفرد في السلطة. الخ. من بين كل هذه اليوتو بيات الفكرية، او الانظمة الفكرية الشمولية سعى المؤلف الى المقاربة بين مثالية افلاطون وجماهيرية القذافي في «الكتاب الاخضر»، والذي يمثل المرجع الفكري لليوتوبيا الجماهيرية. والباحث يركز في هذه المقاربة على مفهوم «الدولة المثالية»، لذا يعود الى اصول هذا المفهوم وتحولاته في الفكر اليوناني والعربي والاسلامي والغربي، ويتساءل: لماذا افلاطون والقذافي؟ وهنا يذهب المؤلف الى ان افلاطون هو اول مفكر فلسفي وسياسي دعا الى اقامة دولة مثالية وناقش مبادئها، ووضع دستوراً لقوانينها. اما القذافي فإنه قدم اخر محاولة فكرية جادة ورصينة، من الناحية التاريخية، وجاءت على شكل نظرية متكاملة سميت بـ «النظرية العالمية الثالثة» وهي التي ترسم ملامح دولة مثالية يطلق عليها «الجماهيرية» والمقصود بها: انها الدولة التي يسيرها الشعب من دون حكومة من خلال السلطة الشعبية المباشرة حيث تحكم الجماهير نفسها من دون ان تختار من يحكمها. والجماهيرية في منظور المؤلف توازي «المدينة الفاضلة» التي حلم بها الانسان عبر العصور. كما يشير بالاستناد المؤلف الى تأكيد القذافي في اكثر من مناسبة على عالمية وشمولية افكار النظرية الثالثة، وامتداد جذورها في عمق الفكر الانساني وتأثرها بمختلف الحضارات الانسانية. من هذه المقدمات المقارنة ينتقل المؤلف، في الفصل الثاني، الى دراسة تحليلية لمفهوم (المدينة ـ الدولة) في الفكر اليوناني ويتعرض الى التنظيمات السياسية في اليونان، ومن ثم يفصل القول حول افلاطون وعصره من خلال كتاب «الجمهورية» والتطرق الى مفاهيم عدة فيها منها: العدالة، وانواع الحكومات، الارستقراطية والتيموقراطية والاوليغارشية، والديمقراطية والاستبدادية. اما الفصل الثالث من الكتاب فيخصصه المؤلف لنظرية القذافي، او القذافي وبناء الدولة المثالية (المجالس النيابية)، ويتحدث عن ابرز المفاهيم في النظرية الثالثية او الجماهيرية من حيث حكم الحزب وحكم الطبقة، وآليات وهياكل بناء الجماهيرية مثل: المؤتمرات الشعبية الاساسية واللجان الشعبية الاساسية ومؤتمر الشعب العام واللجان الثورية. في سياق هذه الرؤية يطرح القذافي فكرة النظرية العالمية الثالثة بوصفها البديل الوحيد لجميع النظريات السابقة، لاسيما النظريتين الرأسمالية والاشتراكية. ويربط القذافي بين اقامة المجتمع الجماهيري المثالي وحل مشكلة اداة الحكم، لأنه يعدها المشكلة السياسية الاولى التي تواجه الجماعات البشرية، ويرفض القذافي رفضاً قاطعاً جميع اشكال وصور التمثيل النيابي السائدة في عالم اليوم ويعدها محاولة تلقيفية وخادعة وغير قانونية للالتفاف على مفهوم الديمقراطية المباشرة وسلب الشعب حقه الطبيعي في ممارسة السلطة، ويدين القذافي حالة الصراع والتطاحن بين الأحزاب المختلفة للوصول الى السلطة مستخدمة شتى الطرق والوسائل لتحقيق هذه الغاية. ويشير المؤلف الى ان نقطة الخلاف الرئيسي بين افلاطون والقذافي فيما يتعلق بحكم الطبقة هو ان افلاطون قد نادى بضرورة تقسيم المجتمع الى ثلاث طبقات متمايزة. بينما يرفض القذافي رفضاً قاطعاً هذا التقسيم الطبقي وينادي باقامة مجتمع جماهيري لا طبقي، لا يميز بين طبقات المجتمع تحت اي ذريعة. الى جانب ذلك، يفصل المؤلف القول في ادوات السلطة كما يطرحها (الكتاب الاخضر) وكما ناقشها القذافي على مدى ثلاثين عاماً مضت. وبعد، ان كتاب «مفهوم الدولة المثالية ـ بين افلاطون والقذافي ـ الجانب السياسي)، هو محاولة بحثية اولى في مجالها، ونلاحظ انها تناولت الجانب السياسي من المقارنة بين مثالية افلاطون وواقعية القذافي في سياق الدرس اليوتوبي عامة ومفهوم المثالية عندها على نحو خاص. د. رسول محمد رسول