بيان الكتب: فنان تشكيلي من مواليد ادلب ـ سوريا عام «1957»، تخرج من كلية الفنون الجميلة في جامعة المعمار سنان باسطنبول، وفي معارضه الفردية والمشتركة تناسب رسمه مع مقدار الوضوح والخفاء فكان الاثر الهزلي عنده ادنى الى الكمال، وهذا ما جعله اكثر حذقاً فالتفت لترجمة الادب الساخر التركي ناقلاً الى العربية ثلاث روايات لعزيز نسين اشهرها «سرنامة» وحكايات مختلفة، ثم عكف على ترجمة قصص ومسرحيات «خلدون طانر» و«مظفر ازغو» في «روايته جحش» كما عرّفنا على أهم روايات «أورهان باموق» فكانت حصيلة ترجماته اربعة عشر كتاباً بين قصة ورواية ومسرحية. ولأنه يؤمن ان عدم تغيير الافكار هو انقطاع عن الحياة كانت له زاويته التشكيلية الساخرة في جريدة السياسة الكويتية وجمع عدداً منها في كتاب بعنوان «فرشاة» ولمعرفة الرشاقة في فن عبدالقادر عبداللي الحفي المجنح. كان لابد من التعرف على بداية علاقته مع الكتاب فقال: هذه لا أستطيع تحديدها بالضبط لانها غير مرتبطة بحادثة او موقف دخلت المدرسة في سن الرابعة «مدرسة خاصة» وبعد سنة تمهيدية بدأنا بمناهج الصف الاول. وفي سنوات الابتدائية الاولى كان لدينا ما يسمى «مطالعة»... تلك المطالعة غير التي تدرس اليوم. كانوا يجلبون لنا كتبا مبسطة يوزعونها علينا ونقرؤها ثم نقدم تلخيصا لها ونجيب عن اسئلة حولها. من جهة اخرى اعرف ان ابي يقرأ منذ وعى على الحياة وفي بيتنا القديم ما يدعى «الكتبية» وهي احدى عناصر البيت القديم. ومنذ طفولتي تأثرت بقارئين هما: ابي الذي حرص على قراءة الكتاب الديني وعمي الذي يقرأ الكتاب السياسي، وعندما اصبحت في سن اليفاع تعرفت على المكتبة العامة.. كانوا يعيرون الكتب مقابل احتجاز البطاقة الشخصية ـ ولم اكن قد حصلت عليها بعد ـ لكنهم لم يطالبونني بها لاهتمامي الشديد بالكتاب، فيما بعد بدأت بتكوين ما يدعى مكتبة دون معرفة مسبقة بأنني أقوم بهذا الأمر. وبعد ان تجمّع عندي عدد من الكتب، شعرت أنني كونت مكتبة. ـ عبدالقادر عبداللي فنان تشكيلي، ما سبب توجهك الى الأدب والترجمة بشكل خاص؟ ـ حدث هذا بالمصادفة.. لي رأي خاص في هذا الموضوع. بداية كنت أقرأ القصص الساخرة فلا أضحك. وعندما أقرؤها بالتركية او مترجمة اليها تضحكني كثيرا. فكتّاب السخرية الاتراك يكتبون «بالمنطوق». من هنا وجدت نفسي مسئولاً عن نقل روح العمل الأصلي.. طبعاً مع الحفاظ على مستوى اللغة. وكما يتضح من مجمل كتبي التي ترجمتها انني ميّال للسخرية. في الغرب ليس هنالك موضوع لا يقبل السخرية «السياسة، الاقتصاد، المجتمع، العقيدة» وأنا حتى في فني التشكيلي اجد اخصب المواضيع الساخرة من هنا كان الرابط، فرشاتي وقلمي، من هنا كان جمعي لكتاب المقالات «فرشاة» الذي صدرت الطبعة الاولى منه عام 2000 فهو عبارة عن حوارات تشكيلية واقعية تضحك الى أبعد الحدود لا يلحظها المشاهد لجهله بالفن التشكيلي طبعاً اغلبها مأخوذ عن التلفزيون.. كتبت هذه المفارقات في جريدة ثم جمعتها في كتاب. ـ في مكتبتك اختيار دقيق ومثير لأسماء ادباء بعضهم سمعنا عنهم وبعضهم لم نسمع... على اي اساس يقوم هذا الاختيار؟ ـ الاختيار هو اهم جانب من جوانب الترجمة، ومنه يبدأ العمل وتنبع هذه الأهمية من كون ان الكتاب عزيز جدا في مجتمعنا ـ عزيز بمعنى قليل ونادر التداول والقاريء يقدم تضحية كبيرة حين يدفع ثمن الكتاب، ونحن لسنا في مجتمعات تترجم عناوين كثيرة من الكتب لهذه الاسباب تقع على عاتق المترجم مسئولية الاختيار، فكما ترين كتاب «باموق» كاملاً بالتركية، وقد تناولته ترجمة لانه تناول العلاقة بين الشرق والغرب بطريقة غير مألوفة عبر فانتازيا تاريخية في روايته القلعة البيضاء. وكما ترين كتاب «خلدون طانر» اخترته لانه اشهر كاتب مسرحي تركي ومؤسس ما يدعى عالمياً «الملحمة الشرقية» وفوجئت بان القراء العرب لا يعرفونه، وامامك كتاب «ازغو» اخترته لكسر اعتقاد سائد بأن نسين هو الساخر الوحيد المهم في تركيا. ـ لاشك بأنك تواجه ظروفاً مادية ومعنوية صعبة لاقناع الناشرين بكتب قد لا يؤمنون برواجها ـ هل ظننا في محلّه؟ ـ انا لم انشر سوى كتابين على نفقتي الخاصة. لذلك لم اعش سوى حادثتي نصب فقط، ولكن اقتنعت ان نشر كل كتاب يعني عملية سطو او سرقة.. «مثال»: اتفقت مع ناشر «شفوياً» على نشر كتاب ودفع نصف المبلغ. وابقاء النصف الثاني على التوزيع والمبلغ المتفق عليه هو اكبر مع اجور طباعته مع اي مطبعة بعشرين بالمئة على الأقل، دفعت له نصف المبلغ وبعد التنضيد قررت ضغط الكتاب لاصدر فيما بعد جزءاً ثانيا. فانخفضت التكاليف، وهكذا صرت دافعاً سبعين بالمئة من نفقة الكتاب. طبع الرجل الكتاب، بعد ذلك قال هات الباقي وخذ كتابك!! والسبب؟؟ لا جواب واضح، واذا لم ادفع فالكتاب سيبقى في رزم لن تفك. انا خاسر في الحالتين دفعت أم لم ادفع... دفعت وبعدها رمى لي الكتاب وقال: «ليس لي شغل به» اما الان فأنا اعمل مع دور نشر محترمة، وتعاملني باحترام، وانا مرتاح جدا لها وهي «دار ورد» ـ و«دار المدى». ـ هل تعرضت مكتبتك لحادثة او اعتداء. اثر على عدد كتبها؟ ـ طبعاً لابد من ذكر أنني فقدت اكثر مما لدي الان من الكتب بسبب عدم الاستقرار واضطراري للتخلي عن عدد كبير من الكتب حين انهيت دراستي وعدت الى بلدي، كما أعتقد ان عددا كبيرا من الكتب يسرق من مكتبتي، كيف؟ لا ادري، هي في غرفتي وضيوفي كافة يدخلون الى هذه الغرفة. وأفتقد كثيرا من الكتب، ولكن بصراحة انا مسرور من عمليات السرقة هذه، فهي تدل على وجود مهتم بالكتاب يسرقه، وبالنسبة لقسم الاشرطة «الكاسيت» فهو معرض للسرقة اكثر وخسرت مجموعة مهمة جدا من الكلاسيكيات، واشك ان الذين سرقوها فعلوا هذا حباً بباخ او موتسارت او شتراوس وغيرهم.. لابد ان السارق وجد ان الكاسيت من النوع الممتاز فأخذه ليسجل عليه اغاني العصر. ـ هل تعاني من مشكلة الاعارة والاستعارة؟ ـ لقد اشتريت احد الكتب خمس مرات، وهو غير موجود لدي الان، مجموعة زكريا تامر التي لدي هي ثالث نسخة، ببساطة ان الكتب التي لدي هي ثلث ما جمعته تقريباً خلال الخمسة عشر عاماً الاخيرة. وقبل هذا فقدت مكتبتين، واحدة بعد ان غادرت سوريا والاخرى حين عدت الى سوريا. بالنسبة لفقدان الكتب بالاعارة فقد اعتقدت ذات يوم ان أعمل سجلاً على طريقة المراكز الثقافية يحول دون فقدان الكتاب، اسجل الكتاب على احدهم واعيره اياه..؟ بعد فترة يقول لي هذا الشخص اعرته لفلان ولم يرده لي، اذهب لفلان فيقول لي اعدته. بداية اعتقدت ان هذه حادثة فردية، ولكنني اكتشفت ان هذا الاسلوب مبتكر للحصول على الكتب عن طريق الاستعارة. ـ هل هنالك كتاب نادر في مكتبتك؟ ـ ندرة الكتاب امر نسبي، يمكن ان يكون لدي كتاب هو الوحيد في سوريا ولكن هل هو نادر فعلا؟ هل يمكن تسميته كتابا نادرا؟ نعم لدي كتاب في ثلاثة اجزاء يشرح بثلاث لغات كيفية صنع فيلم الكرتون وبالتفصيل. احضرته معي من هولندا، وهو في هولندا كتاب واسع الانتشار. ولا ادري كيف بقي هذا الكتاب لدي وعلى مدى خمسة عشر عاماً، لان الكتب النادرة هي اول ما يفقد من المكتبة. كان لدي سلسلة تعليمية للرسم في 206 أجزاء فقدتها خلال فترة قياسية. وهذه اشتريتها عن طريق احدى المكتبات من الولايات المتحدة الأمريكية. ـ هل تتضايق زوجتك من المكتبة، او من شرائك للكتب؟ ـ انا لا اجامل في امر الزوجة على الرغم أنني متهم وعلى نطاق واسع بهذه التهمة، زوجتي اختارتني، وخطبتني، وهي تعرف عللي كلها، حتى انها عندما نقلت جهازها الى بيتي كان معها مجموعة صغيرة من الكتب منها «مجموعة روايات عبدالرحمن منيف» وضاعت هذه الكتب كلها بالاعارة... وطالما هي التي اختارت وعن سبق اصرار وتصميم فهي تحصد نتائج هذا الاختيار، وهي على عكسي في عملية الاعارة. فإذا اعارت كتابا لاحدى صديقاتها تبقى وراءها كظلها حتى تستعيد الكتاب. فهي تحافظ على المكتبة اكثر مني. ـ كتب الاطفال كثيرة في مكتبتك. لكننا لا نرى ان احدها يحمل اسمك «كمترجم» لماذا؟ ـ انا احمل ماجستيراً في الرسوم المتحركة. هذا يعني ان علاقتي وطيدة بعالم الطفل، ويشغل كتاب الطفل حيزاً مهما من مكتبتي، واكثر هذه الكتب اقتنيتها قبل ان يكون لدي اطفال. وحاليا حين اشتري كتابا للاطفال. اقرأه قبل اولادي. على الرغم من هذا لم اترجم كتاباً للاطفال، لان هذا الموضوع خطير جدا، وليس فيه تسامح، فشرطة ادب الاطفال العربية مثل محاكم امن الدولة العربية اذا كان هناك ثالوث محرّم في أدب الكبار فإن هنالك عاشور ـ أو أكثر ـ محرم في أدب الصغار. مرة ترجمت نصاً «لمظفر ازغو» عرضته على اشخاص فاعتبروه خيانة عظمى وقالوا لي اين ستنشره؟ واذا ترجمته الى اللغة المسطرة المفروضة من قبل شرطة ادب الاطفال سأضحك من نفسي. فاخترت الخيار السائد بين ابناء امتنا «ابتعد عن الشر وغني له». ـ ما امنياتك من الكتاب، وللكتاب المترجم؟ ـ سأكون صريحاً جدا هنا، الفساد عندما يتسلل الى مجتمع ما فلا يقتصر على قطاع معين، الفساد داء اجتماعي يصيب المجتمع كله، والمترجمون جزء من هذا المجتمع، امنيتي الكبرى توفر الحد الادني لشروط الترجمة، اي ان يعمل في الترجمة من يجيد اللغة التي يترجم عنها. عندما اقارن بين اصل كتاب وترجمته اشعر بالغثيان. ببساطة ودون مبالغة. هنالك كتّاب لهم شهرة واسعة في الوطن العربي، ونردد اقوالا على انها لهم. وليس لها علاقة بهم لا من بعيد ولا من قريب. اهم هؤلاء «ناظم حكمت» ان الشاعر المقدم الينا عربياً باسم ناظم حكمت شخص اخر لا علاقة له بناظم حكمت، ومن مفارقات الامر قصيدة مؤلفة من ست عشرة صفحة ـ لأسباب لا أعرفها ـ حذف المترجم منها ثماني صفحات، وقدم لنا اربعاً وعشرين صفحة على انها ترجمة لتلك القصيدة!! ازمة الكتاب المترجم قضية أعقد مما يطرح ويناقش، فهي قضية متشعبة الى حد عدم امكانية معرفة خفاياها كلها... لذلك انا اشفق على القاريء كثيرا. وأحترمه حتى حين أقدم له كتاباً مهماً ويعزف عن شرائه.