بيان الكتب: ايمانويل لوروا لادوري، مؤلف هذا الكتاب هو أحد أبرز المؤرخين الفرنسيين المعاصرين، وهو أيضاً «الوريث» الرئيسي لمدرسة «الحوليات» في كتابة التاريخ، اي «المدرسة الفرنسية الجديدة لكتابة التاريخ» التي كانت قد تأسست في مطلع عقد الثلاثينيات من القرن العشرين بمساهمة ثلاثة من كبار المؤرخين آنذاك هم مارك بلوك ولوسيان فيفر وفرناند بروديل. واحد رواد مجلة تحت عنوان «الحوليات»، التي لا تزال تصدر حتى اليوم. وكان الجديد في توجه هذه المدرسة الجديدة بقراءة التاريخ هي انها لم تكن تعطي الاولوية للأحداث التاريخية ذاتها وانما لتحليل السياقات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي انتجتها. هذا الكتاب الجديد لـ «ايمانويل لوروا لادوري» الذي أصدر حتى الآن عشرات الكتب ويساهم باستمرار بتقديم دراساته التاريخية بل و«قراءته» للكتب في الدوريات المختصة، يأتي ـ أي الكتاب ـ في سياق تشهد فيه القارة الأوروبية مرحلة حاسمة من مسيرة توحيدها ضمن اطار الاتحاد الأوروبي الذي تبنت عدة دول فيه التعامل بعملة موحدة هي «اليورو» ستصبح سارية المفعول ومتداولة خلال اشهر قليلة. لكنه أيضاً سياق تشهد فيه القارة القديمة بروزاً كبيراً للحركات ذات الطابع الاقليمي على أساس اثني او عقائدي والتي تطالب بقدر اكبر من الاستقلال الذاتي وتحقيق هوياتها الخاصة مثل مناطق الباسك في اسبانيا وكورسيكا في فرنسا. ويأتي اصدار المؤرخ الكبير لهذا العمل «تاريخ المناطق الفرنسية» في سياق فرنسي «خاص» تميز بنوع من تأكيد اللامركزية واخذ الاعتبارات «الاقليمية» أو «المناطقية» في الحساب لتحديد التوجهات السياسية العامة. ذلك ان الجمعية الوطنية الفرنسية قد اقترعت قبل اسابيع فقط على بعض النصوص القانونية التي تعطي جزيرة «كورسيكا» وضعاً قانونياً خاصاً ضمن اطار «الجمهورية»، الامر الذي اثار الكثير من النقاش وادى إلى استقالة وزير الداخلية الفرنسي السابق جان بيير شوفنمان الذي اعتبر بان هذا التوجه الجديد يشكل مساساً بوحدة «التراب الوطني» الفرنسي. كما ان وزير التربية الفرنسي اعطى الضوء الاخضر من اجل تعليم بعض «اللغات المحلية» في المدارس، كما هو الحال بالنسبة لمنطقة «بروتانيا» التي يؤكد اهلها على «خصوصيتهم» الثقافية واللغوية. ما يؤكد عليه «ايمانويل لوروا لادوري» هو ان هذا التوجه الذي تتبناه السلطة الفرنسية خلال الفترة الاخيرة من اجل تأكيد اكبر للامركزية.. انما هو توجه قديم جداً.. بل ويعود إلى اقدم الحقب التاريخية من حياة الامة الفرنسية، اذ ان «باريس» و«اورليان» كانتا في القرن العاشر تحت حكم الكابيثيب. كما ان مقاطعتي «نيس» و«سافوا» انتظرتا حتى عام 1860 كي تنضما إلى نفس الاطار الذي كان يجمع المقاطعات الفرنسية كلها في «كيان» واحد. ان المؤلف والمؤرخ يقدم في هذا العمل الملامح الرئيسية للمسار التاريخي الخاص الذي عرفته المناطق الفرنسية المتنوعة مثل الالزاس واللورين ـ اللتين ضمتهما المانيا لعدة عقود من الزمن قبل ان تعودا إلى السيادة الفرنسية ـ وكورسيكا، وسافوا... الخ. وهو يدرس هذا المسار خلال قرون طويلة من الزمن تمتد من العصور الوسطى وحتى فترة حكم الرئيس الفرنسي السابق، الراحل، فرانسوا ميتران. ان هذه المناطق المختلفة عرفت قدراً كبيراً من الخصوصية في تاريخيتها، لكنها بنت بنفس الوقت آليات انتمائها إلى الأمة الفرنسية. ولعل من ابرز الاهداف الرئيسية لهذا الكتاب البحث في كيفية «تمفصل» ماهو اقليمي، منطقي ـ من منطقة ـ مع ماهو وطني وقومي، بتعبير آخر ان المؤلف يريد ان يشرح كيف يمكن لـ «الالزاسي» أو «الكورسيكي». أو «البروثوني».. او.. ان يكونوا الزاسيين وكورسيكيين وبروتونيين.. ولكن بنفس الوقت فرنسيين. ومن خلال البحث والتحليل يتوصل لوروا لادوري إلى طرح... بمنتهى الدقة بل و«الخطورة» في نهاية الكتاب في وقت تتنامى فيه النزعات ذات الطابع الاقليمي ـ الاقليمي ـ وتواجه فيه فكرة الانتماء القومي بعض التشوش بسبب السياق السياسي الاوروبي العام الذي يسير باتجاه «التوحيد»، كما يطرح على جميع الدول المعنية به اسئلة جوهرية تتعلق بمفهوم السيادة والهوية الوطنية، ولكن أيضاً تواجه فيه النظام الدولي الجديد والعولمة. ان السؤال «الدقيق» و«الخطير» الذي يطرحه لوروا لادوري في مواجهة هذا كله، صاغه بالشكل التالي: «هل سيكون باستطاعة فرنسا في ظل هذه الظروف ان تؤمن التوجه التوحيدي الذي نجحت بتحقيقه في الماضي؟». وفي معرض الاجابة، يقول بانه اذا لم يكن النجاح «بعيداً عن التصور» فإنه بنفس الوقت «ليس مضموناً بشكل مسبق». وبكل الاحوال يعيد «لوروا لادوري» بروز ظاهرة البحث عن «الجذور» على أساس مطالب ذات طابع اقليمي في العصر الحديث إلى القرن التاسع عشر. لكنها كانت في البداية مطالب على ارضية ثقافية بحتة لم تتحول بشكل ملموس إلى «ارضية سياسية» سوى بعد نهاية الحرب العالمية الاولى. هكذا تم «التزاوج» بين الافكار الثقافية التي كانت تشهدها فرنسا، واوروبا كلها وبين برامج بعض الحركات السياسية ذات النزعات «الاستقلالية الذاتية» إلى هذا الحد أو ذاك. وقد كانت تلك الحركات تنتمي إلى ايديولوجيات يمينية او يسارية متطرفة، وبالاحرى يسارية متطرفة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ان الموقف الذي يحافظ عليه المؤلف، وانطلاقاً من موقع المؤرخ، هو انه لا يقدم تحليلاته على اساس اصدار «احكام قيمة» مؤيدة او معارضة لهذه النزعة الاقليمية ـ المنطقية ـ أو تلك. وانما هو يكتفي بـ «الملاحظة» و«القراءة»، بل ويقترح على قارئه «رحلة عبر الزمن» إلى مختلف المناطق الفرنسية الرئيسية حيث لا تزال هناك «اقليات لغوية» ترفض ان تموت في الالزاس وبروتانيا ومنطقة الباسك وكورسيكا.. التي يمكن ان نقرأ عنها انها كانت في القرن السادس عشر تمثل «منطقة صعبة ومزعجة بالنسبة لجمهورية جنوة» وبأن اليسار كان «معادياً» لكورسيكا في القرن التاسع عشر.. وبأن جورج كلمنصر، كان قد فكر قبل ريمون بار ـ وكلاهما رجل دولة فرنسي ـ بـ «التخلي عن جزيرة الجمال»، كما تدعى كورسيكا. ان فرنسا تعني التنوع «قال ذات يوم فرناند بروديل، وهذا ما يؤكده اليوم ايمانويل لوروا لادوري في هذا الكتاب».