بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب «جان مارك لوبييه» هو مؤرخ فرنسي اهتم بشكل خاص بتاريخ الحرب العالمية الثانية وبالتاريخ الاوروبي المعاصر بشكل اوسع. قدم العديد من الاعمال والدراسات في المجلات والدوريات المختصة. كتب ايضاً سيرة حياة الممثل الهزلي «لويس دوفونيس» وكذلك سيرة حياة «ماتا هاري»، الى جانب عدد من الروايات. كان «لوبييه» قد قدّم العمل الاصلي لسيرة حياة «لويس جوفيه» في عام 1986 ثم عاد وعمل لسنوات مصححاً بعض المعلومات ومضيفاً الكثير مما استجد لديه من وثائق وشهادات حول نفس الشخص. لكن من هو «لويس جوفيه» الملقب بـ «المعلّم»؟ انه احد كبار رجال المسرح الفرنسيين في القرن العشرين، ويحمل مسرح «اتيني» الباريسي الشهير اسمه حيث كان قد توفي يوم 16 اغسطس من عام 1951 بمكتبه في «الكواليس». كان عمره آنذاك اربعة وستين عاماً بعد ان كان قد اخرج عدداً من المسرحيات التي مثلها فنانون فرنسيون كبار على خشبة ذلك المسرح، حيث تتم الاستعدادات للاحتفال بمرور خمسين سنة على وفاة «لويس جوفيه» ان نشر هذه السيرة يأتي ايضاً في نفس السياق «الاحتفالي». واذا كان الجميع يتفق على الموهبة الاستثنائية التي تحلى بها «لويس جوفيه»، فإن اسراراً كبيرة ومناطق ظليلة لاتزال تحيط بحقيقة الدور الذي لعبه هذا الفنان خلال الفترة ما بين (يونيو 1941 حتى فبراير 1945) التي امضاها، مع فرقته المسرحية، متجولاً في جميع انحاء الولايات المتحدة الامريكية. وهذه الفترة بالتحديد هي التي يوليها المؤلف اهتمامه في هذا العمل عبر تقديم بعض الشهادات والوثائق الجديدة. كما استعان المؤلف للمرة الاولى بارشيف مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي. ما يؤكده المؤلف هو ان لويس جوفيه قد ذهب الى الولايات المتحدة الامريكية بدعم وتشجيع، بل وتمويل حكومة فيشي التي كان يتزعمها المارشال بيتان والتي تعاونت، الى هذا الحد او ذاك مع قوات الاحتلال النازي لبلادها. وكان مسرح «اتيني» الذي يعمل به «لويس جوفيه» قد اغلق ابوابه اعتباراً من شهر يونيو عام 1940 بعد احتلال جيوش هتلر للعاصمة الفرنسية. وكانت سلطات الاحتلال قد طلبت من المعلم ان يعيد فتح ابواب المسرح ويقدم على خشبته مسرحية «كاثرين دو هلبرون» من تأليف الكاتب المسرحي الالماني «كليسف» ذي النزعات الالمانية السوفييتية، لكن جوفيه رفض طلبهم بشكل قاطع وغادر العاصمة كي يلجأ الى بعض المناطق التي كانت المقاومة قد بدأت فيها وهناك التقى بعدد من الممثلين والممثلات الذين كانوا يعملون معه، وخاصة «مادلين اوزيراي» التي كانت بمثابة الممثلة المفضلة لديه والمرأة التي احبها لسنوات طويلة والتي حثته كثيراً كي يغادر فرنسا الى مكان اخر في العالم. وتجدر الاشارة الى ان هذا الكتاب يحتوي على شهادة لهذه الممثلة التي كانت قد لعبت لأشهر طويلة الدور الرئيسي في مسرحية «مدرسة النساء» من تأليف موليير. تدخّل الكثيرون من اجل السماح لـ «لويس جوفيه» وفرقته للقيام بدورتهم المسرحية في ارجاء الولايات المتحدة الامريكية. وتسلم وزير الخارجية الفرنسية آنذاك «بول بودوان» رسالة من ادارة النشاطات الفنية الفرنسية في الخارج تم التأكيد فيها على اهمية المشروع الذي سيكون بمثابة تظاهرة ممتازة للدعاية لفرنسا، لقد كان «لويس جوفيه» يدرك اذن بأنه يذهب الى امريكا باوامر من حكومة فيشي. لكنه لم يكن يرى اية امكانية اخرى اذا اراد ان يتابع نشاطه المسرحي. لقد قبل «لويس جوفيه» بهذا الخيار الذي رفضه آخرون والتحقوا بصفوف المقاومة. انه، وكما يقدمه مؤلف هذا الكتاب، خيار رجل كان يضع حبه للمسرح فوق اي شيء آخر. ولا شك بأن اسهل الصفات التي يمكن اطلاقها عليه اليوم هي انه كان «جباناً»! ولكن تسلسل الاحداث كلها يدفع الى التأمل والتروي قبل اطلاق مثل هذه الصفة، ان صداقاته الفنية وخاصة مع الكاتب المسرحي الكبير «جان جيرودو» والذي كان لويس جوفيه قد اخرج جميع اعماله على خشبة المسارح، وفي الواقع ان جوفيه كان قد شارك في المعارك الحربية اثناء الحرب العالمية الاولى وهو من مواليد 1887 كطبيب مساعد، مما دفعه للاعتقاد بأنه لا يمكن لأحد اتهامه بـ «الفرار» من ارض المعركة اثناء الحرب العالمية الثانية. في مثل هذا السياق اتخذ لويس جوفيه قراره بقبول «وساطة» حكومة فيشي والذهاب الى الولايات المتحدة الامريكية. امضى «لويس جوفيه» عامه الأول من رحلته في القارة الامريكية بجولة زار فيها عدداً من بلدان امريكا اللاتينية حيث كان يأمل بعدها ان يعود الى فرنسا بعد تحريرها من الاحتلال النازي. لكن الحرب استمرت ولم يبد ان نهايتها كانت تلوح في الافق القريب. وفي شهر ديسمبر من عام 1941 وعندما كان لويس جوفيه في مدينة «ريودوجانيرو» جمع فرقته لاتخاذ قرار بالعودة على اساس ان «الجولة المسرحية» قد انتهت لكنه تلقى عندها رسالة من السلطات الفرنسية اكدت فيها بأن «وجوده في الخارج اكثر فائدة» من عودته الى فرنسا واخبروه بانه سوف تتم مساعدته كي يتابع جولته في الولايات المتحدة. عرض «المعلّم» كما شاعت تسميته، الوضع على اعضاء الفرقة المسرحية فقرر خمسة منهم العودة الى فرنسا والمشاركة في صفوف المقاومة بينما اكمل «جوفيه» وبقية اعضاء الفرقة تنفيذ مشروعهم ولمدة ثلاث سنوات اخرى. ان المؤلف يستعرض العديد من التصريحات التي ادلى بها «لويس جوفيه» اثناء جولته الامريكية والتي بدا فيها قريباً من حكومة فيشي ومن المارشال «بيتان» رئيسها الذي كان قد جمع بيده السلطات الرئيسية في البلاد الامر الذي دفع الامريكيين وتحديدا مكتب التحقيقات الفيدرالي الى مراقبته واتهامه بأنه نصير لحكومة فيشي او بأنه كان يقوم بدعايات تخريبية، ووصل الامر الى منعه من السفر بشركة الطيران الامريكية للنقل، وتحديدا التابعة للولايات المتحدة وليس لدول امريكا اللاتينية. لكن المفارقة جاءت من فرنسا نفسها حيث قام الجنرال شارل ديجول، قائد جيش فرنسا الحرة ورمز المقاومة ضد الاحتلال النازي بدعمه عند انتهاء جولته ليعود «لويس جوفيه» بعدها الى فرنسا. وفي المحصلة الاخيرة يبقى السؤال قائماً: ماذا كانت حقيقة لويس جوفيه؟ ان هذا الكتاب يثير في الواقع اسئلة اكثر مما يقدمه من اجابات. بكل الاحوال كانت جولة «المعلّم» وفرقته بمثابة نجاح باهر رغم الصعوبات الكثيرة التي واجهتها. توفي لويس جوفيه بتاريخ 16 اغسطس عام 1951 بعد صراع مع المرض استمر يومين حيث كانت اصابته نوبة قلبية وهو على خشبة المسرح اثناء التدريب الاخير قبل عرض مسرحية «القوة والمجد» للكاتب جراهام جرين. كان «لويس جوفيه» عاشقاً حقيقياً للمسرح. وفي السنوات الاخيرة من حياته بعد عودته من جولته الامريكية واجه باستمرار نظرات «التشكك» من الاخرين، كما واجه الاسئلة الملحة من الصحفيين حول حقيقة موقفه من حكومة فيشي. وينقل المؤلف الحوار التالي بينه وبين احد الصحفيين: لكن اخيرا بأية جهة انت؟ ياسيد جوفيه؟، انا من جهة المسرح، لقد فهمت حقيقة سؤالي. اريد ان اسأل هل انت مع الجنرال ديجول ام مع المارشال بيتان؟، انا مع موليير وماريجو وجيرودو». لكن عندما تقع الحرب وتصبح البلاد مهددة قد تصبح مثل هذه الاجابات هرباً من اختيار اي انسان لـ «معسكره». فهل يحق للفنان «لويس جوفيه» او لأي فنان مالا يحق لغيره؟. لاشك بأن الاجابة تحتاج الى الكثير من التريث، هذا ما تدعونا اليه قراءة هذا الكتاب.