بيان الكتب: صدر حديثا للمفكر والباحث العربي ميثم الجنابي كتاب جديد بعنوان «الإسلام السياسي في جمهوريات وسط آسيا الإسلامية» يشمل تقديماً نظرياً «للظاهرة الإسلامية» بشكل عام وخصوصيتها، وآفاقها في دول وسط آسيا الإسلامية المعاصرة ويقدم الكتاب تحليلا معمقا لماهية هذه الدول الحديثة، طبيعتها، صيرورة أيديولوجياتها الحكومية والقومية ونخبها السياسية. ينطلق المؤلف - وهو بروفيسور في العلوم الفلسفية والإسلاميات ويعمل الآن أستاذا للفلسفة الإسلامية والتصوف في الجامعة الروسية - من القول بأن من الصعب تصور التاريخ الإسلامي من حيث إنجازاته الثقافية الكبرى دون تاريخ آسيا الوسطى. فهي - يكتب المؤلف في مقدمة الكتاب: «المنطقة الأخيرة للعالم الإسلامي التي لم تنهمك حتى الآن بصورة جدية ومستقلة في رفد الكيان الإسلامي العالمي بقواها الذاتية المبدعة.. بهذا المعنى يمكن النظر إلى «الإسلام السياسي» فيها على أنه إحدى القوى الفاعلة على بعث الرصيد التاريخي الهائل للمنطقة والعاملة على دمجه في نسيج الوعي الاجتماعي والسياسي والروحي لشعوب آسيا الوسطى الإسلامية. يتألف الكتاب من ثلاثة أبواب: الباب الأول: الإسلام والظاهرة الإسلامية في «آسيا الوسطى». الباب الثاني : إشكالية الثقافة والسياسة في صيرورة الدولة والنخبة السياسية في آسيا الوسطى: الباب الثالث : «الظاهرة الإسلامية » وإشكالية البديل السياسي والثقافي في آسيا الوسطى: يشير المؤلف في الباب الأول إلى إن «الظاهرة الإسلامية» في آسيا الوسطى أو «تسييس الإسلام» هي إشكالية مرتبطة أساسا بانحلال الوحدة الجوهرية بين التاريخ السياسي والثقافي للأمم الإسلامية في المنطقة. ومن ثم فان العقدة الأساسية التي تقف أمامها الآن تقوم في كيفية استعادتها لعقيدتها الثقافية المتراكمة في تاريخها الخاص لا في تاريخ الانقطاع الطويل الذي فرضته السيطرة الروسية عليها.. فقد أدى افتقاد المنطقة لتاريخها السياسي المستقل إلى أن تتحول تجاربها السياسية والاجتماعية والقومية أما إلى جزء من النضال ضد السيطرة الروسية وإما إلى تقليد أو محاكاة باهتة للتجارب الروسية أو إلى مساع لتوليفها بطرق ومستويات متنوعة.. وفي الحصيلة ليست هذه التجارب سوى اجترار للزمن الميت، أنها تكشف في نهاية المطاف عن خوائها الروحي وعدم صلاحيتها بالنسبة لبناء وحدة الدولة والمجتمع وتطورهما الفعال.. فالأخير يفترض وجود نظام ثقافي متكامل يتخلل جميع مسامات الأنظمة الضرورية لتفعيل الدولة والمجتمع. بهذا المعنى كان استقلال دول آسيا الوسطى الإسلامية هو المقدمة الضرورية الأولى لاستعادة كيان الإسلام الثقافي فيها. وهي عملية سوف تستثير بالضرورة اشتراكه الفعال في الحياة السياسية. ذلك يعني أن تسييس الإسلام فيها هو ظاهرة إيجابية من حيث المقدمات والنتائج. إذ لا يعني تسييس الإسلام فيها سوى إلزام وإقناع الوعي السياسي المعاصر للسلطة والمعارضة والقوى الاجتماعية والسياسية جميعا على التعامل مع إشكاليات الواقع بما يضمن إمكانية تثويرها للوعي الذاتي «الاجتماعي والقومي والإسلامي العام. أي أن الظاهرة الإسلامية بصيغتها السياسية سوف تذلل في مجرى صيرورة الدولة الشرخ المادي والمعنوي عند النخب السياسية والأحزاب السياسية الناشئة وقواها الاجتماعية, وتجّذر أهمية وقيمة الحقيقة القائلة بان إشكالية الإسلام والسياسة هي أولاً وقبل كل شيء إشكالية الرؤية الأوروبية. وفي معرض تقديمه النظري للظاهرة الإسلامية يرى المؤلف ان الظاهرة الإسلامية المعاصرة وازدياد تسييسها الاجتماعي والقومي والإقليمي والعالمي ظاهرة إيجابية فعالة، أنها تساهم رغم كل «الانحرافات»الممكنة على ترسيخ وتعميق نظام التعددية السياسية والثقافية على النطاق العالمي. إضافة لذلك أن الحركات الإسلامية السياسية المعاصرة غم كل «شطحاتها» هي على المدى البعيد أحد المساهمين الأساسيين في إعادة ترتيب نظام الحقوق الدولية والحياة المدنية والحرية الفردية والاجتماعية والقيم الأخلاقية والجمالية, وأحد محددات العدالة والاعتدال في الوجود الإنساني. أما الباب الثاني من الكتاب فيطلعنا على طبيعة الدولة الجديدة في آسيا الوسطى وصيرورة أيديولوجياتها الحكومية والقومية ونخبها السياسية، وأثر هذه الصيرورة في ظهور الإشكاليات الدينية والدنيوية، الاثني والقومي، الآسيوي- الُوسطوِي والإسلامي. ويعود المؤلف في الباب الثالث إلى مناقشة «الظاهرة الإسلامية » في سياق «البدائل الثقافية » حيث يرى إن البدائل الإسلامية لم تتجسد بعد في أيديولوجيات سياسية متكاملة. لأنها لم تتحول بعد إلى جزء عضوي في الوعي الاجتماعي والسياسي لدول آسيا الوسطى أما وجودها السياسي بهيئة أحزاب وحركات وتجمعات وأفراد, فانه يشير إلى الملامح الأولية لهذا التحول. وهي ظاهرة سوف تتعمق مع كل إدراك لقيمة المورث الثقافي الإسلامي. بمعنى الاقتراب الجزئي المستمر والمتعمق بين التيار التحرري الديمقراطي والتيار الإسلامي. فإذا كانت الحركات الإسلامية هي الصيغة الثقافية لتمثل وعي الذات القومي,فان الحركات القومية هي الصيغة السياسية لهذا التمثل، أي انهما يلتقيان في الباطن ويتباينان في الظاهر، وهو خلاف حدده ويحدده الشرخ التاريخي بين الوعي السياسي الدولتي وبين موروث الثقافي الخاص، ومن ثم فان كل خطوة إيجابية إلى الأمام يخطوها الوعي الاجتماعي السياسي والقومي والثقافي سوف تؤدي حتما إلى تلاقيهما أو اتحادهما في رؤية الأولويات الكبرى بالنسبة لمصالح الدولة والمجتمع. خاتمة الكتاب تحتوي على تقويم عام لواقع وآفاق «الإسلام السياسي» في المنطقة، واقتراحات عملية تخدم إعادة تكامل أسيا الوسطى ثقافيا وسياسيا بالعالم الإسلامي. د.مجيد القضماني